رسائل أميركية حازمة لبغداد لحسم ملف سلاح الميليشيات

تصريحات سافايا محاولة لدفع القوى العراقية نحو التقاط اللحظة، واستثمار الاستقرار النسبي لإعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها.

واشنطن - في تصريح لافت يعكس الموقف الأميركي من التطورات الجارية في العراق خاصة بعد استهداف حقل كورمور بإقليم كردستان (شمال)، أكد مبعوث الرئيس الأميركي إلى بغداد، مارك سافايا، اليوم السبت، أن البلد يقف عند مفترق طرق حاسم بين المضي في حصر السلاح بيد الدولة أو العودة إلى ما وصفه بـ"دوامة التعقيد".

وجاءت تصريحات سافايا في تدوينة على منصة "إكس"، أشار فيها إلى أن العالم ينظر اليوم إلى العراق كدولة تمتلك مقومات لعب دور إقليمي مهم، شريطة معالجة ملف السلاح الخارج عن سيطرة الدولة وتعزيز هيبة المؤسسات الرسمية.

وأوضح أن الاقتصاد العراقي لا يمكن أن ينمو في ظل تداخل السياسة مع "السلطة غير الرسمية"، مشدداً على أن بغداد تملك فرصة تاريخية لطي هذا الملف، بما يمكّنها من ترسيخ صورتها كدولة تُدار وفق القانون لا وفق موازين القوة والسلاح. كما دعا إلى احترام مبدأ فصل السلطات ومنع أي تدخلات تُضعف استقلال المؤسسات أو تعيق عملية اتخاذ القرار.

ومن هذا المدخل تتضح أهمية التصريحات الأميركية في قراءة اللحظة السياسية العراقية الراهنة، إذ تكشف التدوينة عن حجم القلق الدولي من استمرار ازدواجية القوة، وما قد يترتب على ذلك من تعطيل لمسار بناء الدولة، فالرسالة الأميركية تنطوي على تحذير مبطن من أن العراق قد لا يتمكن من استثمار مكانته الإقليمية ما لم يحسم إشكالية السلاح الموازي، التي تُعد واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وتأثيراً في مستقبل الاستقرار الداخلي.

وفي سياق قراءة أعمق، تبدو تصريحات سافايا بمثابة معادلة واضحة: إمّا الذهاب نحو دولة مؤسسات وسيادة قانون، أو التراجع إلى المسار الذي أثقل العراق طوال العقدين الماضيين، فالعراق، وفق المقاربة الأميركية، يمتلك اليوم فرصة نادرة لإعادة تعريف دوره الإقليمي وتحسين صورته الدولية، لكن هذه الفرصة مشروطة بتهيئة بيئة سياسية واقتصادية مستقرة بعيداً عن نفوذ الفصائل والسلاح غير الرسمي.

ويشير سافايا إلى البعد الاقتصادي كعامل أساسي في قراءة المشهد، مؤكداً أن البيئة المضطربة لا تسمح بجذب الاستثمارات أو بناء شراكات دولية موثوقة. وهذا الربط بين الاستقرار الأمني والنمو الاقتصادي يعكس قناعة دولية راسخة بأن أي مشروع تنمية حقيقي يستلزم أولاً معالجة بنية القوة في الداخل، بما يضمن وضوحاً في القرار السياسي واستقلالية في عمل المؤسسات.

أما الجانب المتعلق بفصل السلطات، فهو رسالة موجهة إلى الطبقة السياسية العراقية، مفادها أن بناء دولة قادرة لا يتم فقط عبر حصر السلاح، بل أيضاً من خلال حماية القضاء والبرلمان والحكومة من مراكز النفوذ والضغوط. وهي إشارة إلى أن العراق بحاجة إلى تعزيز آليات المساءلة القانونية، وإبعاد القرار السياسي عن تأثير القوى غير الرسمية التي قد تفرض إرادتها خارج إطار الدستور.

وبهذا المعنى، تبدو تصريحات سافايا محاولة لدفع القوى العراقية نحو التقاط اللحظة، واستثمار الاستقرار النسبي لإعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها. فالحديث عن "فرصة تاريخية" يعكس إدراكاً بأن العراق يقف اليوم أمام خيارين: إما التحول إلى دولة مؤسسات قادرة على فرض القانون وجذب الاستثمار، أو البقاء رهينة التعقيد الذي أرهق الدولة والمجتمع لسنوات طويلة.

وعليه، فإن الرسالة الأميركية تمثل دعماً مشروطاً للعراق: دعمٌ متاح طالما أن بغداد تتخذ خطوات ملموسة لتعزيز سيادة الدولة والالتزام بالدستور وإبعاد السلاح عن السياسة. وفي المحصلة، يبدو أن واشنطن تحذر من أن الوقت لم يعد يسمح بالمراوحة؛ فالعراق أمام امتحان حقيقي بين بناء دولة مستقرة أو البقاء داخل دائرة الأزمات المتشابكة.