رحلة محمل فتح الخير تستعيد الذاكرة البحرية الخليجية

الكتاب يوثّق رحلة جامعة بين الصور والذاكرة البحرية وحياة اليزوة في البحر، من مواجهة الموج إلى لحظات الاستقبال والاحتفاء في الكويت والسعودية وعُمان والإمارات.

يشكّل كتاب "رحلة محمل فتح الخير لبنادر الخليج" وثيقة بصرية وجمالية وسردية فريدة توثّق واحدة من أهم الرحلات البحرية التراثية في الخليج العربي، رحلة محمل "فتح الخير" الذي أعيد إحياؤه ليجوب موانئ الخليج من الدوحة إلى الكويت والسعودية وسواحل عُمان وصولاً إلى الإمارات، مستعيدًا بذلك الذاكرة البحرية التي شكّلت لقرون جزءًا أصيلًا من حياة أهل الساحل.

يجمع الكتاب الصادر عن المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا) في قطر، بين الصور الفوتوغرافية الحيّة والنصوص العربية التي دوّنت تجارب البحّارة، ووثّقت تفاصيل العمل اليومي على ظهر المحمل، وتقلّبات البحر، ومحطات الاستقبال والاحتفاء في مختلف المدن. وهو لا يقدّم سردًا تاريخيًا فحسب، بل يرصد أيضًا التحولات الكبرى التي شهدتها الموانئ الخليجية، فيضع المحمل الخشبي القديم في مواجهة المدن الحديثة بأبراجها وأسواقها ومراسيها الواسعة.

قدم للكتاب كل من عبد الرحمن بن صالح الخليفي رئيس المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا) د.خالد بن إبراهيم السليطي المدير العام للمؤسسة، وأحمد بن محمد الهتمي مدير مهرجان كتارا للمحاميل التقليدية وشارك فيه مصورا وكاتبا أحمد بن يوسف الخليفي، بالإضافة إلى رؤى أعضاء فريق الرحلة.  وقد رسمت مجل الكتاب جنب إلى جنب الصور رؤية بانورامية للرحلة، كاشفة عن روح التعاون والصبر التي اتسمت بها حياة اليزوة، وأعطت فرصة نادرة للاقتراب من جماليات البحر وخبرات الربابنة والبحّارة، كما استعادت الأهازيج، والمهن، والعادات البحرية، والصور الإنسانية التي تتكرر في كل بندر ومحطة. إنه كتاب لا يوثق مجرد رحلة فقط، بل يصون ذاكرة، ويمنح نافذة للأجيال القادمة على عالم ظلّ حاضرًا في الوجدان وإن غاب عن الحياة اليومية، ليثبت أن البحر، بكل ما يحمله من تعب وبهاء، ما زال جزءًا مؤسِّسًا من الهوية الخليجية.

تبدأ الرحلة كما يرويها الكتاب بصورة محمل ينهض في قلب الزمن الحديث، يرفع شراعه في مواجهة مدينة تتصاعد أبراجها، بينما يظل هو مشدودًا إلى إرث البحر الأول، فيظهر "محمل "فتح الخير" يرفع شراعه مقابل الدوحة الحديثة ذات الأبراج العالية). هذه الصورة الافتتاحية ليست مجرد مشهد بصري بل لحظة تتقاطع فيها الأزمنة، فالمحمل يسير من قلب الذاكرة نحو مدن متغيّرة، حاملاً معه حكاية البحارة الذين يعيدون تمثيل مشهد كان يومًا نمط حياتهم الوحيد. ومع حلول ليل الإبحار يتجمع اليزوة فوق الخشب الحي، يستعدون للأهوال والمفاجآت، يحملون الزاد ويحكمون ما يجب إحكامه، فيذكر الكتاب بدقة طقوس تلك الليلة حين (يحمل اليزوة المؤن "الزاد" في ميناء الدوحة ليلة الإبحار… لحماية المحمل من الموج والرياح ومن برودة الطقس). ويحل الفجر حيث تبدأ دورة العمل التي لا تنقطع، فينهض الطباخ محمد قبل الجميع ليُعد الشاي والقهوة، فقد جرت العادة أن يكون ذلك أول مهامه، ويتحدث النص صراحة عندما يقول: (يقوم الطباخ محمد بتجهيز الشاي والقهوة في فجر اليوم الثاني؛ كأول مهام اليوم بعد تناول التمر وصلاة الفجر). هكذا كان الزمن يتشكل من تتابع دقيق لا يختل.

