رواية 'زيتون' لديف إيغرز: مرآة المهاجر السوري في مواجهة الكارثة

العمل يوثق تجربة مهاجر خلال إعصار كاترينا حيث تتحول بطولته الإنسانية إلى مأساة بعد اعتقاله ظلماً في مناخ أميركي مشحون بالتمييز بعد 11 سبتمبر.

في قلب واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي شهدتها الولايات المتحدة – إعصار كاترينا عام 2005 – تتشكّل ملامح رواية غير اعتيادية كتبها الروائي والناشر الأميركي دايف إيغرز، تحت عنوان "زيتون". لكن هذه الرواية لا تُروى من منظور الضحايا الجماعيين أو تقارير الإنقاذ، بل من زاوية مهاجر سوري عادي، عبد الرحمن زيتون، يجد نفسه فجأة في قلب العاصفة، لا فقط بمعناها الجوي، بل الأخلاقي والوجودي أيضًا.

ما يبدأ كحكاية عن ربّ أسرة قرر البقاء في نيو أورليانز لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يتحول إلى شهادة دامغة على هشاشة العدالة، والتمييز العرقي والديني، والانهيار المؤسسي في لحظة مفصلية من التاريخ الأميركي الحديث. زيتون ليست مجرد رواية عن البقاء أو النجاة، بل عمل أدبي-توثيقي يجمع بين حرارة المشهد وعمق التأمل، حيث تتقاطع قضايا الهوية والمواطنة مع الكارثة الطبيعية والانهيار الأمني.

في هذا العمل، الذي أنجزه إيغرز استنادًا إلى مقابلات مطولة مع زيتون وزوجته كاثي، يمزج الكاتب بين التوثيق الصحفي والسرد الأدبي بلغة تجمع بين البساطة والعمق، ما يجعل القارئ يعيش التجربة بكل أبعادها الحسية والعاطفية. وقد صدر العمل عام 2009 بترجمة د. محمد عناني عن مؤسسة هنداوي، ولا يزال يُعدّ من أبرز النماذج الأدبية التي أرّخت لتجربة المهاجر المسلم في أمريكا في لحظة توتر سياسي وثقافي واجتماعي.

تبدأ الرواية بعبد الرحمن زيتون، رجل أعمال ناجح في نيو أورليانز، يعيش حياة مستقرة مع زوجته كاثي، الأمريكية التي اعتنقت الإسلام، وأطفالهما "ثلاثَ بنات". زيتون، المنحدر من مدينة جبلة الساحلية في سوريا، يحمل إرثًا من العمل الجاد وروح المغامرة التي صقلتها سنواته كبحّار. عندما يقترب إعصار كاترينا، أحد أعنف الأعاصير في تاريخ الولايات المتحدة، تقرر كاثي مغادرة المدينة مع الأطفال، بينما يصر زيتون على البقاء، مدفوعًا بإحساس عميق بالواجب تجاه منزله وأعماله ومجتمعه.

هذا القرار يضعه في قلب الكارثة، بعد انهيار السدود وغرق المدينة، تتحول الشوارع إلى بحيرات راكدة. وسط هذا الدمار، يبرز زيتون كبطل غير متوقع؛ يجوب الشوارع بقاربه الصغير، ينقذ العالقين في منازلهم، يطعم الحيوانات المهجورة، ويوزع المؤن. هذه الأفعال، التي تبدو في ظاهرها بطولية، تعبّر عن إحساس عميق بالمسؤولية الإنسانية. وكأن البحر، الذي نشأ عليه في سوريا، لا يزال يسكنه ويدفعه لمواجهة الفوضى بعزيمة هادئة.

لكن هذه البطولة تتحول إلى مأساة، حين يُعتقل زيتون فجأة من قِبل قوات الأمن، بتهم غامضة تتراوح بين "النهب" و"الاشتباه في الإرهاب والانتماء إلى تنظيم القاعدة". يُنقل إلى سجن مؤقت في محطة حافلات مهجورة، في ظروف أقرب إلى معتقل غوانتانامو، حيث يُعامل كمجرم خطر دون توجيه اتهام رسمي أو محاكمة. يُحرم من الاتصال بعائلته أو محامٍ، ويُحتجز في زنزانات مكتظة، ويُواجه إهانات مستمرة.

