رواية ما بعد الأخلاق في 'نداء القرنفل': تفكك القيم وأزمة المجتمع والإنسان

رواية مصطفى موسى تكشف عن واقع مصري مأزوم حيث تتآكل القيم وتتحول الطقوس والمقدّسات إلى قشور فارغة.
ضحى عبدالرؤوف المل
بيروت

تُقدّم رواية "نداء القرنفل" لمصطفى موسى دراسة عميقة لواقعٍ مصريٍ متصدع يتنقل بين مساحات متشابكة من الطقوس، الجسد، والأخلاق. في هذه الرواية، يظهر مجتمع يغرق في الفساد والانحلال الأخلاقي، حيث تفقد القيم معانيها، وتُصبح الأخلاق معركة مستمرة لا يُحسم فيها النصر لأي طرف. نداء القرنفل لا تترك مجالًا للقراءات السطحية؛ بل تفتح أمامنا أبواباً لفهم عميق لطبيعة الأزمة التي يعاني منها الإنسان في عالم ما بعد الأخلاق. الرواية لا تُقدّم الخير والشر كما تعودنا أن نراهما في الأدب التقليدي، بل تُعرض شخصيات مركّبة تعكس الانفصام بين التقاليد الأخلاقية والواقع الاجتماعي المتمزق. هذا التمرد على المفاهيم الأخلاقية يسير جنباً إلى جنب مع تلاشي المقدس والطقوس التي كانت ذات يوم بمثابة الحواجز ضد الفساد. فكيف تُعبّر الرواية عن عصر ما بعد الأخلاق، حيث يصبح الجسد والأخلاق والمقدس مجرد أدوات للتفاوض في عالم تهيمن عليه الرغبة والطمع؟

رواية "نداء القرنفل" هي رواية ما بعد الأخلاق، بمعنى أن القيم الأخلاقية التي يراها المجتمع تقليدية ومستقرة تتآكل وتذوب في فضاء اجتماعي متداخل ومعقد. الشخصيات لا تظهر كنماذج تمثل الخير أو الشر في صورتهما التقليدية، بل هي شخصيات متشظية تتحرك في مساحة رمادية حيث تكشف الرواية عن أزمات ضمير مستمرة تواجه الشخصيات. إذ يُظهر الكاتب مصطفى موسى الشخصيات وهي تعيش في حالة من التمزق الداخلي، ليس بسبب اختيارها الصواب أو الخطأ، بل بسبب العوامل المجتمعية والاقتصادية التي تدفعهم نحو اتخاذ قرارات تناقض في كثير من الأحيان مع المفاهيم الأخلاقية التقليدية. شخصية كرم، على سبيل المثال، لا يتم تعريفه ببساطة على أنه "شرير"، بل هو نتاج منظومة اجتماعية فاسدة تربي أبناءها على الكذب والخيانة. في حوار بينه وبين نفسه يقول كرم: "غمضة عين تساوي ربع مليون جنيه، أو نصيباً في العمارة الجديدة الكبيرة"، ليكشف عن أزمة الضمير في وجه إغراء المال، وعجزه عن مقاومة هذا الاغواء. هذه "غمضة العين" لا تشير فقط إلى الفساد الشخصي، بل هي رمز لغفوة الضمير الوطني، كما يتحول الحارس إلى سمسار يخون الأمانة لشراء لقمة العيش. الشر هنا ليس مجرد فعل شنيع، بل هو نتاج لظروف مادية وفكرية تستدعي الخيانة والتهرب من الواقع، كما تجسدها شخصية جابر الذي يبيع شرفه مقابل المال.

وبذلك، لا تتمايز الرواية بين "الأخلاقي" و"اللامؤاخذ"، بل تدمج بينهما لتظهر التناقضات الداخلية للمجتمع وللشخصيات على حد سواء. نجد في نداء القرنفل أن الرغبة والطمع يهيمنان على الأخلاق، ويؤثران بشكل حاسم على اختيارات الشخصيات، ما يؤدي إلى انهيار الطبقات المورثة التي كان يُفترض أن تكون الحاجز النفسي والاجتماعي بين الإنسان والشر. وفي قلب الرواية، يظهر الجسد كأداة للتحكم والإغواء والتواطؤ، ويغدو مجالًا رئيسياً للصراع الأخلاقي. في الرواية، الجسد ليس مجرد هيكل مادي بل هو حقل للمفاوضات بين القوى المجتمعية والاقتصادية. هذه المفاوضات تظهر بوضوح في علاقة جابر وسامية، حيث يُظهر الكاتب كيف يتحول الجسد الأنثوي من مساحة للطهارة والتطهر إلى أداة للسلطة والاغراء في يد الأنثى نفسها. فسامية في الرواية، التي تتطهر بالماء والرصاص وتدهن جسدها بالأعشاب والزيوت، هي مثال واضح على استخدام الجسد كأداة مقاومة في وجه الواقع المادي القاسي. في مشهد حمّام الأربعين، عندما تُغسل سامية جسدها ليس من أجل الطهارة التقليدية، بل لتُعيد صياغة جسدها ليصبح موقعاً للسيطرة والمتعة معاً، نجد أن هذا الطقس الذي كان يُفترض أن يكون مقدساً ونقياً، يتحول إلى عملية احتلال للذات والتفاوض مع الجسد كأداة للاحتواء والإغواء. تقول سامية في اللحظة التي تنهي فيها طقوسها: "ولد مبرور وطهارة من نجاسة ورحم مشتاق يعوذ بالله من الوسواس الخنّاس". إن تلك اللحظة تُمثّل انتقال الطهارة إلى إغواء، حيث لا يصبح الجسد مجرد موضوع للاحتقار أو المعاناة، بل يتحول إلى ساحة صراع للحصول على القوة. فهل الجسد في نداء القرنفل أداة لتفكيك الحدود التقليدية بين الطهارة والرغبة، الجنس والدين، وهو ما يعكس صراعاً داخلياً يشير إلى انحراف المجتمع عن القيم الروحية في ظل المادية والطمع؟

