رواية النباتية لهان كانغ وهشاشة النفس البشرية
في رواية النباتية تنحى الروائيّة الكوريّة الجنوبيّة الحائزة على جائزة نوبل للآداب في دورتها الأخيرة هان كانغ إلى الغوص في دهاليز النفس البشرية، ومحاولة الوصول إلى الهواجس التي تقودنا إلى دروب معتمة لا عودة منها والبحث عن الأفكار الدفينة التي تخالجنا في مرحلة ما من الضعف والانكسار والتردّد لكنّنا لا نجرؤ على المجاهرة والبوح بها، رواية تأخذنا إلى حياة على حافة الموت، وتجعلنا نقدّر الألم ونحترم ضعف الإنسان وهشاشته وحساسيته.
رواية رشيقة في 223 صفحة من القطع المتوسط، وترجمها عن الكورية محمود عبد الغفار، أي أن الترجمة لم تمر من خلال لغة وسيطة كالإنجليزية أو الفرنسيّة كما حدث في ترجمات كثيرة عن آداب عالميّة، وصدرت النسخة العربية عن دار التنوير للطباعة والنشر عام 2018. ويذكر أن الرواية حصلت على جائزة مان بوكر الدولية عام 2016.
مرض أم سلوك عابر
من الطبيعي أن نعترف بالأفكار والهواجس الغريبة التي تعصف بنا أحيانًا في مرحلة ما من حياتنا نتيجة لضغوطات وهواجس معينة في العمل والأسرة والصحة والمرض وفي الحياة بشكل عام بتموجاتها الطبيعية، فكآبة الطقس على سبيل المثال يمكن أن تتسلّل إلى دواخلنا وتعكّر مزاجنا بكل يسر وسهولة. يجب أن ندرك أنّ القلق أصبح جزء من حياتنا اليومية، لكن ما يحدث في الغالب أننا نعي الحالة التي نعيشها ونحاول بشتى الطرق الخروج من اكتئابنا وقلقنا من خلال تمارين التنفس ومقابلة الأصدقاء والمشي في المناطق المفتوحة، لكن ماذا لو أهملنا هذا الأمر واستهنّا به؟! ماذا يمكن أن يحدث؟ لا أعرف، لست مختصًا في الصحة النفسية، لكن ما أعرفه أنّ تراكمات من هذا النوع يمكن أن تُدخلنا في دوامة مرهقة ومتعبة من الأفكار السوداويّة. هل يمكن لهذه الهواجس أن تؤدي إلى مرض نفسي ثنائي القطب على سبيل المثال؟
كيف ابتدأ الأمر عند يونغ هيه؟
الرواية لا توضح هذا التفصيل لكنها عوضًا عن كل هذه المقدمات التي يمكن لنا أن نتخيّلها تنهض يونغ هيه من النوم وتتجه إلى المطبخ وتفتح باب الثلاجة لتُخرج منه كل الأطعمة الحيوانية بغرض التخلص منها، والسبب وراء هذا السلوك الغريب أنها رأت حلمًا ما يظهر لنا نتفًا منه في تضاعيف الرواية. هواجسنا اليومية تنعكس على أحلامنا، هذه حقيقة نعيشها كل يوم. ربما هذا ما كانت الرواية تشير إليه من خلال جزئية الأحلام لاختصار تفاصيل فائضة وعرض واقع الحال بطريقة فنيّة مبتكرة.
المحليّة والعالميّة
لا شك أن الطريق إلى العالمية يمر بالمحليّة وهذا ما نلمسه بوضوح في رواية النباتية التي تلقي الضوء على ثقافة المجتمع الكوري الجنوبي من أكثر من زاوية فنرى العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة وموقع الأب وحضوره في حياة الأبناء، وعلاقة الزوج بزوجته، ومكانة الصهر عند أهل الزوجة وأسلوب مخاطبته الذي لا يخلو من رسميّة وبرتوكوليّة صارمة مستمدة من ثقافة الأجداد التي قد تبدو غريبة عن عاداتنا لكنّها تعبّر عن خصوصية مجتمع له تقاليد عريقة تقوم على الاحترام المتبادل والسلوكيّات المنضبطة. وهنا تجدر الإشارة إلى الحواشي التي أثرت المتن، وقد بذل فيها المترجم جهدًا واضحًا لتعريفنا بأمور كثيرة وردت في السياق وكانت بحاجة لإضاءة بسيطة مثل ثقافة الطعام والأكل وبعض العادات والتقاليد والخصوصيّة الكوريّة.
