شركة أميركية للتعديل الجيني تثير المخاوف، علاج للأمراض أم تصميم للأطفال؟

قضية تعديل الجينات البشرية تعود إلى الواجهة بعد سبع سنوات من صدمة تجربة العالم الصيني هي جيانكوي، مع إطلاق شركة في نيويورك تسعى إلى تصحيح الطفرات الوراثية في الأجنة.

نيويروك - في سنة 2018، أحدث العالِم الصيني "هي جيانكوي" صدمة عالمية بعدما أعلن أنه أنشأ أول أطفال معدّلين وراثيًا في التاريخ باستخدام تقنية كريسبر (CRISPR). فقد قام بتعديل جينات ثلاثة أجنة بشرية في محاولة لجعلها مقاومة لفيروس الإيدز (HIV)، ثم زُرعت هذه الأجنة لتبدأ حملًا فعليًا انتهى بولادة توأمين يُعرفان باسمَي "لولو" و"نانا". لكن الخطوة التي وُصفت بأنها "قفزة علمية متهوّرة" أثارت موجة استنكار غير مسبوقة في الأوساط العلمية والأخلاقية حول العالم.

اعتبر العلماء آنذاك أن التقنية لا تزال في مراحلها الأولى، وأن تطبيقها على البشر يشكّل خطرًا كبيرًا بسبب احتمالية حدوث "تأثيرات غير مقصودة" على الجينات. كما وُجهت إلى "هي" اتهامات بممارسة أنشطة طبية غير قانونية في الصين، ليُدان في عام 2019 ويُحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. وقد مثّل الحدث نقطة تحوّل في النقاش العالمي حول حدود العلم وأخلاقيات التعديل الجيني.

واليوم، بعد سبع سنوات من تلك الحادثة، تعود القضية إلى الواجهة مع ظهور شركة ناشئة في نيويورك تُدعى "مانهاتن جينوميكس" (Manhattan Genomics)، تقول إنها تسعى إلى إنهاء الأمراض الوراثية من جذورها عبر تصحيح الطفرات الجينية الضارّة في مرحلة الجنين. وتثير الشركة نقاشًا جديدًا حول مستقبل تعديل الأجنة البشرية، وسط انقسام بين من يرى فيها أفقًا ثوريًا للطب ومن يخشى عودتها إلى فكرة "تحسين النسل" التي ارتبطت بتاريخ مظلم من التمييز الوراثي.

تأسست الشركة في أغسطس/آب من العام الجاري على يد رائدة الأعمال الكندية كاثي تاي (Cathy Tie)، وهي زميلة سابقة في برنامج "ثيل" تركت الجامعة في سن الثامنة عشرة لتؤسس شركتها الأولى في مجال الفحص الجيني. إلى جانبها تشارك في التأسيس إريونا هيسولي (Eriona Hysolli)، التي شغلت سابقًا منصب رئيسة العلوم البيولوجية في شركة "كولوسال بايوساينسز" (Colossal Biosciences)، المعروفة بمشاريعها لإحياء الأنواع المنقرضة مثل الذئاب القديمة والماموث.

تقول تاي إن هدف "مانهاتن جينوميكس" هو "تصحيح الأمراض لا تحسين الصفات"، مؤكدة أن عمل الشركة سيكون شفافًا بالكامل بخلاف مشروع "مانهاتن" الأصلي الذي أنتج أول القنابل النووية في الحرب العالمية الثانية. وتضيف في حديثها لمجلة "وايرد" الأميركية:

تصحيح الأمراض لا تحسين الصفات

"نحن نُحدث ثورة في الطب، وهذه التقنية قوية جدًا. التشابه الوحيد مع مشروع مانهاتن الأصلي هو أننا نتعامل مع نواة الخلية كما تعاملوا مع نواة الذرّة."

