سيرة طفل خُلق من رماد الحرب في 'وحوش بلا وطن'
مهما تكن مبرراتها أو شعاراتها، فإن الحروب تخلّف وراءها معاناة إنسانية تتجاوز ميادين القتال. فبينما تبدو آثارها المباشرة جلية في الأرواح التي تُزهق، والأجساد التي تُشوَّه، والمجتمعات التي تُدمر، فإن هناك جراحًا أكثر خفاءً ـ كالصدمة النفسية، والتشريد، والانهيار الاقتصادي ـ تمتد آثارها لسنوات بل لأجيال، لتقوّض نسيج المجتمعات من الداخل. في نهاية المطاف، لا يكون إرث الحرب انتصارًا أو هزيمة، بل خسارةً إنسانية عميقة وباقية.
في هذا السياق، تأتي رواية "وحوش بلا وطن" للكاتب أوزودينما أيويلا كعمل أدبي جريء يغوص في قلب هذه المأساة، مستعرضًا أهوال الحرب من منظور طفل يُدعى آغو، يجد نفسه وسط أتون حرب أهلية في إفريقيا، في مكان يظل عمدًا بلا اسم، ليصبح كلّ مكان.
تسرد الرواية التي ترجمها حيدرة أسعد وصدرت عن منشورات تكوين/ مرايا، رحلة التحوّل القاسي من البراءة إلى التوحّش، لكنها لا تكتفي بوصف العنف، بل تفتح أبوابًا عميقة للتأمل في فقدان الهوية، وانكسار النفس، وتشظّي الطفولة. بلسانٍ طفوليٍّ يحمل نبرة اللهجة الإفريقية الإنجليزية، يمزج أسلوب أوزودينما بين البساطة والفظاعة، وبين الحسّ العفوي والرؤية الموجعة.
تبدأ أحداث الرواية في قرية إفريقية هادئة، حيث يعيش آغو حياة طفولية مليئة بالأحلام البسيطة: المدرسة، اللعب مع الأصدقاء، وقراءة الكتاب المقدس مع والدته. هذا العالم الآمن يُصوَّر بحنين دافئ، حيث تتخلل ذكريات آغو صورًا حسية مثل رائحة طعام أمه أو ضحكات إخوته، مما يرسم تباينًا مؤلمًا مع ما سيأتي. سرعان ما تقتحم الحرب هذا العالم، فتُدمَّر القرية، يُقتل والده أمام عينيه، وتُفصل والدته عنه، تاركة إياه وحيدًا في مواجهة الفوضى. هذه اللحظة تمثل نقطة التحول الأولى، حيث يبدأ انهيار هوية آغو كطفل ويُجبر على الانضمام إلى جماعة مسلحة تقودها شخصية غامضة تُعرف بـ"القائد". هذا القائد، بشخصيته الكاريزمية والقاسية، يُشكل قوة مغناطيسية تُحيط الأطفال بالخوف والإعجاب، مستخدمًا المخدرات، التهديدات، والوعود الكاذبة لتحويلهم إلى أدوات حرب.
رحلة آغو مع الجماعة المسلحة هي قلب الرواية، حيث يُدفع إلى عالم من العنف، ويُجبر على ارتكاب أعمال لا يمكن تصورها: قتل المدنيين، تدمير القرى، وحتى المشاركة في أعمال اغتصاب. هذه الأحداث لا تُروى بطريقة درامية مباشرة، بل عبر منظوره الطفولي، حيث يصف العنف بلغة مرتبكة ومليئة بالدهشة، كأنه يحاول فهم ما يفعله. لغته، الممزوجة باللهجة الإفريقية الإنجليزية، تضفي أصالة على السرد، فنجد عبارات مثل "أنا لا أعرف لماذا أفعل هذا" أو "الدم يبدو مثل الماء الأحمر"، مما يعكس براءته الممزقة. هذا الأسلوب يجعل القارئ يعيش الرعب من منظور طفل لا يملك الأدوات الفكرية لفهم العنف، مما يضاعف من تأثير المأساة.