الخروج من مظلة المجتمع
يونغ هيه المرأة المتزوجة تقرّر أن تصبح نباتية بناء على حلم راودها، تحاول العائلة من خلال سلطة الأب الحازم ثنيها عن هذا الأمر، لكنّها تصمّم على رأيها. يتطور هذا الهاجس لديها ويتخلّى عنها زوجها وعائلتها ما عدا شقيقتها الكبرى التي يقوم زوجها العامل في مجال الفن باستغلال الوضع النفسي الهش ليونغ هيه وتصويرها في فيلم بأوضاع وإيحاءات إيروتيكية لها مدلول فني لكنّها في نهاية المطاف غير لائقة. على أن هذه المشاهد الجريئة التي أسبهت الرواية في توصيفها كانت استجابة للسياق، ولم يكن هدفها الإثارة الرخيصة بل كانت جزءًا عضويًّا من الوصف والسرد.
وهنا تشير الرواية إلى التبعات التي قد تلحق كل من يحاول الخروج من عباءة المجتمع الذي يقدّس العادات. لا أحد يرحم من يحاول أن ينقلب على التقاليد حتى أقرب المقربين من العائلة مثل الأب والأم والأخ. حاول الزوج تفهم الأمر لكنّها رفضت أن يقترب منها وأن يعاشرها بحجة أن رائحة اللحم تفوح من جلده وجسمه فكان لا بدّ من الفراق.
الفكرة الصادمة
كانت نقطة اللاعودة عندما تمكّن منها هاجس التحوّل إلى شجرة، أصبحت مقتنعة بأنها لا تنتمي إلى عالم البشر ووقفت ساكنة في الغابة إلى جانب الأشجار، ورفضت الطعام لأن الأشجار لا تأكل حتى عندما حاولوا إطعامها من خلال الأنابيب وجدت طريقة لمنع وصوله إلى المعدة. السؤال هنا: لماذا أرادت التحول إلى شجرة بالذات؟ وليس أي شيء آخر؟ الشجرة رمز الحياة لأن حلقة الغذاء تبدأ منها وغيابها يعني خلل بيئي فادح سيؤثر على حياة البشر وحياة السلسلة الحيوانية بأكملها على سطح الكوكب. ربما هي إشارة مبطنة إلى حجم الانتهاكات التي نقترفها بحق أجسادنا وبيئتنا وكوكبنا والتي لا تقف عند حدّ ما بل تتزايد وتتناسل كل يوم.
هشاشة الحياة وإلحاح الهاجس
أشارت طفولة يونغ هيه إلى حساسية من نوع ما، لكن عدا ذلك لا شيء يثير القلق أو التوجس. كبرت وتزوجت كأي فتاة أخرى ولم يظهر عليها أعراض مثيرة للشك وإلّا ما وصلت إلى هذه المرحلة من حياتها. لكن ظاهر الإنسان غالبًا ما يكون غير باطنه، ظلت تقاوم وتكافح حتى تعبت وما عاد بإمكانها الصمود أكثر من ذلك فاستسلمت للصوت الذي علا فوق كل الأصوات وانقادت له وأصبح صوتها الذي تهتف به. لا أحد يعرف لماذا وكيف ومتى ينكسر الإنسان، فكل واحد فينا له حساسيته تجاه الأشياء والأقوال والأفعال. في المقابل هناك حصانة أو مناعة نفسية يمتلكها آخرون تحميهم من انتكاسات حادة من خلال قوة ذهنيّة عالية للتعامل مع الناس ومواقف الحياة المختلفة.
وفي الختام نقول إنّ النباتيّة تدافع عن ضعف الإنسان، وتدعو لاحترام الاختلاف والتنوع وقبول من يحتاجون المساعدة وتفهم مخاوفهم وقلقهم. كلنا معرضون لانتكاسات وبحاجة للمساندة والدعم وليس للنكران والاستغلال كما حدث مع يونغ هيه.