مقاربة لهواجس النفس البشرية في 'حيوات سابقة'

الفيلم يعالج فكرة الحبّ الأوّل والحنين بوصفهما جرحًا يلازم خيارات الإنسان ومساراته، عبر حكاية ثلاثة أشخاص يواجهون أسئلة الهوية والطموح والقدر.
نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ
كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى      وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ

لعل هذان البيتان للشاعر العباسي المعروف أبو تمّام استهلالًا طيبًا للفيلم الكوري "حيوات سابقة" من إخراج وتأليف المخرجة الكورية سيلين سونغ وبطولة غريتا لي (يونغ نا)، ويوو تيو (سونغ هاي)، وجون ماغارو (آرثر). وهذا تأكيد على أنّ الفن والأدب يلتقيان في مقولتهما في غالب الأحيان وإن اختلفت السبل والطرائق وطبيعة الإبداع. لم يكن الفيلم مجرد معالجة عادية لموضوع الحب الأول الذي تكرّر في مناسبات كثيرة، بل كان هناك نضج في التعاطي مع هذه المشاعر التي يختلط فيها الحب والحنين إلى الدرجة التي يصعب معها وضع حدود فاصلة بين الأمرين. الفيلم محاولة جادة من شخصيات الحكاية لمعرفة المكان الذي يقفون فيه، وفهم هذه المشاعر المتداخلة التي تنتابهم في لحظات الانفكاك من مشاغل الحياة وضغط الروتين.  

حكاية الفيلم

تهاجر عائلة الفتاة يونغ نا من كوريا الجنوبية إلى كندا، الأم فنانة والأب يعمل كمخرج وكاتب سيناريو. في هذه الحاضنة الفنية والأدبية تنشأ الفتاة الصغيرة بأحلام وتوجّهات محددة. أكثر من تضرّر من هذه الهجرة هو صديق الطفولة سونغ هاي الذي ظلّ يكن لها مشاعر لطيفة. بعد مرور (12) عامًا على هذا الفراق يتجدّد اللقاء (افتراضيًا) بين الشابين اللذين نضجا وأصبح لكل منهما حياته، لكن الأمور تتبدل بسرعة ويعود كل منهما إلى حياته السابقة، وبعد (12) عامًا على هذا اللقاء يسافر سونغ هاي إلى نيويورك لرؤية يونغ نا المتزوجة من كاتب أمريكي وتعيش معه في شقة صغيرة في إيست فيلج. في تلك المساحة من الفيلم تحدث الحوارات بين هذا الثلاثي لتنكشف أمامنا هواجس الإنسان الذي يراجع حياته ويشكّك للحظة في خياراته، ثم ما يلبث حتى ينفض رأسه ليزيل الغباش الذي طوى نظره.   

الطموح أم الحب

الحياة مسألة تتعلق بالاختيارات، نحن نختار ما نريد أو ما نظن أننا نريد، ونمضي بعدها في خط مستقيم، قد نتوقف في منتصف الطريق وننظر للخلف لكننا على الأغلب لن نعود إلى نقطة البداية لأنها تصبح في ذلك الوقت فجّة وغريبة وغير مناسبة. "الكوريون لا يفوزون بجائزة نوبل"، هكذا علّلت يونغ نا لأقرانها في المدرسة سبب الهجرة مع عائلتها إلى تورنتو، تريد أن تزيد من حظوظها للفوز بجائزة نوبل. هذا كان تفكير ابنة الثانية عشرة في سيول التي تركت عائلتها لاحقًا وهاجرت إلى نيويورك في تتبع حثيث نحو هدف يدفعها إلى اختيارات بعينها في مدينة الفن والأدب والمسرح. جاء اللقاء الأول بعد (12) عامًا بطريق الصدفة ومن خلال نداء بثه سونغ هاي للبحث عن صديقة طفولته يونغ نا ورغبته بالتواصل معها. بعد لقاءات افتراضية كثيرة من خلال السكايب تقرّر يونغ نا- التي غيّرت اسمها إلى نورا ليصبح متماشيا مع الثقافة الجديدة- أن تتوقف عن التواصل مع سونغ هاي لأنّه شتت تركيزها على عملها في الكتابة المسرحيّة. فتاة لديها طموح كبير بحجم نوبل وبوليتزر تتخلى عن حب الطفولة المستمر إلى هذه اللحظة وتتمسك بحلم الكتابة والنجاح. إنّ فهمنا لهذه النقطة بالذات يجعلنا ندرك سبب الدموع التي ذرفتها بعد وداع سونغ هاي في المشهد الختامي ووقوف زوجها في انتظارها ليقدم لها المواساة والدعم لأن كليهما يعرف أنّ القرارات الصعبة تترك ندوبًا في دواخلنا، اختارت حياتها وعملها في نيويورك وأهملت حنينها ومشاعرها.