في "نداء القرنفل"، لا تُقدّم الطقوس كأفعال خالية من المعنى، بل على العكس، تظهر كيف أن الطقوس الدينية والاجتماعية قد تحولت إلى قشور فارغة، بعد أن فقدت قدرتها على حماية المجتمع من الانهيار. في المشهد الذي يتم فيه غسل الشيخ بحبح، نجد أن الطقس الجنائزي قد أُجل، إذ تم تأجيله بشكل مقصود وعُومل بلامبالاة. لا يتوقف الأمر عند الموتى فقط، بل يُظهر الطقس الشعبي في حمّام الأربعين تحولًا عميقاً في المفاهيم الدينية. فقد أصبح الحمام، الذي يُفترض أن يكون طهارة دينية، مجرد أداة للشهوة والتطهر الجسدي بمعزل عن معناه الروحي. ففي خطبة عبد الناصر، لا نجد إلا التجاهل واللا مبالاة من الشخصيات تجاه هذه الرموز السياسية والروحية، كما يعبر أحدهم بقوله: "هم شوية يا عمّ إبراهيم"، ليكشف عن تفكك القداسة وتفشي الإهمال المجتمعي. وبالتالي، تكشف الرواية كيف أن المقدس قد تحول إلى أداة للمراوغة والتسويغ، يعيد إنتاج نفسه شكلياً في سياق يتجاهل جوهره الروحي.

تنتمي الرواية إلى عصر ما بعد عبد الناصر، حيث يشير موسى إلى أن النظام الأخلاقي والاجتماعي قد انهار على يد الفساد السياسي والانحلال الاجتماعي. من خلال شخصية عزيز سرايا، الذي يضع السكين على رقبة ابنه.إذ  تشير الرواية إلى انهيار السلطة الأبوية وفقدان قدرة المجتمع على التأثير الأخلاقي على أفراده. شخصية عزيز، الذي يرمز إلى السلطة القديمة التي أصبحت آيلة للسقوط، تُظهِر كيف أن المال قد حل محل العدالة والسلطة في المجتمع.

كما يَظهر انهيار الطبقة المتوسطة في الرواية من خلال الأحداث المتلاحقة في مكتب الشهر العقاري، حيث تحتل الأملاك وتُوزع الأموال وفق مصالح ضيقة، ما يعكس تفكك الأسس الأخلاقية التي كانت تضمن نوعاً من العدالة الاجتماعية. هذا التحول في الطبقات الاجتماعية، الذي يعبر عن صعود الأفندي الغني، يُظهر كيف أن المال أصبح السلطة الجديدة التي تدير كافة مفاصل الحياة الاجتماعية، ليتحول المجتمع إلى سوق مفتوحة لا مكان فيها للأخلاق ولا للعدالة.

"نداء القرنفل" هي رواية ما بعد الأخلاق بكل ما تحمله الكلمة من معنى. في هذا العالم الذي رسمه مصطفى موسى، يتقاطع الفساد الاجتماعي مع التصدع الأخلاقي في شخصية كل فرد، لتكشف الرواية عن إغواء المال وطغيان الجسد في مواجهة انهيار الأخلاق. ليس هناك خير مطلق أو شر مطلق، بل شخصيات مركّبة تتأرجح بين الاختيارات الأخلاقية والواقع المادي القاسي. الجسد يتحول من مكان للطهارة إلى ساحة صراع، والطقوس التي كانت ذات يوم وسيلة لحماية النفس من الفساد قد تحولت إلى مجرد أدوات لإعادة تشكيل الرغبة والقلق. وبذلك، تظل الأزمة الأخلاقية في الرواية تُحاصر الجميع، مما يفتح أسئلة عميقة حول معنى الخير والشر في عالم فقد فيه الإنسان البوصلة. إن "نداء القرنفل" هو أكثر من مجرد عنوان فني أو استهلال رمزي، بل هو صرخة جماعية في وجه الانهيار الأخلاقي الذي يعصف بالمجتمع. القرنفل، الذي كان يُعتبر رمزاً للجمال والطهارة في الماضي، يصبح هنا علامة على الفساد وفقدان القيم. المجازيات المتعددة التي يحملها هذا العنوان تعكس التفاعلات المعقدة بين الجسد، الرغبة، الأخلاق، والطبقات الاجتماعية. النداء ليس مجرد صوت للزهور، بل هو مجاز للحاجة إلى الخلاص من هذا التدهور، وإن كان في النهاية نداء غير مُستجاب. فهل نحن كبشر قادرون حقاً على الخلاص عندما تتداخل رغباتنا مع فوضى المجتمعات التي ننتمي إليها؟