ومع خروج المحمل من مياه الدوحة وابتعاده عنها تبدأ قسوة البحر، فالشراع يلتقط الريح من الجهات التي لا يضبطها الإنسان، والموج ينهض على جانبي السفينة، فتبدأ رحلة اختبار الإرادة. ويذكر الكتاب كيف أن الموج كان عاليًا وأن حركة المحمل أجهدت حتى المواشي التي اصطحبوها معهم، فيقول: (لاحظ اليزوة أن أحد الخروفين بدا تعبًا من قوة الموج وحركة المحمل…). ومع أن الرحلة لا تسمح بالتأجيل، قرر البحارة ذبح الخروف قبل أن يشتد عليه التعب، وتولى المهمة عبد الرحمن اليافعي ومحمد العكبري. ثم يتابع السرد ليذكر أن التعاون كان السمة الغالبة، إذ (يتعاون اليزوة على سلخ الخروف وتقطيعه وغسله وتجهيزه للطبخ). وفي اليوم الثالث تكررت المشقة نفسها على الخروف الثاني الذي أصيب بدوار البحر، ويورد الكتاب: (في ثالث يوم من المسير، قام اليزوة بذبح الخروف الثاني الذي بدت عليه أعراض دوار البحر…). ويظل الموج حاضرًا في كل لحظة من الرحلة، فالبحر لا يمنح أي فرصة للاسترخاء، لذلك يصف الكتاب بوضوح المشهد حين (مياه البحر المتطايرة من الأسفل تغطي سطح المحمل الأمامي).

ويتقدم المحمل نحو الكويت، وكلما اتسعت المسافة بينه وبين نقطة الانطلاق انفتحت أمام الطاقم مشاهد جديدة وتحديات مختلفة. وتبلغ الرحلة لحظة تحول عندما تشتد أمواج البحر لساعات ثم يهدأ البحر فجأة، فيسجل الكتاب هذا التحول، في حين تكتسب الشواطئ وضوحها شيئًا فشيئًا أمام البحارة الذين طال انتظارهم، ويعبر النص عن هذه اللحظة بوضوح حين يقول "وضوح الهدف بدأت شواطئ الكويت تزداد وضوحًا لليزوة وصار الوصول إلى أول هدف وبندر للرحلة الخليجية". وهكذا يتحول المحمل، الذي كان يقاوم الموج قبل ساعات، إلى سفينة تتقدم نحو ميناء مقبل بإيقاع واثق.

وفي أثناء التقدم، ينشغل أفراد الطاقم بتنظيم المحمل وصيانته، إذ تشير إحدى الصفحات إلى عملهم الدؤوب في الإتقان حين (يقوم اليزوة بتجهيز شباك الصيد ويسعون لرزقهم من صيد البحر)، وفي موضع آخر إلى تنظيف ملابسهم (يستغل اليزوة الوقت المتوفر بغسيل الملابس وتجفيفها قبل الوصول إلى البندر القادم). وتتكرر قيم التعاون والجد والانضباط في مواضع مختلفة، فتارة يعملون على (سحب الحبل الذي يربط الدفة الخلفية للمحمل)، وتارة يحذرهم أحد الصيادين من شباكه "حذرنا قارب صيد من إمكانية مرور محملنا فوق شباكهم… فاضطررنا لتغيير المسار". وهكذا تمضي الرحلة محكومة بقراءة دقيقة للبحر وممراته ومفاجآته.

وتصل السفينة إلى الكويت أخيرًا، لكن الرحلة لا تتوقف، إذ تستمر نحو موانئ أخرى، منها موانئ السعودية والإمارات. وفي الطريق إلى السعودية يصف الكتاب لحظات التشاور الدقيق بين النوخذة وطاقم القيادة "يتشاور النوخذة مع فريق القيادة لاختيار أفضل الأوقات وأفضل المسارات لسير المحمل بين المرسى والبندر". وتأتي لحظات الراحة القصيرة، حيث يجلس البحارة عند المغيب، وكلٌ في مجموعة، ويتبادلون الأحاديث "يجلس اليزوة عند المغيب في مجموعات صغيرة على سطح المحمل حيث يتبادل الجميع الأحاديث المسلية". ثم تستمر الحياة الليلية في البحر بنظامها الخاص، فيتناوب المسؤولون على مراقبة المسار باستخدام المناظير "يتناوب طاقم القيادة بالذهاب إلى مقدمة المحمل لمراقبة مسار المحمل الليلي باستخدام المنظار".

ويصل المحمل إلى الدمام حيث يتبدل المشهد تمامًا، فالموانئ السعودية تستقبله باحتفالات كبيرة، فيسجل الكتاب "في ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام يتبادل اليزوة ومستضيفوهم الترحاب والتحية"، ثم يأتي النص الذي يظهر ضخامة الاستقبال "مدير عام ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام السيد نعيم بن إبراهيم النعيم يستقبل النوخذة وطاقم المحمل استقبالًا حافلًا" ثم تأتي العرضة السعودية الشهيرة التي أبهرت الحضور، فيرد "العرضة السعودية قدمته الفرقة الشعبية… وقد امتعت الحضور). وتزداد اللحظة حيوية عندما تصعد الفرقة الشعبية إلى المحمل ذاته وتبدأ بالأهازيج البحرية، ويشارك بعض البحارة بالرقص، "باشرت الفرقة الشعبية أداء وصلاتها… ورقص على أنغامها بعض اليزوة). هكذا يصبح المحمل مركز احتفال يعبر حدود البحر.

