رحلة "قسرية" غامضة تشعل الموقف الأوروبي من تهجير الفلسطينيين
بروكسل - أعرب المتحدث باسم مفوضية الاتحاد الأوروبي، أنور العوني، عن رفض الاتحاد لأي تهجير قسري للفلسطينيين من قطاع غزة، مؤكدا أن "غزة جزء مهم من الدولة الفلسطينية المستقبلية، ويجب ألا يكون هناك تهجير قسري". جاء ذلك خلال رده على أسئلة الصحفيين في مؤتمره الصحفي اليومي، تعليقا على وصول فلسطينيين بشكل غامض من قطاع غزة إلى جنوب إفريقيا عبر رحلة انطلقت من إسرائيل.
يأتي هذا الموقف الأوروبي في لحظة سياسية حرجة تتزايد فيها الأسئلة حول حقيقة ما يجري في غزة، خصوصا مع تعدد شهادات وتقارير حول مخاطر نقل السكان أو دفعهم للمغادرة تحت ظروف الحرب. وبالرغم من أن الاتحاد الأوروبي يحافظ في خطابه الرسمي على رفض التهجير ورفض أي تغيير ديموغرافي، إلا أن تعامله مع الوقائع الميدانية يظل محكوما بالحذر، وهو ما تكشفه تصريحات المتحدثين التي تُبقي الباب مفتوحًا أمام "التحقيق" و"التدقيق"، وتجنّب إصدار أحكام قاطعة.
وأشار العوني إلى عدم امتلاكه معلومات مُفصّلة حول الحادثة، مضيفا "مع ذلك، فإن موقفنا من هذا الأمر لم يتغير.. يرفض الاتحاد الأوروبي أي تغييرات ديموغرافية أو إقليمية في غزة". كما شدد على أن بروكسل تدعم دمج القطاع مع الضفة الغربية، قائلا: "كما قالت الرئيسة أورسولا فون دير لاين، تُعدّ غزة جزءا أساسيا من الدولة الفلسطينية المستقبلية، ويجب ألا يكون هناك تهجير قسري".
من جهتها، قالت كبيرة المتحدثين باسم المفوضية الأوروبية، باولا بينهو، إن الأمر ما زال يحتاج إلى تحقيق لتحديد ما إذا كان ما جرى "تهجيرا قسريا أم مغادرة طوعية".
بين ثوابت معلنة وقلق من الوقائع الميدانية
وعكس هذا الحذر (الأوروبي) معضلة مزمنة: الرغبة في حماية الإطار القانوني الدولي من جهة، وغياب الإرادة السياسية لفرض ضغوط فعلية على إسرائيل من جهة أخرى، ففي الوقت الذي يشدد فيه الاتحاد على أن غزة عنصر أساسي في الدولة الفلسطينية المستقبلية، فإن قدرته على التأثير في مسار الأحداث تبقى محدودة، لا سيما في ظل انقسام داخلي بين الدول الأعضاء حول كيفية التعاطي مع سياسات تل أبيب.
ويضطر الاتحاد الأوروبي في مواقفه العلنية إلى التمسك بسقف الخطاب القانوني برفض التهجير، رفض تغيير الحدود، التأكيد على حل الدولتين، لأنه يدرك أن أي تغيير ديموغرافي مفروض في غزة سيقوّض الإطار السياسي الذي يتبناه منذ عقود، وسيضعه أمام أزمة مصداقية على الساحة الدولية. ومع ذلك، فإن الأوروبيين يتابعون بقلق التطورات التي قد تعيد رسم الواقع السكاني للقطاع تدريجياً تحت عنوان "المغادرة الطوعية" أو "السفر إلى دول ثالثة".
وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، احتجزت سلطات مطار 'أو آر تامبو' في جوهانسبرغ 153 فلسطينيا لنحو 13 ساعة بعد وصولهم على متن رحلة ربط من مطار رامون في إسرائيل إلى كينيا، بسبب غياب ختم الخروج الإسرائيلي عن جوازاتهم. وبعد التدقيق، سمحت لهم هيئة أمن الحدود في جنوب إفريقيا بالدخول بموجب الإعفاءات الحالية التي تُتيح لحاملي الجواز الفلسطيني زيارة البلاد لمدة تصل إلى 90 يوما.
وفيما قالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية إن الفلسطينيين غادروا قطاع غزة بعد حصولهم على موافقة من دولة ثالثة، يرى مراقبون أن هذه الإجراءات قد تشكّل قناة جديدة لتهجير الفلسطينيين تحت مسمّيات قانونية، بما يخلق سابقة خطيرة في الظرف الحالي.
من جانبه، أكد رئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا، أن حكومته تُجري تحقيقا في ملابسات وصول الفلسطينيين "الذين وُضعوا في ظروف غامضة على متن طائرة ونُقلوا عبر نيروبي"، مشددا على ضرورة فهم خلفيات الرحلة وتقييم ما قد تنطوي عليه من تداعيات مستقبلية.
في ضوء هذه التطورات، يبدو الموقف الأوروبي في مرحلة اختبار حقيقي: فهو متمسك نظريًا برفض التهجير، لكنه مطالب بإثبات أن هذا الموقف ليس مجرد إعلان مبدئي، بل سياسة قابلة للتفعيل. ومع ازدياد الحالات الغامضة المرتبطة بمغادرة فلسطينيين للقطاع، يزداد الضغط على بروكسل لتوضيح أدواتها وحجم استعدادها لمنع أي تغيير ديموغرافي يفرضه الواقع على الأرض.