تضم الشركة مجموعة من "المساهمين العلميين" الذين سيلعبون دورًا عمليًا في الأبحاث، من بينهم طبيب التلقيح الاصطناعي النيويوركي نوربرت غلايشر، وعالم البيانات ستيفن تيرنر الذي كان يشرف على تحليل الجينومات في شركة "كولوسال"، إضافة إلى الباحثَين كارول هانا وجون هينبولد من مركز أبحاث الرئيسيات بجامعة أوريغون للعلوم والصحة، وهما مختصان بعلم الأجنة عند الرئيسيات. كما يشارك في الإشراف الأخلاقي الكاتب والباحث جون كوين من كلية الطب "آيكان" في نيويورك، الذي دعا في محاضرة سابقة إلى "رفع الحظر عن الهندسة الجينية القابلة للتوريث في البشر".

ورغم أن الشركة تؤكد أنها تركز على تصحيح الطفرات المسببة لأمراض قاتلة مثل التليف الكيسي وضمور العضلات الوراثي، إلا أن المخاوف من استخدام التقنية في "تصميم الأطفال" ما زالت حاضرة. فالتعديل الوراثي في الأجنة يعني أن أي تغيير يحدث في الحمض النووي ينتقل بالوراثة إلى الأجيال اللاحقة، ما يجعل الأخطاء المحتملة أكثر خطورة. ويقول باحثون إن التعديلات غير المقصودة أو "الخارجية عن الهدف" قد تؤدي إلى اضطرابات سرطانية أو جينية غير متوقعة.

وتشير تقارير علمية إلى أن التقنيات الجديدة من الجيل الثاني مثل "كريسبر 2.0" أصبحت أكثر دقة، لكنها لا تزال بعيدة عن درجة الأمان المطلوبة لتطبيقها على البشر. في المقابل، يرى المدافعون عن المشروع أن منع هذه الأبحاث يعني تعطيل تطور علمي قد ينقذ ملايين الأطفال من أمراض وراثية مميتة.

ويقول مراقبون إن "مانهاتن جينوميكس" تمثل اختبارًا جديدًا للتوازن بين الابتكار والمسؤولية الأخلاقية في علوم الحياة. فبينما تروج الشركة لفكرة أن "إصلاح الجينات في مرحلة مبكرة" سيحمي البشرية من مآسي الأمراض الوراثية، يحذر منتقدون من أن الطريق نحو هذا الهدف محفوف بمخاطر علمية واجتماعية عميقة.

وتأتي عودة الاهتمام بتقنية التعديل الوراثي في وقت بدأت فيه عدة جهات أكاديمية في مراجعة القيود المفروضة على أبحاث الأجنة. ففي المملكة المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، سُمح في السنوات الأخيرة بإجراء تجارب محدودة على الأجنة البشرية بشرط عدم زراعتها، فيما تواصل الولايات المتحدة فرض قيود صارمة على التمويل الفدرالي لأي تجربة تشمل تعديل خلايا جرثومية بشرية.

ويعتبر خبراء الأخلاقيات الحيوية أن التجربة الصينية التي قادها "هي جيانكوي" قبل سبع سنوات كانت بمثابة تحذير مبكر من مخاطر الانفلات العلمي. ورغم أن الصين شددت قوانينها منذ ذلك الحين، فإن الحادثة لم تغيّر جذريًا السياق العالمي الذي يسمح بظهور مبادرات مماثلة في القطاع الخاص، خصوصًا في ظل ضعف التنسيق الدولي بشأن التنظيم الجيني.

وبينما تحاول "مانهاتن جينوميكس" تقديم نفسها كمشروع علمي شفاف ومفتوح، يرى بعض المحللين أن ما تطرحه الشركة يشبه "العودة إلى لحظة هي جيانكوي" ولكن بثوب جديد: تقنيات أكثر تطورًا، وشركات مدعومة برؤوس أموال ضخمة، وجدال أخلاقي لا يقل تعقيدًا عن السابق.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه المختبرات حول العالم لتطوير تقنيات أكثر دقة لتحرير الجينات، يظل السؤال مطروحًا: هل يستطيع العلم أن يسبق الخطر دون أن يتجاوزه؟