هذه التجربة تكشف عن الوجه القمعي لأميركا ما بعد 11 سبتمبر، حيث يصبح الاسم والهُوية سببًا كافيًا للشك والاحتجاز. وفي الوقت ذاته، تعيش زوجته كاثي وبناته في قلق عميق، تحاول معرفة مصير زوجها وسط فوضى إدارية هائلة، وتُواجه، كامرأة مسلمة محجبة، تحديات اجتماعية متصاعدة في مناخ متوتر تجاه الإسلام.

ينسج إيغرز السرد بين المنظورين: زيتون وكاثي، ويُدرج استرجاعات من ماضي زيتون في سوريا، تُضفي على الرواية بعدًا وجدانيًا وثقافيًا، وتعمّق فهم القارئ لجذوره ومأساة اغترابه.

الرواية لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تغوص في قضايا أعمق. التمييز العنصري والإسلاموفوبيا يظهران كقوى مدمّرة لحياة زيتون، واعتقاله دون تهم واضحة يُعد انعكاسًا لمناخ الشك العام الذي غذّته سياسات ما بعد 11 سبتمبر، وعلى رأسها "قانون باتريوت"، الذي سمح بتوسيع صلاحيات الأمن على حساب الحقوق المدنية. إيغرز لا يوجه هذا النقد بشكل مباشر، بل يترك السرد يُفصح عن ذاته، وهو ما يمنح القصة تأثيرًا مضاعفًا.

في الوقت نفسه، تعري الرواية فشل النظام الأمريكي في إدارة أزمة إعصار كاترينا. الإعصار، الذي أودى بحياة أكثر من 1800 شخص وشرّد مئات الآلاف، كشف عن ضعف البنية التحتية وتباطؤ الاستجابة الرسمية. لكن الرواية تذهب أبعد، مظهرة كيف أثرت الكارثة بشكل غير متكافئ على المجتمعات الفقيرة والأقليات العرقية، ما يكشف عن خلل بنيوي في العدالة الاجتماعية. سجن زيتون، الذي يبدو كمعسكر اعتقال، يتحول إلى رمز لهذا الانهيار الأخلاقي والمؤسسي.

وعلى الرغم من العتمة، تسطع في الرواية ومضات من الأمل. فرغم معاناته، يمثل زيتون نموذجًا للصمود الإنساني، بأفعاله البطولية وقدرته على الاستمرار بعد إطلاق سراحه. أما كاثي، فتجسد صورة المرأة التي تحافظ على تماسك الأسرة وسط الانهيار، وتتحمل العبء النفسي والاجتماعي في غياب زوجها. من خلالهما، تُطرح الرواية تساؤلًا جوهريًا: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته في وجه الظلم؟ وتُجيب بسرد يمجّد الفعل الإنساني البسيط كأقوى أشكال المقاومة.

أسلوب إيغرز أحد أبرز عناصر نجاح الرواية. لغته بسيطة، لكنها مليئة بالتفاصيل الحسية: رطوبة المياه، ضيق الزنزانة، قلق كاثي الخانق. مشهد زيتون وهو يجدّف في المدينة الغارقة يحمل بُعدًا شعريًا، بينما يصف الكاتب هذه الصور بلغة هادئة تتجنّب الانفعال أو الخطابة. استخدامه للاسترجاع، خصوصًا من طفولة زيتون على الشاطئ السوري، يُثري السرد ويدعم البنية النفسية للشخصية. هذه الذكريات لا تؤسس فقط لجذور زيتون، بل تعزز التوتر بين "الوطن" و"الاغتراب"، البحر والحصار، الأمان والغربة.

