رواية الطريدة لجايا شوترز: أسطورة التفوق الغربي بطولة زائفة
تدور أحداث رواية "الطريدة" للكاتبة البلجيكية جايا شوترز حول مغامرة صيد تتحول شيئًا فشيئًا إلى كابوس وجودي يعرّي أوهام السيطرة البشرية. الشخصية المحورية هو هانتر وايت، رجل أميركي ثري للغاية. عاش حياته في وفرة: زوجة أنيقة، قصر مترف، طائرة خاصة، أعمال ناجحة، ومقتنيات فنية نادرة. من الخارج يبدو كاملًا، لكن داخله يصرخ بفراغ، يشعر أن كل ما يمتلكه لم يعد يمنحه معنى، وأن شيئًا ما ناقص، شيء يثبت لنفسه أنه أقوى من الحياة ذاتها.
هنا يكتشف هانتر عالم الصيد التذكاري، ليس صيدًا للبقاء أو للطعام، بل صيدًا للنخبة، حيث تُقتل الحيوانات النادرة وتُعلّق على الجدران كرموز للقوة والمكانة. سرعان ما ينجذب إلى الفكرة، ثم يتحول الانجذاب إلى هوس: أن يُكمل سلسلة "الخمسة الكبار" "الأسد، الفيل، الجاموس، الفهد، وحيد القرن". لكنه لا يريدها لمجرد الإنجاز، بل يريد أن يثبت لنفسه وللعالم أنه قادر على اصطياد وحيد القرن، الكائن الأسطوري الذي يوشك على الانقراض.
يسافر هانتر إلى أدغال أفريقيا، مع فرقة من الصيادين المرشدين والحراس، مدفوعًا بإيمانه أن المال قادر على شراء كل شيء: الأرض، الناس، وحتى مصائر الكائنات. هنا تبدأ الرواية في تصوير تفاصيل دقيقة لطقوس الصيد، وللمكان بكل وحشيته وجماله. زوجته، التي تراقب انشغاله المتزايد، ترى في الأمر نزوة غريبة لكنها لا تجرؤ على مواجهته. أما أصدقاؤه فيبدون إعجابًا مستترًا وحسدًا معلنًا، فالصيد التذكاري صار في دوائرهم علامة على الثراء والقوة الذكورية.
ينتقل السرد في الرواية التي ترجمتها هدى فضل وصدرت عن دار العربي بين عالمين: رفاهية الرجل الأبيض، وجغرافيا القارة السوداء التي تصفها الرواية بكل تناقضاتها: الطبيعة الساحرة، والحرارة اللاهبة، والأرض التي تحمل آثار الاستغلال الاستعماري الطويل. يتقدّم فريق الصيادين إلى عمق الغابة. في البداية تسير الأمور كما خُطِّط لها: يُطاردون آثار الفهود، يراقبون الفيلة، ويقتربون من الجاموس. يشعر هانتر بلذة أولية، لذة السيطرة على حيوان بري عبر عدسة بندقيته. لكنه كلما قتل، ازداد عطشًا، حتى يصل إلى هوسه الأكبر: وحيد القرن الأسطوري.
ما يبدو في البداية رحلة ممتعة ومغامرة خاصة، يتحول تدريجيًا إلى مأزق: الطبيعة لا تخضع كما توقع هانتر، والغابة تصبح خصمًا مليئًا بالمفاجآت والكمائن، فينقلب الصياد مطاردًا. كأن القوى التي حاول أن يسيطر عليها ارتدت عليه. ويتجلّى التحوّل الدرامي حين يجد نفسه عاجزًا أمام قوة الطبيعة، حيث يكتشف أن "الطريدة" لم تعد الحيوان الذي يسعى خلفه، بل هو نفسه الطريدة. ففي إحدى الليالي، يستيقظ على أصوات غريبة. يظنها حيوانات تقترب، فيمسك ببندقيته، لكنه يشعر لأول مرة أن النظرات تتجه نحوه لا منه. وفي مطاردة لاحقة، يقترب من وحيد القرن، فتنقلب الأمور: ينفصل عن فريقه، ويضلّ الطريق وسط الأدغال مكتشفًا أن بندقيته لم تعد تمنحه أمانًا. تصل المطاردة إلى لحظة ذروة مأساوية حين يواجه هانتر وحيد القرن وجهًا لوجه. لا يُروى المشهد ببطولة، بل ببطء وبرودة، كأن كل ما بناه الرجل ينهار. الوحش لا يبدو ضعيفًا أو مهددًا، بل كائنًا أزليًا، أكبر من الرصاص وأقوى من المال. وهنا تتحوّل المطاردة إلى مطاردة معاكسة: الصياد يصبح الطريدة.. تتكاثف الأصوات، تقترب الظلال، كأن الغابة كلها قررت الانتقام.
