فصائل عراقية تبدي مرونة مع جهود الزيدي لحصر السلاح
بغداد - بينما تتصاعد الدعوات في العراق إلى ضبط السلاح خارج مؤسسات الدولة، بدأت مؤشرات سياسية وأمنية تكشف عن تحولات لافتة في مواقف عدد من الفصائل العراقية المسلحة، بعد سنوات من التمسك بخيار الاحتفاظ بالسلاح بعيداً عن سلطة الحكومة. وتقول مصادر سياسية مطلعة إن الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي تواجه ضغوطاً متشابكة داخلياً وإقليمياً لدفع ملف حصر السلاح إلى مراحل تنفيذية فعلية، وسط محاولات لتفادي أي صدام مباشر مع الميليشيات النافذة.
وبحسب المعطيات المتداولة داخل الأوساط الحكومية، فإن بعض الفصائل التي كانت تتخذ موقفاً متشدداً من فكرة تسليم أسلحتها أبدت خلال الأسابيع الأخيرة استعداداً للدخول في تفاهمات مع بغداد، تتعلق بتنظيم وضعها الأمني وإعادة ترتيب علاقتها بالمؤسسات الرسمية. ويُعتقد أن هذه المرونة جاءت نتيجة جملة من المتغيرات السياسية والأمنية التي فرضت نفسها على المشهد العراقي والإقليمي.
وأكدت المصادر لموقع " شفق نيوز" الكردي العراقي أن الحكومة تسعى إلى تنفيذ خطة تدريجية تتضمن آليات زمنية واضحة لنقل السلاح إلى إشراف الدولة، بالتوازي مع منح تطمينات للفصائل بشأن مستقبل عناصرها وقياداتها، سواء عبر دمج جزء منها ضمن التشكيلات الأمنية الرسمية أو تحويل أذرعها التنظيمية إلى كيانات سياسية تعمل ضمن الأطر القانونية.
ويبدو أن العامل الإيراني لعب دوراً محورياً في إعادة صياغة مواقف بعض القوى المسلحة. فخلال الزيارة الأخيرة التي أجراها إسماعيل قاآني إلى بغداد، حملت الرسائل الإيرانية، وفق تسريبات سياسية، دعوات صريحة إلى تقنين نشاط الفصائل المسلحة وتقليص مظاهر السلاح غير الخاضع للدولة، في ظل رغبة طهران في تجنب توسيع رقعة التوتر الإقليمي وامكانية عقد اتفاق سلام مع الولايات المتحدة.
وتؤكد المصادر أن لقاءات مباشرة جمعت مسؤولين إيرانيين بقيادات فصائل عراقية ركزت على ضرورة الانتقال من العمل المسلح المستقل إلى العمل المؤسسي، مع تقديم ضمانات تتعلق بعدم استهداف قادة الفصائل قضائياً أو مالياً، فضلاً عن إدراج الأسلحة ضمن سجلات الدولة الرسمية تحت إشراف حكومي مباشر.
في المقابل، يواجه رئيس الوزراء العراقي تحدياً معقداً يتمثل في تحقيق توازن بين مطالب القوى السياسية الداعمة لحصر السلاح وبين مخاوف الفصائل من خسارة نفوذها الأمني والعسكري. ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في هذا الملف يعتمد على قدرتها في بناء تفاهمات سياسية أوسع تمنع انزلاق البلاد إلى توترات داخلية جديدة.
وكان البرنامج الحكومي الذي نالت على أساسه حكومة الزيدي ثقة البرلمان قد وضع ملف حصر السلاح ضمن أولوياته الأساسية، مع التأكيد على تعزيز سلطة الدولة وفرض القانون على جميع التشكيلات المسلحة. كما كشفت تسريبات سياسية سابقة عن اتفاق داخل قوى "الإطار التنسيقي" لتشكيل لجنة عليا تشرف على تنفيذ هذا الملف، تضم شخصيات سياسية وأمنية بارزة، بهدف وضع خارطة طريق لإعادة دمج عناصر الفصائل داخل المؤسسات الرسمية المدنية والعسكرية.
ورغم الحديث عن وجود أجواء إيجابية في بعض المباحثات، لا تزال مواقف عدد من الفصائل تتسم بالحذر، إذ تؤكد قيادات فيها أن المقصود بحصر السلاح هو مواجهة السلاح الخارج عن القانون، وليس "سلاح المقاومة" الذي تعتبره جزءاً من منظومة الدفاع عن البلاد. ويعكس هذا الطرح استمرار التباين في تفسير مفهوم "السلاح المنفلت"، وهو ما قد يشكل عقبة أمام أي تسوية نهائية في هذا الملف الشائك.