وتتابع الرحلة نحو سلطنة عُمان ـ محافظة مسندم، حيث تتغير طبيعة المكان وتظهر جبال عالية وأخوار متعرجة. وفي خور شم تحديدًا يشير النص إلى دهشة البحارة بالجمال الطبيعي حين يقول "أبدى اليزوة دهشتهم بالجمال الطبيعي الخلاب في خور شم". وقبل الوصول تتقدم الدلافين نحو المحمل وكأنها تبارك رحلته "الدلافين تسبق وتلاعب المحمل وكأنها تحيينا". وفي خور كمزار يظهر معنى التواصل الحقيقي، فهذه قرية لا يمكن الوصول إليها إلا من البحر، ويؤكد النص ذلك بقوله "محمل فتح الخير يشق طريقه إلى خور كمزار… لزيارة قرية لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق البحر".

وتستمر المشاهد الطبيعية المدهشة، إذ يصف الكتاب منظر جزيرة التلغراف "منظر مذهل لجزيرة التلغراف… كانت قاعدة اتصال بين الهند وإمارات الخليج". وهكذا تجمع الرحلة بين التاريخ والجغرافيا، بين الطبيعة والإنسان.

ومع التقدم نحو الإمارات ترتفع وتيرة العمل، فالبحارة يتهيأون لدخول موانئ ذات حركة مكثفة، ويقول الكتاب عن المشهد عند وصولهم دبي "وصلنا إلى مكتب الهجرة… وكانت هناك الكثير من المحامل الخشبية التي تنتظر الحصول على الإذن للخروج إلى بلدانها". ويبرز معنى التآزر في رفع الشراع عندما يقول النص "البحارة يتآزرون في رفع شراع فتح الخير". ثم تعج المدن الإماراتية بالحيوية، فيذكر الكتاب عن دبي "مدينة دبي تتميز بالمناطق السياحية الكثيرة… حيث يجتمع السياح لمشاهدة النوافير الراقصة". وتظهر لمحات من الحياة اليومية في المولات الراقية "يشتهر مول دبي بالمطاعم الراقية…". وفي أبوظبي، عند مرور المحمل، يبهر المشهد الجميع حين (بدا قصر الإمارات مزدانًا بالأضواء التي انعكست على صفحة مياه كورنيش أبوظبي الهادئة". ويتزامن وجود المحمل مع مناسبة وطنية مهمة، "صادف وقت زيارة محمل فتح الخير أسبوع احتفالات أبوظبي باليوم الوطني الثاني والأربعين".

وحين تقترب الرحلة من نهايتها، يعود النص إلى وصف الجهد والتعب في الأيام الأخيرة، فـ "الوتيرة تزداد وتكثر المهام… ويشتد الجهد على اليزوة". ويصف الكتاب مشهدًا مؤثرًا عند عودة البحارة إلى أهلهم بعد سبعة وعشرين يومًا في البحر "بعد طول غياب عن الأهل والأحباب، يعانق الأولاد والبنات آباءهم شوقًا لرؤيتهم سالمين من رحلتهم الطويلة". هذه اللحظة الإنسانية تختتم رحلة طويلة من الصبر والتلاحم، وهي معاني يصرح بها الكتاب حين يقول "من أعظم المعاني التي ذكرها اليزوة من خلال هذه الرحلة التي تعلموا فيها الصبر". ثم يتناول قيمة التلاحم "من المهام التي يؤدونها على المحمل تحتاج إلى المزيد من التلاحم والصبر والجلد…".

وفي الختام يظهر معنى المشاركة، ومعنى العطاء، ومعاني أخرى ارتبطت بالبحر وبالإنسان الذي واجهه لقرون. وهكذا، يصبح هذا السفر أكبر من مجرد تنقل بين موانئ، بل يتحول إلى مسار من إعادة إحياء الذاكرة البحرية للخليج، وتوثيق حياة البحارة اليومية، وإبراز ما يتوارى خلف الموج من مشاعر، واحتفالات، ومواقف، ودهشة، وتحديات. رحلة يسردها الكتاب لا كوقائع فقط، بل كرسالة محملة بقيم الصبر والتعاون والتلاحم، حيث يبدأ المشهد بشراع يرتفع أمام أبراج الدوحة وينتهي بعناق أبناء ينتظرون آباءهم في الميناء، وبينهما تمتد آلاف التفاصيل التي التقطتها الصفحات العربية بكل صدق وحرفية.