تتوزع الشخصيات في محيط هانتر كمرآة تكشف حقيقته أكثر مما تستقل بذاتها، فهو ليس وحيدًا في رحلته إلى الغابة، بل تحيط به دوائر بشرية وطبيعية تجعله أكثر وضوحًا، وتفضح هشاشته كلما توغل في مسعاه. هناك شخصيات أساسية: فان هيغين، الذي يجسد عقلية المستعمر وصوت الخبرة الباردة؛ ليس مجرد مرافق بل الحارس الذي يحدد قواعد اللعبة، ينصح هانتر أحيانًا ويحذّره أحيانًا أخرى، لكنه في النهاية يظل مشدودًا إلى فكرة السيطرة على الطبيعة كما لو أنها ملك له، إلى جانبه يقف مارتين، المصور الذي لا يشارك في القتل مباشرة لكنه يسجل تفاصيله، فيبدو شاهدًا من الداخل والخارج معًا؛ إذ تلتقط عدسته لحظات الضعف والارتباك أكثر من لحظات البطولة، فيمنح الرواية بعدًا نقديًا يفضح زيف الادعاء بالقوة.
أما جوزيف، الدليل الأفريقي، فيمثل الحكمة الصامتة التي راكمتها التجربة الطويلة مع الأرض والحيوان، صمته يحمل معرفة عميقة بخطورة ما يحدث، ونظرته الحادة تكشف هشاشة الواقفين في حماية البنادق.. أما شخصية دافيد فتبدو ثانوية للوهلة الأولى مقارنة بهانتر أو فان، لكنها تحمل دلالة رمزية مهمة، إذ تظهر كوجه آخر للتناقضات التي يزرعها الاستعمار الأبيض في أفريقيا، فهو ليس مجرد موظف أو مساعد ميداني؛ بل يمثل ذلك الجيل الذي يحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم بين سلطة الرجل الأبيض (هانتر) وبين واقعية الأرض الأفريقية التي تفرض شروطها الخاصة. إنه شخصية مترددة، تقع بين عالمين: من جهة ينجذب إلى هانتر وإلى السلطة التي يفرضها بخبرته وماله وسلاحه، ومن جهة أخرى يدرك هشاشة هذا الحضور، بل يلمس عن قرب أن الغابة لا تعترف بهذه الشرعية المصطنعة. على خلاف فان الذي يتماهى تمامًا مع سلطة الصيد، يظهر دافيد أقرب إلى المراقب الصامت الذي يسجل الصراع دون أن يتدخل جذريًا، وكأن وجوده يسلط الضوء على عجز الفرد العادي عن تغيير مسار عنف يُدار من فوقه.
وهناك في محيط هانتر أيضًا يظهر رجال آخرون من العاملين المحليين، ليسوا شخصيات مفصلة بعمق روائي كبير، لكن حضورهم يضيء خلفية المشهد: هم الصامتون الذين يشهدون عبث الأغنياء، أدوات في ظاهر الأمر، لكنهم في العمق رمز للطبقات التي تعيش على هامش الطموحات الاستعمارية المتأخرة. إنهم يذكروننا بأن هانتر لا يصطاد وحيد القرن فقط، بل يصطاد كرامة الناس وذاكرة المكان.
ثم تأتي الطريدة ذاتها، وحيد القرن النادر، لتكون الشخصية الأكثر التصاقًا بهانتر، حتى أكثر من البشر. إن العلاقة بينهما ليست علاقة صيد، بل علاقة قدرية، كأن كل واحد منهما وُجد ليكشف الآخر. الطريدة هي التي تُظهر توتر هانتر، جبروته، هشاشته، وقلقه الدائم من أن يفلت من بين يديه ما ظن أنه سيملكه. في ملاحقته للطريدة نرى هانتر يطارد نفسه، يهرب من فراغه الداخلي عبر مطاردة كائن لا يريد أن يكون مجرد غنيمة.
