سيتكرر سيناريو سوريا في مالي؟

في حال استمرار الوضع الحالي في مالي، قد لا يكون السؤال: هل تسقط باماكو بيد الجماعات الإرهابية؟ بل: متى؟

تفرض جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المصنفة إرهابية، حصارًا خانقًا على العاصمة المالية باماكو منذ أكثر من شهرين، بعد أن قطعت جميع خطوط الإمداد القادمة من دول غرب إفريقيا.

هذا الحصار، الذي شلّ الحركة التجارية وأوقف المدارس وأدخل البلاد في أزمة معيشية خانقة، ليس حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات سياسية وقرارات أمنية طويلة أفرزتها سلسلة الانقلابات التي عصفت بالمنطقة في السنوات الأخيرة.

منذ انقلاب أغسطس/آب 2020، الذي أطاح بالرئيس المنتخب إبراهيم بوبكر كيتا، دخلت مالي في دوامة من الاضطرابات السياسية.

فبعد عام واحد فقط، أطاح العسكريون أنفسهم بالرئيس المدني للمرحلة الانتقالية بقيادة العقيد أسيمي غويتا، الذي أصبح الرجل الأقوى في البلاد.

ومع كل انقلاب، كانت مؤسسات الدولة تضعف ويتآكل نفوذها في الأطراف، ما خلق فراغًا أمنيًا سمح للجماعات المتطرفة بالتوسع.

ولم يكن طرد القوات الفرنسية، التي تدخلت عام 2013 لإنقاذ باماكو من السقوط في يد الجماعة نفسها التي تحاصرها اليوم، سوى إعلان رسمي بعجز مالي أمام المدّ الجهادي.

في هذا السياق، يأتي الحصار الحالي كذروة لمسار من الانهيار المتدرّج.

فالجماعة الإرهابية التي تحاصر العاصمة اليوم هي أكبر من استفاد من كل انقلاب ومن كل انسحاب، لتفرض حضورها على الجغرافيا والسياسة والناس.

وليست مالي وحدها من عانت من الانقلابات والإرهاب، ففي بوركينا فاسو، وقع انقلاب مماثل عام 2022 قاده ضباط موالون لروسيا، وتبعتهم النيجر عام 2023 حين أطاح العسكريون بالرئيس المنتخب محمد بازوم، قبل أن يعلنوا قطع التعاون الأمني مع الدول الغربية.

وأعلنت الدول الثلاث، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لاحقًا عن تشكيل تحالف دول الساحل برعاية روسية، في محاولة لتأسيس محور بديل لـ"إكواس" والتحالفات الغربية.

لكن هذا التحالف وُلد ميتًا، لأن جميع أعضائه يعتمدون بشكل أساسي على الحماية الروسية عبر مجموعة فاغنر، التي عجزت فعليًا عن توفير الأمن في هذه الدول، بل تلقت هزائم نكراء في شمال مالي، إذ قُتل في صفوفها 84 جنديًا في معركة واحدة وأُسر اثنان قرب الحدود الجزائرية على يد جبهة تحرير أزواد.

ورغم وعود وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالقضاء على الإرهاب وحماية المدنيين، إلا أن العكس هو الذي حدث؛

فقد ارتكبت قوات مالي وبوركينا فاسو المدعومة من روسيا جرائم حرب بحق المدنيين في دول تحالف الساحل.

وبحسب تقرير لمركز إفريقيا للدراسات (Africa Center for Strategic Studies)،

شهد عام 2024 تسجيل 365 حادثة عنف ارتكبتها قوات المجالس العسكرية وحلفاؤها الروس في تحالف الساحل، نتج عنها 2,109 وفيات، مقارنة بـ1,778 وفاة مرتبطة بالجماعات الإرهابية.

وفي مالي وحدها، كانت 75 في المئة من الوفيات الناتجة عن العنف على يد القوات المسلحة والميليشيات الموالية لها، بينما بلغت النسبة 54٪ في بوركينا فاسو.

أما إجمالي عدد القتلى في الساحل لعام 2024 فقد تجاوز 10,400 شخص، وهو رقم يمثل أكثر من 55٪ من إجمالي الوفيات المرتبطة بالعنف في القارة الإفريقية.

استفادت الجماعات الإرهابية في الساحل من الحدود المفتوحة لدول هشة منهكة بالانقلابات، لتوسّع عملياتها بحرية.

لكن الأهم من ذلك، أنها نجحت في استثمار المظالم الاجتماعية التاريخية، واستغلال إقصاء بعض القبائل من المشاركة في السياسة، وغياب العدالة، والفقر، والفساد، وفشل تجارب الديمقراطية في المنطقة، لتقدّم أيديولوجيتها السلفية الجهادية كـ“بديل” عن الأنظمة العلمانية التي فشلت في تحقيق التنمية والكرامة.

وبهذه الاستراتيجية، تحوّلت الجماعة في أعين بعض المجتمعات المحلية من تنظيم إرهابي إلى “قوة منقذة”، في مفارقة مأساوية تعيد إلى الأذهان بدايات الصراعين السوري والأفغاني.

