سيميولوجيا الاستعصاء السوري.. ديناميكية التأجيل وجغرافيا العقد الاجتماعي الجديد

جغرافية الشمال السوري ليست مجرد شريط حدودي، بل هي مختبر لتلاقي واصطدام المشاريع الجيوسياسية الكبرى.

إن المشهد السوري الراهن يبدو أنه محكوم بما يمكن تسميته ديناميكية التأجيل البنيوي، فالحلول المؤجلة في سوريا لم تكن مجرد تعثر في المسارات الدبلوماسية، بل تحولت بمرور الزمن إلى استراتيجية بحد ذاتها اتبعتها الأطراف الفاعلة بانتظار لحظة نضوج قسري أو تغير جذري في الموازين الدولية، وبهذا المعنى فإن هذا التأجيل أدى إلى تحول الأزمة من "حدث طارئ" إلى بنية مستدامة، حيث تكيفت القوى المحلية والإقليمية مع حالة اللاحرب واللاسلم. إلا أن الخطورة تكمن في أن الحلول المؤجلة تستنزف الرصيد الوطني، وتجعل من تكلفة الحل المستقبلي باهظة جداً، لأنها تسمح بتجذر سلطات أمر واقع وبناء اقتصاديات حرب يصعب تفكيكها لاحقاً.

تطورات الشمال السوري تكاد تكون "بيضة القبان" وتحمل تداعيات ومآلات كثيرة، إذ يُعتبر الشمال السوري اليوم هو النقطة الوطنية الحرجة التي سيتحدد بناءً عليها شكل الدولة السورية القادمة. وبهذا فإن جغرافية الشمال السوري ليست مجرد شريط حدودي، بل هي مختبر لتلاقي واصطدام المشاريع الجيوسياسية الكبرى، وأي مسار ينتهي إليه الشمال السوري، سواء عبر تفاهمات كبرى أو عبر تسويات مؤقتة، سيكون له "أثر الدومينو" على مجمل العناوين الوطنية. فإذا انتهى الشمال إلى حالة من الاستقرار السياسي والاندماج السيادي، فإن ذلك سيعني حكماً بداية نهاية التدويل القسري للأزمة، أما إذا استمرت حالة السيولة الأمنية، فإنها ستبقى ثقباً أسود يستنزف أي محاولة للتعافي الوطني في باقي الجغرافية السورية. وربطاً بذلك فإن مسار الشمال هو الذي سيمهر بختمه طبيعة العقد الاجتماعي السوري الجديد.

تقتضي الضرورة الوطنية إخراج ملف الشمال من دائرة المقايضات الإقليمية إلى دائرة "المصلحة السيادية"، حيث إن إنهاء هذا الملف سياسياً يمثل بُعداً استراتيجياً يتجاوز البعد الأمني؛ فهو المدخل الوحيد لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية التي تبسط ولايتها القانونية والسياسية، لا العسكرية فقط.

وبالتالي فإن الحل السياسي في الشمال هو المفتاح لحلحلة أزمات السوريين بمستوياتها كافة، إذ يمهد الطريق لعودة المسارات السياسية البناءة، ويفتح الشرايين الاقتصادية المعطلة بفعل الأزمات، ويغلق ملفات التدخل الخارجي الذرائعية. ونتيجة لذلك فإن الانتقال من الصدام الجبهوي إلى التسوية السياسية في الشمال هو اعتراف ناضج بأن الجغرافيا لا يمكن أن تظل رهينة لصراعات تتجاوز قدرة المجتمع على الاحتمال.

سنوات الصراع التي عاشها السوريون تؤكد عقم منطق القوة ورهان العقلانية السياسية، واليوم يجب أن يصل "منطق القوة" إلى نهايته، خاصةً أن التجربة التاريخية للأزمة أثبتت أن الإمعان في الأدوات العسكرية وتعميق الأزمات لم ينتج استقراراً، بل أنتج هدوءاً هشاً قابلا للانفجار عند كل منعطف.

كما أن التمسك بمنطق الغلبة أو الحسم العسكري في ظل توازن الضعف الراهن هو مقامرة بمستقبل الكيان الوطني لسورية والسوريين. في المقابل، تبرز إمكانيات الحل السياسي كخيار عقلاني وحيد؛ فالحل السياسي لا يعني العجز، بل يعني القدرة على احتواء التناقضات وتحويلها إلى محرك لبناء دولة المواطنة. وبهذا فإن القوة الحقيقية اليوم تكمن في القدرة على صياغة تنازلات متبادلة تخدم المصلحة العليا، بدلاً من التمترس خلف جدران الأزمات المعمقة التي لا تنتج إلا مزيداً من التفكك.

ربطاً بما سبق، فإنه من الضروري تعميم سيكولوجية الحوار الهادئ والتعافي المجتمعي، إذ يمثل تعميم لغة الحوار الهادئ في السياق الوطني الرافعة النفسية والسياسية للحل، خاصةً أن سنوات الصراع خلقت فجوات إدراكية وحواجز نفسية هائلة بين السوريين، ولا يمكن كسر هذه الحواجز بلغة التصعيد أو التخوين. فالحوار الهادئ وعناوينه الوطنية، الذي يستند إلى مبدأ المكاشفة والمشاركة، يؤدي إلى نتائج إيجابية ملموسة تعمل على تخفيف الاحتقان الشعبي عبر إشعار المواطن بأن هناك مساراً عقلانياً يُطبخ بعيداً عن أزيز الرصاص. وتوازياً فإن بناء جسور الثقة بين السوريين بجعل القرار سورياً سورياً في جوهره، مما يقلص هوامش المناورة للقوى الخارجية، فلغة الحوار، نتيجة لذلك، ليست مجرد أداة تواصل، بل هي فلسفة حكم جديدة تضع الإنسان السوري في مركز الاهتمام، وتؤسس لمرحلة من الاستقرار المستدام الذي لا يهتز بتغير موازين القوى العابرة.

في الخلاصة، إن المشهد السوري يقف أمام استحقاق تاريخي يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، إذ يتطلب ثورة في المفاهيم السياسية. كما إن إنهاء ملف الشمال سياسياً، وتجاوز منطق القوة، واعتماد الحوار الوطني الهادئ، هي المسارات التي ستحول الحلول المؤجلة إلى واقع مُعاش، لتعود سورية دولة فاعلة ومستقرة، محصنة بتوافق أبنائها لا بفرض الإرادات القسرية.