'سرايا السلام' أول المبادرين بفتح باب تسليم السلاح للدولة العراقية

الخطوة الأولى تتمثل في إعادة دمج القوات وتنظيم أوضاعها الإدارية والعسكرية ويكون ارتباطها المباشر بالقائد العام للقوات المسلحة العراقية.

بغداد – بدأت مراسم الاستلام والتسليم الرسمية لملف "سرايا السلام" إلى قيادة عمليات سامراء، في محطة مهمة في مسار جهود الحكومة العراقية الرامية إلى ترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، حيث تسعى بغداد إلى تعزيز سلطة المؤسسات الأمنية الرسمية وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والتشكيلات المسلحة، بما يضمن احتكار الأجهزة الحكومية للمهام الأمنية والعسكرية.

وأعلن نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول الركن قيس المحمداوي خلال مؤتمر صحافي مشترك عُقد في سامراء، الخميس عن تشكيل لجنة مشتركة تتولى فك آلية ارتباط القوات بالحشد الشعبي وإعادة تنظيمها ضمن الأطر الرسمية للدولة.
 وأوضح أن الخطوة الأولى تتمثل في إعادة دمج القوات وتنظيم أوضاعها الإدارية والعسكرية، على أن يكون ارتباطها المباشر بالقائد العام للقوات المسلحة من الناحية العسكرية.
وأكد أن لجنة خاصة شُكلت بأمر ديواني برئاسته لوضع الآليات الخاصة بتسليم الأسلحة بمختلف أنواعها وإعادة هيكلة التشكيلات المشمولة بالإجراءات الجديدة، بما يضمن تحويلها إلى قوات نظامية تعمل ضمن مؤسسات الدولة بعيداً عن أي ارتباطات سياسية.

كما أشار إلى أن عملية التسليم ستشمل الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وفق مراحل زمنية وجغرافية محددة، لافتاً إلى أن هناك مبادرات مشابهة لفصائل أخرى يجري العمل على تنفيذها ضمن السياق ذاته.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها سامراء باعتبارها مدينة ذات رمزية دينية وأمنية كبيرة، فضلاً عن كونها شهدت خلال السنوات الماضية وجوداً لفصائل مسلحة تولت مهام حماية المراقد الدينية والمناطق المحيطة بها في ظل التحديات الأمنية التي أعقبت تمدد تنظيم داعش. ومن شأن انتقال المسؤولية الأمنية إلى القوات النظامية أن يعزز الثقة بقدرة الدولة على إدارة الملف الأمني بصورة مباشرة دون الحاجة إلى أدوار موازية.

وأكد قائد "سرايا السلام" تحسين الحميداوي أن ارتباط هذه القوات سيكون عسكرياً بالقائد العام للقوات المسلحة، مشيراً إلى أن إجراءات التسليم ستتواصل خلال الفترة المقبلة لضمان انسيابية تنفيذ المهام الأمنية وعدم حدوث أي فراغ ميداني.

ويرى مراقبون أن تسليم المواقع الأمنية يمثل اختباراً عملياً لجدية مشروع الحكومة الخاص بحصر السلاح بيد الدولة، إذ إن نجاح التجربة في سامراء قد يفتح الباب أمام خطوات مماثلة في مناطق أخرى، ويشجع على توسيع نطاق إعادة انتشار الفصائل المسلحة أو تقليص أدوارها الأمنية لصالح القوات الرسمية. كما أنه يبعث برسالة داخلية وخارجية مفادها أن بغداد ماضية في تعزيز سيادة القانون وترسيخ مرجعية الدولة في إدارة الشأن الأمني.

وعلى المستوى السياسي، قد تسهم الخطوة في تخفيف الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن تعدد الجهات المسلحة وتداخل الصلاحيات الأمنية، كما تمنحها زخماً إضافياً في تنفيذ تعهداتها المتعلقة بإصلاح القطاع الأمني. وتكتسب هذه المساعي أهمية متزايدة في ظل الضغوط الداخلية والدولية التي تدعو إلى بناء مؤسسات أمنية موحدة قادرة على فرض الاستقرار وحماية الحدود ومواجهة التحديات الأمنية بعيداً عن أي ازدواجية في القرار العسكري.

ولا يقتصر حصر السلاح بيد الدولة على الجانب الأمني فحسب، بل يرتبط أيضاً بتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، إذ يعد وجود مؤسسة أمنية موحدة أحد الشروط الأساسية لجذب الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال وترسيخ الثقة بمؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، ينظر إلى تسليم "سرايا السلام" مسؤولياتها الأمنية في سامراء باعتباره خطوة تتجاوز بعدها المحلي لتشكل مؤشراً على توجه أوسع نحو إعادة ترتيب المشهد الأمني العراقي.

ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن نجاحها في إحداث تحول حقيقي في ملف السلاح المنفلت سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على استكمال إجراءات مماثلة في مختلف أنحاء البلاد، ووضع آليات واضحة تضمن انتقال جميع المهام الأمنية إلى المؤسسات الرسمية، بما يعزز احتكار الدولة للقوة ويكرس مبدأ سيادتها على كامل أراضيها. وفي حال نجحت بغداد في البناء على هذه التجربة، فقد تمثل سامراء نموذجاً يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة في إدارة الملف الأمني العراقي.

وأتت هذه الخطوة بعد أيام من إشادة رئيس مجلس النواب العراقي بمبادرة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر المتعلقة بفك ارتباط "سرايا السلام" وإلحاقها بمؤسسات الدولة، في خطوة يعتقد أنها تمثل تطوراً مهماً في مسار تنظيم السلاح وتعزيز سلطة الدولة على الملف الأمني؛ إذ أعلنت ثلاثة فصائل مسلحة، هي "سرايا السلام" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي"، انضواءها ضمن توجه حصر السلاح بيد الدولة وتسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة إلى المؤسسات الرسمية خلال الأسابيع الأخيرة.