سؤال الهوية

تنطلق أفلام كثيرة من خصوصية ثقافية صارخة لبث رسالتها الإنسانية أو الفكرية، أو لعرض وجهة نظر جدليّة في مسألة حسّاسة. وهذا بالطبع فعل قصدي لمواجهة هذه الحرب الشعواء على الهويَات بغض النظر عن بنيتها الدينيّة أو التاريخيّة أو الليبرالية. وجاء من هذا المنطلق توظيف فكرة "إين يون" في الفيلم، وهي من الموروث الثقافي الكوري، وتعني ببساطة أن حياتنا ما هي سوى نتاج تفاعلات حدثت في الماضي السحيق، وأن ما يحدث معنا اليوم ليس اعتباطًا، بل له مقدّمات في حيوات سابقة، وفي حالة الزواج فهناك (8000) طبقة من إين يون تجمع الزوجين.

الحوار في الحانة

المشاهد والحوار في الحانة كانت من أفضل وأصدق ما قدّم الممثلون الثلاثة: الزوج وصديق الطفولة ويونغ نا. سونغ هاي لا يتقن الإنكليزية وآرثر الزوج المحب غير متمكن من الكورية على الرغم من رغبته الشديدة بذلك ليفهم الكلمات التي تقولها زوجته في أحلامها. هنا كان لا بدّ من تدخّل الزوجة لتقوم بدور المترجم بين الاثنين، ثم انحرف المسار في اتجاه آخر وخرج الزوج من هذا الحديث واكتفى بالجلوس هناك بصمت. اتّجه الموقف لمكاشفة بين الاثنين لفهم التسلسل الذي تلاحقت فيه الأحداث في حياة كل منهما، يونغ نا وسونغ هاي. حوار فيه حب وحنين وعتاب وندم وحيرة وألم.        

رسالة اعتذار

ذكرت المخرجة على هامش هذا الفيلم أنّ الأحداث تتقاطع مع سيرتها وحياتها، فهي أيضًا هاجرت مع عائلتها إلى تورنتو ثم إلى نيويورك، وهي كما أشرنا سابقًا كتبت السيناريو الذي جاء الحوار فيه نقطة جاذبة ومشغولة بعناية فائقة. لا أعرف لكن خامرني شعور بأنّ هذا الفيلم بهذه الحيثيّات ما هو سوى رسالة اعتذار لنفسها في المقام الأول ولصديق طفولتها عن هذه المسارات التي آلت إليها، فالحياة تعطينا بقدر ما تأخذ منّا. هذا رد اعتبار لكل الخيارات التي لم نختارها في حياتنا، كانت أمامنا فتركناها ومضينا في طريق بعيد عنها.

بين مدينتين

ما بين سيول ونيويورك تفتح الكاميرا أمامنا نافذة على نواحي بارزة في شخصية كلتا المدينتين، سيول المدينة الجبلية المكتظّة والبيوت المتكوّمة على السفوح والقمم، وظهرت أيضًا الأدراج التي تشبه أدراج عمان، للحظة ذكّرني الدرج الذي كان يصعد درجاته يونغ نا وسونغ هاي في طريق عودتهما من المدرسة بدرج الكلحة في وسط العاصمة عمّان. هناك ملامح وسمات في المدن تجعلنا نقع في ألفتها من النظرة الأولى، وفي المقابل تأخذ الكاميرا لقطات بعيدة لمدينة نيويورك خلال رحلة الكروز لزيارة تمثال الحرية، فتظهر ناطحات السحاب وأنوار المساء كأنها جزء من لوحة خيالية تقترب من الكمال إلى حدّ بعيد، لكنه كمال مصطنع لا شيء في عفويّ.     

مهرجانات الأفلام

هذا أول فيلم روائي طويل للمخرجة وهو برأيي تجربة ناجحة بسبب رقي الطرح من خلال أشخاص متصالحين مع أنفسهم، ويتمتعون بدرجة عالية من النزاهة واحترام الذات؛ الزوج آرثر والحبيب القديم سونغ هاي وبينهما يونغ نا أو نورا، وجميعهم قدّموا أداءًا مقنعًا للغاية. عُرض الفيلم في مهرجان صندانس ومهرجان برلين وخرج خالي الوفاض، مجرد إشادة وربّما يستحق أكثر من ذلك؛ فالمهرجانات الكبيرة تتأثر أيضًا بالمناخ العام والأحداث الجارية وصناعة الوعي والحساسية التي تمارسها جهات مهيمنة على أدوات العصر وتحسن توظيفها خدمة لتوجهاتها.

حيوات سابقة فيلم يمس حياة كل واحد منّا إلى حدّ ما؛ ففي كل مرة نضرب راحة اليد على الجبهة ندمًا وأسفًا على فعل ترك أثرًا في حياتنا نكون جزءًا من هذه الحالة التي يعرضها الفيلم، تتلبسنا للحظات ثم تمضي في حال سبيلها لتعود في مناسبة أخرى قريبة أو بعيدة.