تعود جذور جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ذراع تنظيم القاعدة في الساحل، إلى مطلع عام 2017 حين أُعلن عن تأسيسها عبر اندماج عدة فصائل جهادية أبرزها "أنصار الدين" و"المرابطون" و"كتائب ماسينا"، تحت قيادة إياد أغ غالي.

ويُعد أغ غالي من أبرز الشخصيات الجهادية في إفريقيا، ومطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم ضد الإنسانية، وقد خصصت الولايات المتحدة مكافأة مالية ضخمة لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه.

بدأ أغ غالي مسيرته متمردًا في صفوف الحركة الشعبية لتحرير أزواد التي قادت تمرد عام 1990 ضد الحكومة المالية، مطالبة بحق الإقليم في التنمية، قبل أن توقّع اتفاق سلام في الجزائر عُرف بـ“الميثاق الوطني”، نصّ على دمج قوات الحركة في الجيش والدبلوماسية المالية.

لاحقًا، عُيّن دبلوماسيًا في السفارة المالية بالسعودية، حيث احتكّ بالجهاديين العائدين من أفغانستان في التسعينيات، وهناك تشكّل فكره السلفي الإرهابي، وتحول من مغني روك ومقاتل من أجل حقوق الطوارق الأمازيغ إلى إرهابي، قبل أن تطرده السلطات السعودية بسبب نشاطاته.

في عام 2012، قاد إياد أغ غالي تحالفًا من الجماعات الإرهابية للسيطرة على شمال مالي بالكامل، بعد أن طردت الحركة الوطنية لتحرير أزواد الجماعات الأخرى إبّان إعلانها استقلال الإقليم في 6 أبريل/نيسان 2012.

سيطرت الجماعات الإرهابية على عدد من المدن في شمال مالي، من بينها تمبكتو وغاو وكيدال، واستمرت في السيطرة عليها قرابة عشرة أشهر، إلى أن تدخلت فرنسا عام 2013 عبر عملية "برخان"، بناءً على طلب من السلطات المالية لإنقاذ البلاد من السقوط الكامل في أيدي الإرهابيين.

وخلال تلك الفترة، ارتكبت هذه الجماعات جرائم ضد الإنسانية وفرضت الشريعة الإسلامية بأبشع صورها، شملت الجلد والرجم وقطع الأيدي والقتل العشوائي، كما أحرقت مكاتب ومخطوطات تمبكتو التاريخية وهدمت معالم مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

ومنذ ذلك الحين، تبنّت الجماعة سلسلة تفجيرات وعمليات اختطاف استهدفت مدنيين وأجانب ومسؤولين محليين، بينهم شيوخ الطرق الصوفية الذين تعتبرهم كفّارًا.

ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الجماعات أكثر تجذّرًا داخل النسيج الاجتماعي.

استغلت الجهل والأمية لتجنيد آلاف الشباب، وجمعت الدعم عبر الزكاة القسرية والسرقة، واستحوذت على عشرات مناجم الذهب في شمال مالي، التي تحولت إلى مصدر تمويل رئيسي لأنشطتها.

واليوم، تتلاقى في مالي كل عناصر الانفجار: دولة ضعيفة، وسلطة عسكرية معزولة، وحدود مفتوحة، ومظالم اجتماعية، وحصار إرهابي شلّ اقتصاد البلاد.

ومع غياب موقف دولي حاسم، تلوح في الأفق ملامح تكرار السيناريو الأفغاني أو السوري، بأحد أشكالهما.

وبحسب الصحافي وسيم نصر، المتخصّص في الحركات الجهادية، ثمة اتصالات مكثفة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الإرهابية وشخصيات معارضة سواء في الخارج أو الداخل.

وأضاف نصر "لا يمكن للجماعة أن تسيطر على العاصمة باماكو من غير تحالف نوعي مع المعارضة للسلطة العسكرية الحالية أو مع وجاهات محلية مؤثرة"، مثل محمد ديكو المعارض الذي يحظى بشعبية واسعة في مالي.

ورأى نصر أن تحالفات مماثلة قد تُبْعد الجماعة عن ارتباطها المباشر بتنظيم القاعدة، كما حصل في سوريا، لاسيما وأن الجماعة تستثمر في المظالم الاجتماعية التاريخية.

وهذا قد يفسّر استراتيجية الحصار الأخيرة: جهاد اقتصادي يقوم على خنق العاصمة واستنزافها حتى تنهار تلقائيًا دون قتال واسع، عبر سياسة التجويع والضغط الاقتصادي والسياسي.

وتتصارع في مالي أربعة أطراف رئيسية هي تنظيم داعش وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، وجبهة تحرير أزواد التي تطالب باستقلال الشمال، والسلطات المالية المدعومة من روسيا، وكل طرف يحاول فرض نفوذه على المنطقة.

الرهان الآن على ما إذا كان المجتمع الدولي سيتعامل مع الأزمة كقضية إنسانية عابرة، أم كخطر استراتيجي قد يعيد رسم خريطة الساحل والغرب الإفريقي برمّته.

ففي حال استمرار الوضع الحالي في مالي، قد لا يكون السؤال: هل تسقط باماكو بيد الجماعات الإرهابية؟ بل: متى؟