'سيد الترومبيت' إبراهيم معلوف يحتفي بالحياة على مسرح قرطاج

الفنان العالمي يكتب موعدا مع الفرح والتلقائية في حفله المقام ضمن فعاليات الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي.

تونس - احتفاء بالإنسانية في مختلف تجلياتها وبالحب والحياة، قدم السبت عازف "الترومبيت" العالمي إبراهيم معلوف على ركح مسرح قرطاج الأثري حفلا فنيا يحمل عنوان ألبومه الأخير "إبراهيم معلوف وأبواق مايكل انج".

وقدم معلوف هذا العرض الإيقاعي الصاخب الذي يزاوج بين روح الموسيقى العربية والإيقاعات الموسيقية المختلفة، في سهرة السبت أمام مدارج تعج بآلاف الجماهير الذين اختاروا حضور هذا الحفل ضمن فعاليات الدورة 59 من مهرجان قرطاج الدولي.

ومهرجان قرطاج الدولي حلم لكل فنان وأمام جمهوره كتب إبراهيم معلوف موعدا مع الفرح والتلقائية، فعلى الركح اجتمع تسعة عازفين، عازف درامز وعازفي قيثارة وعازف ساكسوفون وستة عازفي ترومييت -الآلة العجيبة- التي ورث إبرهيم معلوف عشقها من والده نسيم معلوف لتصبح فيما بعد رمزا لحضوره الفني ورغبته في كتابة اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ الموسيقى العالمية.

وعرض معلوف رفقة أعضاء فرقته مشهدية كاملة، تقوم قصتها على أحداث واقعية تراوح بين الألم والسعادة، سيما وأن معلوف صاحب هذا المشروع الفني ولد خلال الحرب بلبنان وتحديدا سنة 1980، نجا من الموت أثناء ولادته حين تعرض المستشفى إلى القصف، وتشبث بالحياة ليروي بفنه وكلماته قصة طفل هرب مع أبويه إلى فرنسا في العاشرة من عمره، حيث انتقل من بلد إلى بلد ومن ثقافة إلى أخرى ليجد نفسه عاجزا عن التواصل مع كل المحيطين به إلا تلك الآلة الفنية التي كانت رفيقة عزلته وأداته للتواصل مع العالم.

ورقص الجمهور مع كل معزوفة تم تقديمها لمعلوف، فتحول المسرح الروماني بكل مكوناته من ركح ومدارج إلى ساحة للعرض الذي لعب فيه الجمهور دورا هاما من خلال أصواتهم وحركاتهم المعبرة عن الرغبة في التحرر من قيود اليومي والتزاماته، وعيش لحظات من الحماس والحركة على أنغام الترومبيت والساكسوفون والغيتار والطبول.

وفي افتتاح عرضه، أشار معلوف إلى أن هذا المشروع هو عبارة عن حفل "زواج"، واحتفاء بالحياة ولهذا كانت مختلف المعزوفات ذات طابع احتفالي، وقد قام العرض على المزج بين أنماط موسيقية مختلفة فكانت البصمة والروح شرقية، والآلات كلها غربية، أما الإيقاعات فمزجت بين العربية والغربية والإفريقية حتى أن بعض النغمات تشبه في صوتها أصوات موسيقى السطمبالي وتحديدا آلة القمبري.

إبراهيم معلوف لبناني المولد تعلم الموسيقى منذ الطفولة في بيت فني، وفي فرنسا كانت بداياته الحقيقية، لكن معلوف الابن قرر أن تتجاوز موسيقاه حدود الجغرافيا، ورغم قلة الأبواب التي فتحت له في بداياته اختار نحت سبيله لينجح ولم يكتف بالدور الثانوي في عوالم الموسيقى، بل صنع مجده ليصبح من أشهر عازفي الترومبيت اليوم وتصبح موسيقاه سيمفونية للألوان والاختلاف.

ولأن العرض قائم على مقاربة إنسانية مرجعيتها بالأساس التجربة الحياتية لمعلوف الذي نشأ في عائلة موسيقية من أبوين يمتهنان الموسيقى، حتى أن والده نسيم معلوف هو صانع الترومبيت التي يعزف عليها، وتربى بين شخصيات من مرجعيات ثقافية واجتماعية مختلفة ومن أصول مختلفة أيضا، فقد جمع هذا الفنان معه فرقة يحمل كل واحد فيها قصة إنسانية خاصة.

ومعلوف القادم من سياق ثقافي واجتماعي مؤلم، أبى أن يعبر عن غضبه وسخطه على كل ما عاشه هو وما يعيشه الأبرياء في العالم بسبب الحروب، واختار التشبث بالحياة ووجه دعوة لكل من تابعه إلى ضرورة الاحتفال بالوجود رغم كل ما يدور من أحداث، فحتى وداعه لزياد الرحباني الذي توفي يوم الحفل كان من خلال الموسيقى وتحديدا عزف مقطوعة من أغنية "سألوني الناس عنك يا حبيبي" التي كتب كلماتها منصور الرحباني ولحنها زياد الرحباني وغنتها والدته فيروز.

وآثر الفنان حتى في دعمه للشعبين الفلسطيني واللبناني، التعبير عن هذا الدعم من خلال الكلمات والموسيقى وكأنها جسره الذي يربطه بالعالم في كل تفاصيله.

وتحدث معلوف كثيرا خلال العرض عن حياته، وطفولته وتكوينه وزوجته الفنانة هبة طوجي، وحتى عن الطرائف التي جمعته بوالده أثناء تعلمه للموسيقى، فكان العرض عبارة عن حكاية يتقاطع فيها السرد مع الموسيقى ومع الحركة والرقص والغناء.

ويمتد المهرجان الذي يرتبط اسمه بإحدى أشهر المدن التونسية حتى 21 أغسطس/آب المقبل ببرنامج يشمل 20 سهرة فنية متنوعة من بينها ثمان تونسية وتسع عربية وثلاث عالمية.

وانطلقت الدورة التاسعة والخمسون لمهرجان قرطاج الدولي بالعرض الأوبرالي "من قاع الخابية" للموسيقار محمد القرفي في سهرة فنية مستمدة من ذاكرة الموسيقى التونسية. لكن على غير المعتاد جاء الإقبال على الحفل ضعيفا، وقد عبّر عدد من الحضور لوكالة تونس أفريقيا للأنباء "وات" عن خيبة أملهم إزاء ما وصفوه بعرض "دون المنتظر لا يرقى إلى مستوى افتتاح مهرجان عريق كمهرجان قرطاج الدولي".