سيناريوهات إيران للهيمنة على العراق

القاعدة وداعش متناغمان مع إيران وإن تناقضا في التوجهات والأهداف لكل منهما وهما يرغبان بأن يواجه كل منهما الآخر على أرض العراق.

برغم أن الولايات المتحدة ليست جادة فعليا للانسحاب الحقيقي من العراق في أيلول المقبل، لكن النوايا الإيرانية بالمقابل تحمل سيناريوهات خطيرة، قد يكون احتلال العراق والهيمنة على مقدراته أحد خططها المستقبلية.

الولايات المتحدة أعلنت في بيان لها على لسان سفارتها في بغداد أن كلا من داعش والقاعدة ما يزالان يتربصان بالعراق، للعودة اليه لاحتلاله، وإن أعداد مقاتلي تلك التنظيمات الإرهابية ضخمة وهي في تصاعد مستمر.

كما أن قادة عسكريين أميركيين كبارا قد أشاروا الى وجود قوات ضخمة من داعش والقاعدة، تتواجد على الحدود السورية مع العراق، وهي تشكل تهديدا خطيرا للعراق وأمنه ومستقبل شعبه.

من جانبه قال مسؤول إيراني، قبل أيام، إن العراق كان تابعا لإمبراطوريتنا الفارسية ونحن أحق بأن نعيده الى حاضرتنا، كما كان عبر التاريخ.

هذه المقولة ليست جديدة، وليست أول تصريح لمسؤول إيراني، فقد سبقته قيادات إيرانية على مستوى رفيع في الاتجاه نفسه، بل إن الخميني نفسه أشار في عام 1980 الى تلك النظرية بنفس المعنى، ولكن في إطار إسلامي، أي أن الإمبراطورية الإيرانية يمكن أن تعود إذا اتخذنا من الإسلام وسيلة للسيطرة على مقدرات الآخرين، ومنها العراق.

إيران من جانبها ترى أن الانسحاب الأميركي، إن صح فعليا وصدقت النوايا الأميركية فهو من يحقق لإيران حلمها بإعادة ابتلاع العراق مرة أخرى.

فالفراغ الذي يتركه الغياب الأميركي عن العراق ستجد فيه إيران فرصتها  للتوغل في الأراضي العراقية إن سعت داعش أو القاعدة للتوغل هي الأخرى في العراق، عندها سيكون مبررا للحرس الثوري الإيراني الدخول الى العراق بقوات ضخمة تحت مبررات مواجهة داعش والقاعدة التي تريد استهداف إيران لكي تكون على مقربة منها، وقد تهدد النظام السياسي القائم في إيران، وقد تساعد قوى دولية أخرى على تصعيد المواجهة مع إيران بقصد إسقاط نظامها السياسي.

فالقاعدة وداعش متناغمان مع إيران وإن تناقضا في التوجهات والأهداف لكل منهما وهما يرغبان بأن يواجه كل منهما الآخر على أرض العراق، وبخاصة بعد أن خسرت إيران قاعدتها الرئيسة في سوريا ولبنان وخرجت منها سوريا في ليلة ظلماء، وتركت بعض جحافلها تأتي لاحقا عبر الحدود مع العرق التي سهل لها مهمة العودة الى إيران.

كما أن الجهات الدينية المتشددة في سوريا ما زالت هي الأخرى تتوعد إيران بتلقينها الدروس المرة وهي تسعى لإخراجها من أرض العراق، لتشكيل ما يسمى بـ"الدولة الإسلامية" التي تحلم داعش وحتى القاعدة أنها ليس بمقدورها أن تتخلى عن هذا الحلم، وان خروج إيران من سوريا قد سهل أمامها تلك المهمة.