في جوهرها تشكل "زيتون" تأمل في الهُوية والانتماء. زيتون، الذي بنى حياة ناجحة في أميركا، يجد نفسه فجأة غريبًا فيها. اسمه، شكله، ودينه تصبح أدوات إدانة. هذا الصراع يتردد في كل صفحة، ويظهر بوضوح في استرجاعاته عن سوريا، حيث كان البحر مصدر قوته، ليتحول في أمريكا إلى رمز للغرق – واقعيًا ومجازيًا. أما كاثي، فتعيش صراعًا موازيًا: أمريكية اعتنقت الإسلام، تواجه التحيز بسبب حجابها. إيغرز يستثمر هذه التوترات لطرح أسئلة معقّدة حول الهوية، والتقبّل، ومعنى أن تكون مواطنًا في زمن الارتياب.

فلسفيًا، تطرح "زيتون" أسئلة جوهرية: ما العدالة؟ كيف يصمد الفرد في وجه آلة مؤسسية غاشمة؟ وما الذي يبقى من الإنسان حين يُجرد من حريته وكرامته؟ لا تقدم الرواية إجابات نهائية، بل تحفّز القارئ على التفكير. زيتون، بصموده، يتحول إلى رمز للأمل، ولكنه أيضًا تذكير بثمن هذا الصمود. إيغرز لا يكتفي بعرض مأساة فرد، بل يضع مرآة أمام قارئه لرؤية المجتمع بأكمله، بإخفاقاته وأشباحه.

في النهاية، تركت "زيتون" أثرًا واسعًا. فازت بجائزة لوس أنجلوس تايمز للكتاب، ودُرست في الجامعات، وترجمت إلى عدة لغات، واستقبلها الكثيرون كتجسيد لتجربة المهاجر المسلم في الغرب. وقد أثارت نقاشات حول حقوق الإنسان، وسياسات الهجرة، والتمييز المؤسسي. كونها ليست مجرد قصة عن إعصار، أو عن مهاجر، بل هي مرآة لتناقضات العالم الحديث، حيث يمكن للبطل أن يُختزل إلى مشتبه به، وللكارثة أن تكشف هشاشة ما نظنه متينًا. ومن رحم هذه المأساة، يولد تأمل في جوهر الإنسان، حين يُختبر في أقسى الظروف.

مقتطف من الرواية

كان من يناديه الزوجان ويليامز، رجلًا يدعى ألفين ومعه بيولا زوجته، وكانا في السبعينيات من العمر، كان الزوج ألفين يعمل راعيًا لكنيسة معمدانية تسمى كنيسة بيت لحم الجديدة، وكان قعيدًا في كرسي ذي عجلات، وكانت بيولا قد تزوجته منذ خمس وأربعين سنة، وكان زيتون وكاثي يعرفانهما منذ أن بدآ يقطنان نيو أورلينز تقريبًا، وعندما كان زيتون وزوجته يعيشان في منزل قريب كانت أخت ويليامز راعي الكنيسة تزور كاثي وتتناول معها بعض الوجبات. ولا تذكر كاثي إطلاقًا كيف بدأ ذلك، ولكن تلك الأخت كانت عجوزًا، وتحب أسلوب كاثي في الطهي، وهكذا كانت كاثي عندما يحين موعد العشاء تعد لها مكانًا على المائدة، واستمرت الحال على ذلك شهورًا عديدة، وكان يسعد كاثي، أن تعلم أن شخصًا ما كان يكلف نفسه عناء تناول الطعام الذي تعده بنفسها.

ونادى زيتون: «مرحبًا!» وانطلق نحو المنزل بقاربه.

وسأله ألفين: أتظن أنك تستطيع مساعدتنا على الخروج من هنا؟.

كان راعي الكنيسة وبيولا قد صمدا في وجه العاصفة، ولكنهما كانا قد استنفدا الآن مخزونهما من الطعام والماء، ولا يذكر زيتون أنه رآهمها من قبل بمثل هذا الإرهاق.

وقال ألفين: آن أوان الرحيل.

