التعبئة السياسية وضرورات بناء التوافق الوطني في سورية.
انطلقت الأزمة السورية من بؤرة مركّبة من التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، متأثرةً بتفاعلات داخلية مع تدخلات إقليمية ودولية متعددة الأبعاد. وما بدأ كحراك شعبي يطالب بالحرية والكرامة تحوّل إلى صراع شامل أعاد تشكيل مفاهيم السيادة والوحدة الوطنية في سوريا، وخلّف تداعيات إنسانية وسياسية عميقة لا تزال تلقي بظلالها على مستقبل البلاد.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل الجوهري حول دور الشارع كرافعة للتحول السياسي: هل يكفي التعبير الشعبي في تحديد مسارات الحل، أم أن الحل السياسي الشامل يتطلب بناء توافق وطني يتجاوز اللحظات العاطفية والانقسامات الفئوية؟
بهذا المعنى، يمثّل الشارع السوري، بما يحمّله من دعوات وشعارات، فضاءً تعبيريًا أساسيًا يعكس حالة الوعي الجمعي الاجتماعي والسياسي المتراكمة عبر سنوات من الأزمة المستفحلة. إلا أن الوقوف عند حدود المطالب التي يرفعها الشارع السوري، إن لم يكن ضمن سياق واقعي واستراتيجي، قد يقود إلى فهم مبسّط أو مجتزأ لمسار الأزمة السورية التي نشأت وتطورت في بيئة محكمة التعقيد والتشابك، حيث تتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية.
إن الدعوات إلى النزول إلى الشارع، وإن أُطِّرت بخطاب وطني واعد بوحدة الأرض ورفض التقسيم، لا يمكن بمفردها أن تشكّل محركًا قويًا للاستقرار أو الحسم السياسي. فهي ذات طبيعة تعبيرية، تعبّر عن لحظة عاطفية أو استجابة مباشرة لأحداث آنية، لكنها تفتقر إلى الأفق السياسي الشامل الذي تحتاجه الدولة والشعب. فالشارع، في جوهره، يعكس رؤى وأطيافًا اجتماعية وسياسية غير متجانسة، وأحيانًا متضاربة، تتأثر بمصالح فئوية أو حزبية أو طائفية، ما يجعل ما يطرحه مؤشرًا على مجموعة من الرغبات السياسية الذاتية أكثر منه مسارًا محددًا لمآلات الأزمة.
يعكس الواقع السوري أزمة معقدة من النوع الذي لا يمكن معالجته بإجراءات ترقيعية أو استجابات مفتوحة للتوترات الشعبية فقط، بل يتطلب دخول مرحلة جذرية نحو حل سياسي شامل ومتوازن. وبذلك، فإن الحلول السياسية الناجعة يجب أن تنطلق من قاعدة وطنية جامعة، تحترم الظروف الموضوعية للبلاد، وتلامس واقع التعدد الاجتماعي والاختلالات السياسية والاقتصادية. ومن ثم، فإن الحل الجذري يكمن في الحوار الوطني الشامل، الذي لا يُعنى فقط بمراكمة المطالب الشعبية، بل بالتوافق على خارطة طريق وطنية قادرة على تفكيك الأزمة بصورة تدريجية ومتدرجة، تأخذ في الاعتبار كل الأطراف والفاعلين الداخليين.
وفي هذا الإطار، يجب أن تُؤسَّس العملية السياسية على مقتضيات ضرورية تمثّلها مصالح الوطن العليا، وليس فقط التشكيلات أو القوى التي تدفع الشارع لاتخاذ مواقف معينة. فالضرورات الوطنية هي البوصلة التي تحدد مسارات الحل، وعندما يتحقق الإجماع الوطني الحقيقي، يحمل في طياته رؤية متماسكة لبناء دولة مدنية عادلة تحفظ حقوق الجميع دون تمييز، وترسّخ أسس المصالحة الوطنية التي تعيد الثقة بين مكونات النسيج الاجتماعي.
ولا يعني ذلك تقليلًا من أهمية التعبير الشعبي، فهو حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي، لكن هذا التعبير يجب أن يتحول إلى جزء من منظومة سياسية متكاملة تضمن عدم اختطاف الحراك الشعبي من قبل أجندات ضيقة أو فتنوية. فالشارع مؤشر لرصد الرغبات والتوجهات، لكنه ليس صانع السياسة بذاته، إذ تتطلب صناعة السياسة أدوات تنظيمية وأطرًا قانونية وإدارية تتجاوز تعبير اللحظات الوطنية العاطفية.
وأي حل سوري مستدام لا يمكن أن ينبع من تحركات عفوية أو ردود فعل شعبية متفرقة، بل يجب أن يستند إلى مبادئ وطنية ثابتة، ويُدعَّم بحوار وطني شامل يعطي مساحة متساوية لجميع المكونات، ويعمل على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويضمن العدالة والمساواة. وهذا المسار لا يلغي ضرورة الإصغاء لمطالب الشارع، لكنه يؤطرها ضمن استراتيجية سياسية واقعية بعيدة عن الارتجال والمطامح الحزبية، وتأخذ في حسبانها التفاصيل الدقيقة في تركيب الأزمة وأبعادها.
إن الدعوات إلى النزول إلى الشارع، مهما كانت مبرراتها الوطنية، لا يمكن أن تكون وحدها مفتاح الحل للأزمة السورية. فهي تعبّر عن حالة تراكمية من الاحتقانات والرغبات السياسية، لكنها لا تمتلك الأدوات الكافية لرسم استراتيجية شاملة تتجاوز الانقسامات وتضمن الاستقرار. كما أن الحل السياسي الحقيقي لا ينبع فقط من مطالب الشارع، بل من ضرورات وطنية تفرض نفسها على كل الأطراف، وتتطلب حوارًا وطنيًا شاملًا يجمع كل المكونات ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية أو الطائفية.
فالشارع، إذًا، ليس صانع السياسة بذاته؛ إذ تتطلب السياسة رؤية استراتيجية وتوافقًا وطنيًا وبناءً مؤسسيًا يضمن العدالة والمساواة للجميع. وبالتالي، لا يمكن لأي حل سوري أن يكون مستدامًا إلا إذا استند إلى إجماع وطني حقيقي وحوار شامل يأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع السوري وتحدياته الجذرية، ويعمل على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويضمن العدالة والمساواة لجميع مكونات النسيج الاجتماعي.
وباختصار، فإن استحضار تحديات الواقع السوري وتعقيداته يحتم الابتعاد عن التفسيرات التي تعتمد فقط على التأييد الشعبي، والتركيز بدلًا من ذلك على بناء توافق وطني يفرز حلًا سياسيًا شاملًا، يمهّد لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، ويراعي تنوع الوطن ومكوناته وأحقية الجميع في المشاركة الفاعلة ضمن هذا البناء الوطني.