أما الغابة، فهي الإطار الذي يحتضن هذه الشخصيات جميعًا، لكنها في علاقة خاصة مع هانتر، إنها خصمه الغامض، كل شجرة فيها كأنها عين تراقب، وكل صوت فيها كأنه يعلن أن الرجل ليس سيد هذا العالم. الغابة لا تكتفي بأن تحاصر الطريدة، بل تحاصر الصياد أيضًا، وتحوّل ثقته إلى قلق، وتكشف أن القوة الحقيقية ليست في إصبعه على الزناد، بل في قدرة الطبيعة على مقاومة الغرور.
هكذا يتكشف لنا أن محيط هانتر ليس مجرد شخصيات مساعدة، بل شبكة من المرايا الرمزية: الدليل يعكس محدوديته المعرفية، العاملون يعكسون امتيازاته الطبقية، الطريدة تعكس فراغه الوجودي، والغابة تعكس حقيقته أمام قوة أكبر منه. وهكذا كل ما حوله ليسوا شخصيات ثانوية بقدر ما هم أصوات الأرض والتاريخ التي تضع الإنسان الغربي في حجمه الحقيقي.
الرواية عمل يتأرجح بوعي بين واقعية همنغواي الصلبة وعبثية كافكا المقلقة، لكنه يضع نفسه في قلب سؤال أخلاقي وسياسي معاصر: كيف يستمر الإنسان الغربي في استعادة أوهام السيطرة على الطبيعة وعلى الآخر عبر فعل الصيد بوصفه رمزية للاستعمار الجديد؟
النقد الغربي للرواية لم يقرأها بوصفها مجرد قصة عن رجل ثري يلاحق وحيد القرن، بل باعتبارها نصًا يُعري شهوة الامتلاك وغطرسة المال. شخصية "هانتر" تبدو للقراء أقرب إلى نموذج كلاسيكي للرجل الأبيض الذي يعتقد أن بوسعه شراء العالم وترويضه، قبل أن ينقلب عليه العالم نفسه. من هنا تبرز قوة الرواية: إنها تُحوِّل الصياد إلى فريسة، والغابة إلى قاضٍ، والطبيعة إلى خصم لا يُهزم.
مقتطف من الرواية
لا بد وأنه فقد وعيه في نقطة ما، لأنه عندما استيقظ مرة أخرى، يجد نفسه مستلقيًا في غرفة باردة مظلمة. يسمع أصوات المدينة في الخارج؛ زحام المرور، وصوت آلات التنبيه، وراديو. هل أحضره "جينز" إلى المستشفى؟ يفتح عينيه بصعوبة، ويحاول جاهدًا التخلص من الإرهاق الذي يُثقله. لكن كل شيء يبقى مظلمًا. يخفق قلبه، ويظن لبضع دقائق أنه فقد بصره، حتى يرى السواد من حوله يتلألأ. يخفت أحيانًا، ثم يتلألأ مجددًا. مُضطرب بتدرجات من اللون الأسود. ثم، ومن العدم، يظهر أمامه غزال المُهاة. قناعٌ برَّاق، به بقع بيضاء كبيرة حول عينيه. "ناقاطي". ألا يزال حيًا؟ هل كان حيًا طوال ذلك الوقت؟ ولكن، يظهر بجانبه ظبي المُرَامري، وآخر، وثالث.. قطيع كامل يتجمع حوله. يدرك "هانتر" ببطء أنه ليس مستلقيًا في غرفة، بل هو في الخارج، تحت السماء المفتوحة. الجو بارد لأن الليل قد حلَّ. وما سمعه لم يكن ضجيج المدينة، بل رنين الحلي حول أرجل الراقصين الذين يتحركون حوله. غناؤهم. دقات أقدامهم على الرمال. الليل ليس ما يتلألأ، بل وهج النار الذي يضيء السماء عندما تحركها الرياح. وظبي المُرَامري القريب من وجهه هو أحد المعالجين، وقد جلس القرفصاء بجانبه. يتحدث الرجل، سلسلة سريعة من الأصوات الواضحة والنقرات القصيرة. يسود الصمت للحظة، ثم يسمع صوتًا يتعرف عليه. يقترب ظبي مُرَامري آخر، مُرَامري يتحدث الإنجليزية. ويترجم. "دافيد".
- يقول: "لا أستطيع مساعدتك، لأنه، ليس سم العقرب هو الذي يهاجم جسدك. لقد استأصلنا سم العقرب وأذبناه في شراب مُر".
يتذكر "هانتر" بصعوبة أن أحدهم قد قدَّم له شرابًا، شايًا مرًا، مما جعل حلقه ينقبض من الاشمئزاز. لكن بالفعل، اختفى شعور الحرقان من جسده.