وإزاء المطر المنهمر والريح العاصف، كان من المحال إجلاؤهما في القارب، فقال لهما زيتون إنه سوف يأتيهما بمن يساعدهما.

وانطلق في شارع كليبورن، والريح والمطر يحاربانه، حتى وصل إلى المركز الطبي التذكاري حيث كان يعرف بوجود الشرطة ومرابطة جنود الحرس الوطني هناك، ورأى وهو يقترب جنودًا في الحارات وفوق السطوح وعلى المنصات وفي الشرفات. كان المكان أشبه بقاعدة حربية مُحَصَّنة تحصينًا شديدًا، وعندما اقترب إلى الحد الذي يتيح له مشاهدة وجوه الجنود رفع اثنان منهم مسدسيهما، وأصدرا إليه الأمر صائحين "لا تقترب أكثر من هذا!".

أبطأ زيتون السير بالقارب، وزادت شدة الريح، كان من المحال المكوث في مكان واحد، كما كان من الصعب سماعهما صوته.

وصرخ زيتون: أبحث وحسب عن مساعدة.

وخفض أحد الجنديين مسدسه، وظل الآخر يوجه مسدسه إلى زيتون.

وقال الجندي: لا نستطيع مساعدتك. اذهب إلى شارع سانت تشارلز.

وتصور زيتون أن الجندي لم يحسن سماعه؛ إذ كانت الريح تدير قاربه وتحجب ألفاظه، فعاد يقول موضحًا وبصوت أعلى هذه المرة: "في آخر الشارع زوجان عجوزان يريدان الجلاء.

فقال الجندي: ليست تلك مشكلتنا. اذهب إلى شارع سانت تشارلز.

وعندها انخفض المسدسان.

وسألهما زيتون: لِمَ لا نستدعي أحدًا؟" هل كان الجنديان يقصدان فعلًا أن يقطع زيتون الطريق كله بقاربه إلى تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز، بدلًا من أن يستدعي أحدهما وحدةً أخرى على جهاز اللاسلكي الذي يحمله؟ وماذا كان الجنود يفعلون في المدينة إن لم يكونوا يساعدون على إجلاء الناس؟

وقال الجندي الآخر: لا نستطيع استدعاء أحد.

وتساءل زيتون: ما أغرب ذلك! لديكم كل هذه التكنولوجيا ولا تستطيعون استدعاء أحد؟.

وانطلق زيتون يجدف في قاربه متجهًا إلى تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز، وكتفاه تؤلمانه، وكانت الريح تضاعف من صعوبة العمل، وأصبحت المياه ضحلة أثناء اقترابه من التقاطع، وشاهد خيامًا ومركبات حربية، وأكثر من عشرة ضباط وجنود بالشرطة، فخرج من قاربه وسار حتى أتى أحدهم، وكان جنديًّا يقف على الكلأ في المنطقة الوسطى، وهي التي كان سكان نيو أورلينز يسمونها "الأرض المحايدة".

وقال زيتون: لديَّ حالة حرجة. لديَّ رجل معوَّق يحتاج إلى المساعدة والمعونة الطبية. وهو يحتاجها الآن.

وقال الرجل: وهو كذلك. سنتولى أمره.

وسأله زيتون: ألا تريد العنوان؟.

وقال الرجل: طبعًا، أعطه لي.. وفتح مفكرة صغيرة في يده.

وأعطاه زيتون العنوان بدقة. وكتبه الرجل وأعاد المفكرة إلى جيبه.

وسأله زيتون: إذن ستذهبون إليه؟.

الرجل: نعم.

زيتون: متى؟

الرجل: ساعة تقريبًا.

عاد زيتون للزوجين ويليامز وطمأنهما: لا بأس عليكما، إنهم في الطريق، قالوا ساعة واحدة. فشكر راعي الكنيسة وزوجته زيتون، وعاد هو إلى منزل كليبورن، فاصطحب ناصرًا، وانطلقا للنظر فيما يمكن أن يفعلاه، كانت الساعة قد تخطت الواحدة بقليل.