وسط هذا العنف، يظل آغو يصارع إنسانيته. ذكرياته عن والدته، التي كانت تغني له أو تعلمه الصلاة، تتسلل إلى وعيه كومضات أمل، لكنها أيضًا تُعمّق شعوره بالذنب. يتساءل باستمرار: "هل أنا شخص سيّء؟"، مما يكشف عن صراعه الداخلي بين الطفل الذي كان والوحش الذي أصبح. هذا الصراع يجعل آغو شخصية مركزية معقدة، فهو ليس ضحية سلبية ولا مجرمًا بالكامل، بل هو طفل عالق في منطقة رمادية أخلاقية، يُجبر على اتخاذ خيارات تفوق قدرته. شخصية القائد، من ناحية أخرى، تُجسد السلطة الفاسدة. هو رجل يمتلك حضورًا قويًا، يتحدث بثقة ويُلهم الأطفال بوعود عن "الانتصار"، لكنه يستغلهم لأغراضه الخاصة. في لحظات نادرة، يكشف القائد عن ضعفه، كما عندما يُظهر خوفه من خيانة رؤسائه، مما يضيف طبقة من التعقيد إلى شخصيته، فهو ليس مجرد شرير، بل نتاج نظام فاسد مثله.
شخصية سترينكا، الجندي الطفل الذي يُصبح صديقًا لآغو، تُقدم تباينًا مؤلمًا. على عكس آغو، الذي يحتفظ بجزء من وعيه الذاتي، يبدو سترينكا مستسلمًا تمامًا للوحشية. صمته وخضوعه يجعلانه رمزًا للأطفال الذين تُمحى هويتهم بالكامل تحت وطأة الحرب. شخصيات ثانوية مثل والدة آغو ووالده تظهر عبر ذكرياته، فتُشكل مرساة عاطفية تربطه بماضيه. الأم، بصوتها الدافئ وحكاياتها، تُمثل الأمل والحياة الطبيعية، بينما الأب، الذي يحاول حماية عائلته حتى النهاية، يُجسد التضحية. هذه الذكريات ليست مجرد خلفية، بل هي قوة دافعة تحافظ على بقايا إنسانية آغو.
الرواية لا تحدد مكانًا جغرافيًا بعينه، مما يمنحها طابعًا عالميًا. يمكن أن تكون القصة في سيراليون، ليبيريا، أو أي بلد مزقته الحروب الأهلية. هذا الغموض المتعمد يجعلها رمزًا لكل الأطفال الذين يُسلبون طفولتهم في الصراعات. العنوان نفسه، "وحوش بلا وطن"، مستوحى من ألبوم لفيلا كوتي، ويعكس حالة النفي أو بمعنى أدق التهجير القسري: هؤلاء الأطفال ليسوا فقط بلا وطن جغرافي، بل بلا هوية أو انتماء. الرواية تلمح أيضًا إلى إرث الاستعمار، حيث تُشير إلى الفوضى الناتجة عن الحدود الاستعمارية التعسفية والصراعات القبلية التي غذت الحروب الأهلية. الأحداث تصل ذروتها عندما يُشارك آغو في أعمال عنف بشعة، لكنه يبدأ في التمرد داخليًا، رافضًا الانجراف الكامل إلى الوحشية. هذا التمرد يقوده إلى الهروب في النهاية، حيث يصل إلى مكان آمن، لكن الرواية لا تقدم نهاية سعيدة تقليدية. آغو مثقل بالصدمات النفسية، يتساءل عما إذا كان يستطيع العودة إلى الحياة الطبيعية، مما يترك القارئ مع شعور بالأمل الهش الممزوج بالألم العميق.
اللغة هي أحد أقوى عناصر الرواية. أوزودينما يستخدم لهجة إفريقية إنجليزية (Pidgin English) تعكس عقلية طفل لم يكتمل تعليمه بعد، لكنه يواجه أهوالًا تفوق الخيال. عبارات مثل "الشمس تتكلم معي" أو "أنا أرى الدم في كل مكان" تجمع بين الشاعرية والرعب، مما يجعل القارئ يعيش تجربة آغو الحسية والعاطفية. هذه اللغة ليست مجرد أداة سردية، بل هي وسيلة لإبراز التناقض بين براءة الطفل وبشاعة الحرب، مما يجعل كل مشهد أكثر تأثيرًا.
الرواية أيضًا غنية بالرمزية: الدم يُصبح رمزًا للعنف والحياة في آن واحد، بينما الطبيعة (الأشجار، السماء) تظهر كشاهد صامت على الفظائع، مما يعزز الشعور بالعزلة. وعند مقارنتها بفيلم "وحوش بلا وطن" (2015)، الذي أخرجه كاري جويجي فوكوناجا وبطولة إدريس إلبا وأبراهام أتاه، نجد أن كلًا منهما يقدم تجربة مختلفة، رغم تشاركهما في القصة الأساسية. هنا تغوص في أعماق نفسية آغو، مستخدمة صوته الداخلي لنقل ارتباكه وصراعه مع الذنب. لغتها الفريدة تتيح للقارئ تخيل الفظائع من منظور طفل، مما يجعل التجربة شخصية وحميمة.