وطهران التي خسرت وجودها العسكري والأمني الإستراتيجي في سوريا تجد نفسها الآن أكثر إصرارا من قبل على استعادة اعتبارها وهيبتها وشوكتها التي كسرت بعد خروجها المذل من سوريا، وهي تتمنى أن تدخل داعش والقاعدة الى العراق، ليكون بمقدورها أن تنتقل بالصراع فوق الأرض العراقية مجددا، وتتوغل قواتها في أراضيه لمواجهة الخطر الجديد، وهناك مبررات تعطيها الحق في الدخول بمواجهات من هذا النوع كما كانت تدعي بمثل هذا الحق في مناسبات كثيرة.

كما أن أذرع إيران في العراق ستجد فيها فرصتها لأن تسمح لإيران بالتوغل الواسع في الأراضي العراقية، والسير غربا باتجاه سوريا، لكي يكون بمقدور إيران أن تمتد عبر آلاف الكيلو مترات على الحدود مع سوريا، عندها سيكون بمقدور طهران أن تشكل تهديدا كبيرا لسوريا، وتصيب نظامها السياسي بالشلل والارتباك.

بل أن إيران التي احتضنت مقاتلين بأعداد كبيرة من القاعدة ومن داعش على أراضيها منذ أعوام 2013 و2014، بإمكانها أن تعيد تسويقهم بدخول الأراضي العراقية كمقاتلين ينفذون أجندتها في العراق وتعطيهم فرصة التدخل من غربي العراق، لكي تجد إيران نفسها مضطرة للمواجهة مع داعش والقاعدة التي تتهمهما بأنهما صناعة أميركية وإسرائيلية، عندها يكون بمقدور إيران أن تتوغل في أعماق الاراضي العراقية، وتكون هي المهيمنة على مقدرات العراق.

ويبدو أن الأميركان إما أنهم يتعاملون بغباء مع التوجهات الإيرانية أو أنهم يريدون توريطها في الدخول الى العراق لتشكيل تحالف دولي يواجه التوغل الإيراني على غرار التحالف الذي شكلته واشنطن لمواجهة داعش في العراق بعد أعوام 2014 و2016 وستكون فرصة ثمينة للغرب لسحق التوغل الإيراني وإلحاق هزيمة مريرة بإيران وقواتها في العراق.

فالقوات الأميركية هي في كل الأحوال ستبقى في القاعدة العسكرية قرب أربيل وفي القاعدة الموجود في الأراضي السورية وحتى في الكويت ودول الخليج الأخرى وعلى مقربة من المحيط الهندي والبحر المتوسط، حيث ستكون تلك القواعد العسكرية وحاملات الطائرات التي ستصل المنطقة فرصة للولايات المتحدة للانتقام من إيران، وجعلها تلعن اليوم الذي ورطها في احتلال العراق، وستكون المرارة التي تتجرعها إيران أمر من الحنظل بكل تأكيد.

فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تسمحان لإيران الاقتراب من إسرائيل أو دول المنطقة المجاورة لها، فما أن خلصت من تهديدات إيران في سوريا ولبنان لا يمكنها أن تسمح لإيران أن تلعب بذيلها مرة أخرى لكي تشكل تهديدا جديا للغرب ولإسرائيل على أرض العراق.

ومع هذا فإن إيران تراقب الوضع عن كثب، كما تراقب الولايات المتحدة التطورات المتسارعة في المنطقة هي الأخرى، وإذا ما وقعت إيران في الفخاخ التي نصبتها لها الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموما في العراق، فقد تتلاشى أمال إيران وطموحاتها التوسعية، وترتد الى أراضيها مدحورة تجر أذيال الخيبة والخذلان، إن لم تتوغل قوات التحالف الدولي داخل الأراضي الإيرانية ويكون بمقدورها إسقاط النظام القائم في إيران، ولن يمنع الولايات المتحدة والغرب من الوقوف بوجه تحديات خطيرة من هذا النوع، وفي كل الأحوال فإن إيران هي من تتجرع السم الزعاف مرة أخرى، ولن ينفع الندم بعد أن ورطها الغرب والقى لهم الطعم الذي سهل عليه اصطيادها وإبعاد خطرها عن المنطقة، ليخلص العالم من شرورها.