- يقول: "لا أستطيع مساعدتك، فليس غضب الشمس هو ما يحرقك. نحن قد هدَّأنا غضب الشمس".
ببطء، تعود الذكريات الأخرى. لفَّه أحدهم بقطعة قماش باردة غارقة في الزيت، ووضع مرهمًا على حروقه. هناك من جلس حارسًا ومراقبًا له. أيدي نساء. يتذكر أيدي نساء. منذ متى وهو فاقد للوعي؟ زوجته، عليه أن يتصل بزوجته.
- يقول: "لا أستطيع إنقاذك، لأنك لم تمنح "ناقاطي" الشرف الذي تقتضيه التقاليد. إن لم يقتل الصياد فريسته، لا تصعد روحه إلى السماء؛ فتأتي روحه لتأخذ روحك. ثم تتحول الفريسة إلى الصياد، والصياد إلى الفريسة.لا أستطيع مساعدتك، لأن موتك هو إرادة الآلهة".
لماذا ليس في المستشفى؟ ماذا يفعل هنا، في مستشفى المجانين هذا؟ وكيف يمكنه الهروب من هنا؟ أين "فان هيغين"؟ "فان هيغين". في اللحظة التي يفكر فيها به، يتذكر. خانه. لقد خانه صديقه. كل شيء. هذه المطاردة. لا شرف ولا عدالة فيها على الإطلاق. خيانة. "دافيد". يجب أن يخبره.. أن "فان هيغين" هو من خدعهم. وليس هو. كان لديه تصريح. "لكن هذه الأرض أرضنا، تمامًا مثل الحيوانات التي تعيش عليها. هذه ليست أرضك. ونحن لسنا حيوانات تعيش عليها". "فان هيغين". وليس هو. كان لديه الحق. في إطلاق النار. في القتل. لقد دفع ثمن مطاردة عادلة. يجب أن يخبره. لكن صوته قد اختفى. ولماذا لا يستطيع الوقوف؟ ماذا فعلوا به؟ مهما حاول أن يتحرك، يرفض جسده الانصياع؛ يبدو أنه مشلول. قلبه ينبض بجنون في صدره. أسرع فأسرع، يرقص الرجال حوله. وقلبه ينبض أسرع فأسرع، كما لو أن إيقاعهم يجرفه. هل يرقصون حتى موته؟ يغلبه اليأس. إنه يرقد هنا، عاجز تمامًا، عاجز عن الصراخ، عاجز عن الحركة. سجين في جسده الميت، بينما روحه لا تزال حية. ثم، بالقرب منه، ينادي أحدهم باسمه.
- سيد "وايت"؟
"جينز". هذه فرصته. فرصته الأخيرة.
- المستشفى.
أراد أن ينطق الكلمة.
- أتفضِّل الموت تحت أضواء النيون؟ من الأفضل أن تموت هنا، تحت النجوم. حينها سيكون من الأسهل على روحك أن تصعد إلى السماء.
يلهث "هانتر" لالتقاط أنفاسه. لم يعد الصوت الصادر من فمه يشبه صوته، وهناك إرهاق خانق يسحب جسده إلى الأسفل.
- أريد.. أن أعيش.
لم يعد صوته سوى تنهُّد مستمر. اضطر "جينز" إلى وضع أذنه على وجهه تقريبًا ليسمعه؛ عندما أجاب، شعر "هانتر" بأنفاسه تلامس رموشه.
- إذا أخذتك إلى المستشفى، فستموت حتمًا. لا يجب تحريك المصابين بحُمَّى البِيلَةِ السَّوداء.
تنبعث ضحكة من صدر "هانتر"، كخشخشة ضعيفة. حُمَّى البِيلَةِ السَّوداء. هل هذا ما يعانيه حقًا؟ هل هذا هو ما يعتقدونه عقابًا من الآلهة؟ حُمَّى البِيلَةِ السَّوداء؟ هل سيموت من مضاعفات نادرة لحمَّى الملاريا؟ هل سيموت "هانتر وايت" بسبب بعوضة؟ ولكن هل يحدث شيء كهذا بالفعل هذه الأيام، أم أنهم سمموه انتقامًا لموت الصبي؟ وهل هذا سبب انهيار كليتيه؟ تطير أفكاره أمامه، تتلاشى شيئًا فشيئًا، كضباب شاحب، ويبدو صوت "جينز" بعيدًا أكثر فأكثر.