على سبيل المثال، عندما يصف آغو قتل شخص ما، يتحدث عنه كأنه "ينام"، مما يكشف عن عجزه عن فهم الموت بالكامل. الفيلم، على النقيض، يعتمد على القوة البصرية. مشاهد العنف، مثل هجوم القرية أو لحظات التدريب العسكري، تُقدم بصراحة صادمة، مما يجعلها أكثر تأثيرًا مرئيًا لكنها أقل عمقًا في استكشاف النفسية. أداء إدريس إلبا كالقائد يضيف بُعدًا دراميًا، حيث يظهر كشخصية مهيمنة ومعقدة، لكنه يأخذ مساحة أكبر مما في الرواية، مما يُقلل من التركيز على آغو أحيانًا.
في المقابل، يستند الفيلم، الذي أخرجه كاري جوجي فوكوناغا، إلى الرواية، لكنه لا ينقل روحها بالكامل. فعلى الرغم من البراعة البصرية في تصوير مشاهد القتال وتحوّل الطفل إلى مقاتل، إلا أن الفيلم يميل إلى التوثيق الخارجي أكثر من الغوص الداخلي، مكتفيًا غالبًا بعرض النتائج دون إضاءة كافية على المسار النفسي الذي يقود إليها. يفتقر الفيلم إلى صوت آغو الداخلي، ما يحدّ من قدرة المشاهد على التماهي مع صراعه الإنساني العميق، ويُضعف البناء الرمزي الذي أتقنته الرواية. هكذا تتحول الرواية إلى تجربة تأملية شديدة الذاتية، فيما يظل الفيلم تجربة بصرية مؤثرة ولكنها أكثر مباشرة.
نهاية الرواية تتّسم بالغموض والالتباس، فلا خلاص حاسم ولا مصالحة كبرى، بل تركيز على حالة الاضطراب التي ترافق آغو حتى في بيئته الجديدة. هذه النهاية المفتوحة لا تعبّر عن عجز الكاتب عن الإغلاق، بل عن إدراكه العميق بأن الألم النفسي الذي يُخلّفه العنف لا يُمحى ببساطة، بل يستمر كندبة مفتوحة، شاهدة على ما مضى، ومربكة لكل محاولة للبدء من جديد.
مقتطف من الرواية
بدأ الأمر على هذا النحو. أشعر بحكة كأن حشرة تزحف على جلدي، وبعدها أشعر بوخز في رأسي، تماما بين عيني، ثم تنتابني رغبة في العطاس، لأن أنفي يحكني، والهواء ينفخ في أذني وأسمع أشياء كثيرة: صرصرة حشرة، هدير شاحنة كأنها حيوان، وبعدها صراخ شخص، فلتتخذوا مواقعكم الآن! بسرعة! بسرعة بسرعة! تحركوا بسرعة! أسرعوا هيا! صوت يمس جسدي بسكين.
أفتح عيني والضوء يحيط بي من كل مكان ويجتاز ثقبا في السقف نحو الظلام، عابرا فوق جسدي مثل شبكة. حين يغمرني الضوء أشعر بجسدي يرتعش مثل فأر صغير في زاوية الغرفة. رائحة المطر ممتزجا بالعرق تتسلل إلى أنفي، لأحس معها بقميصي المبلل وقد صار أشبه بجلد آخر فوق جلدي. أريد أن أتحرك لكن عظامي كلها تؤلمني وعضلاتي تؤلمني كأن نملة نار تلسعني في كل أنحاء جسدي. لو استطعت صفع نفسي كي أتخلص منها، لفعلت ذلك؛ لكني عاجز عن تحريك إصبع واحدة. لذا لا أفعل شيئا.
أسمع وقع أقدام من حولي في كل الاتجاهات، حتى أخال أن والدي سيأتي ومعه الدواء لوقف كل هذه الحكة والألم. أستدير لأتمدد على ظهري. يعلو صوت الخطى أكثر فأكثر حتى بت أسمعها أكثر مما أسمع صوت تنفسي ونبضات قلبي. تم تام، تم تام، تم تام، أسمع الصوت أعلى فأعلى فأعلى، حتى أرى ظلا يغطي الضوء تحت الباب.
أحدهم يطرق الباب. دق دق، لكني لا أجيب. يزداد غضبهم كثيرا ويأخذون في الركل والضرب إلى أن يهتز المكان برمته وينهار ال قف قطعا صغيرة ليدخل المزيد من الضوء. يتشقق الخشب في كل مكان فأسمع بين بيم وأرى مزلاج الباب يسقط في دلو بجوار قدميّ. يصطدم الصوت بالجدار ويرتد هنا وهناك، عبر شبكة الضوء، حتى يبدو الأمر كما لو أن الصوت يدفع الباب إلى أن يفتحه وينتشر وهج غامر. وهج يدخل عينيّ الكثير من الوهج، ويصبح كل ما أراه بقعا أرجوانية. بعد ذلك أرى عينا صفراء تنتمي إلى جسد قصير داكن له بطن كبير وساق رفيعة كساق عنكبوت. هذا الجسد نحيل جدا إلى درجة أن سرواله القصير يتأرجح حول ساقه مثل تنورة نسائية وقميصه يتدلى على كتفيه كالفستان. تكافح رقبته كثيرا لتتمكن من رفع رأسه الكبير الذي لا يكف عن التحرك في هذا الاتجاه أو ذاك.
أنظر إليه. ينظر إليّ. لا يبدو متفاجئا لرؤيتي على الاطلاق رغم أني أتفاجأ لرؤيته، لكن ملامح وجهه تتغير ويصيح مثل كلب ويخطو نحوي. باو! يضربني. يضربني مرات ومرات، وأحس مع كل لكمة تلامس جلدي بأن يده تشبه نصل الماشيتي. أحاول الصراخ لكنه يعتصر صدري ويصفع فمي. أتذوق الدم. أرغب بالتقيؤ. يهتز المكان برمته من حولنا وبمجرد هز رف الفاكهة المتعفنة يبدو أنه سيتكسر إلى قطع كثيرة ويسقط فوقنا. يمسك بساقي ويسحبها بقوة شديدة كأنها ستقتلع مثل قطعة من اللحم، فيما يجر جسدي ببطء خارج الغرفة، نحو الضوء والوحل.
في الضوء، أستعيدُ أنفاسي وأبذل جهدًا لأملأ صدري بالهواء وأبدأ بالسعال وعيناي تغرورقان بالدموع. أرى العالم بأسره ينبسط أمامي وأنا أتطلّع إلى السماء الرمادية وهي تتحرك بطيئةً فوق أعلى ورقات شجرة الإيروكو الشاهقة. تحتها عدّة أشجار صغيرة تناوشُ بعضها بعضًا للتسلُّق نحو الشمس. كلّ الأوراق تقطر بمياه المطر وتتلألأ كالجواهر أو الزجاج. الأعشاب النامية بجوار الطريق طويلة ولونها الأخضر مختلف عن لون أيّ عشبٍ رأيتُه من قبلُ. يدفعني ذلك إلى التفكير بالابتهاج والرقص والصياح والغناء لأنني أوبا! لأنني ميتٌ أخيرًا. قد يكون هذا الصبي روحًا وعليّ أن أشكره لأنه أعادني إلى أرض الأرواح. لكنه ابتعدَ قبل أن أفوهَ بكلمة، وتركني مستلقيًا على ظهري في الوحل.
أستطيع أن أرى الجزء السفلي من شاحنة مركونة بالقرب مني. ثمة شاحنتان تسدّان الطريق بأكمله، والكثير من الشاحنات الأخرى مركونة إلى جانب الطريق، مغطاةٌ بقماشٍ رثّ للغاية ومليء بالثقوب. والطلاء متقشّر فوق الصدأ الغزير كالدم يجعلني أرى الشاحنة مثل حيوان جريح. يحيط جنودٌ كالأشباح بكل هذه الشاحنات. بعضهم يرتدي زيًّا مموّهًا وآخرون يرتدون قمصانًا وسراويلَ ولكن هذا لا يهمّ لأن كل الثياب بالية وتغزوها ثقوبٌ كبيرة. بعضهم ينتعل أحذية حقيقية والبقية ينتعلون أخفافًا. بعضهم واقفٌ بكامل يقظته، الساقان مستقيمتان كأنّه بلا رُكبتينِ. والبعض يقضي حاجته خلف الشاحنة والبعض الآخر بين العشب. جميعهم تقريبًا يحملون السلاح.