صدمة إدراكية بين اللامتناهي الطبيعي والمنظّم الرياضي في لوحة دكتور فضل زيادة

الأسلوب الفني للفنان اللبناني يعدّ تجربة إدراكية وفيزيائية مكثفة، تمزج بين الفن والعلم من خلال محاكاة تفاعل الضوء مع الموائع، وعقلنة الفوضى الطبيعية بواسطة شبكات هندسية ورياضية تعكس أبعاد الزمن والطاقة.
ضحى عبدالرؤوف المل
بيروت

يتمتع أسلوب الفنان د.فضل زيادة باختزال بصري شديد الكثافة لعلاقة الكون بالمادة السائلة والفراغ الكوني في آنٍ واحد. فهو لا يقدّم مشهداً بحرياً بقدر ما يقدّم تجربة إدراكية عن الحدود بين الفوضى والتنظيم، بين العتمة والضوء، وبين الامتداد اللامتناهي والتجزئة الهندسية الصغيرة التي تظهر في الزاوية السفلية اليمنى. إنّ المساحة اللونية المسيطرة في لوحته ذات الأزرق العميق المتدرّج صعوداً في مساحة تعمل كحقل فيزيائي أكثر من كونها خلفية جمالية، وكأنها تمثيل بصري لفضاء شبه لانهائي تتناقص فيه الكثافة الضوئية كلما اتجهنا إلى الأعلى، بما يذكّر بانحدار شدة الإضاءة في الغلاف الجوي وفق قانون التشتت، حيث يقلّ تفاعل الضوء مع الجسيمات كلما ازداد الارتفاع عن سطح التفاعل المائي.

كما يبدو الخط المائي المضطرب أو ما يشبه المائي بالأحرى كمنطقة انتقال حرجة بين نظامين هما نظام علوي هادئ شبه فراغي، ونظام سفلي أكثر كثافة وظلاماً. هذا الشريط ليس مجرد تمثيل للأمواج، بل هو فيزيائياً أقرب إلى واجهة طاقية تُظهر تراكب قوى متعددة مثل الجاذبية الأرضية التي تسحب الكتلة المائية إلى الأسفل، مقابل قوى الرياح السطحية التي تولّد تموجات اضطرابية غير خطية. فهل تكوينه هذا ينتمي إلى ديناميكا الموائع المضطربة إن صح لي قول ذلك، حيث لا تخضع حركة الماء لمسار منتظم بل لسلوك فوضوي حتمي يجعل كل نقطة على السطح تحمل احتمالات مختلفة للحركة، رغم خضوعها لنفس الشروط الابتدائية تقريبا؟ 

من الناحية البصرية، تعتمد اللوحة على تباين حاد بين الأزرق الداكن والأبيض المتكسر الذي يمثل الرغوة البحرية. هذا التباين ليس جمالياً فقط، بل هو ترجمة مباشرة لمفهوم الامتصاص والانعكاس الطيفي للضوء. فالأزرق العميق يمتص جزءاً كبيراً من الأطوال الموجية الحمراء والصفراء، بينما يعكس الأزرق بدرجاته المختلفة، في حين تعمل الرغوة البيضاء كمجموعة من الأسطح العاكسة العشوائية التي تشتت الضوء بكفاءة عالية، فتبدو أكثر إشراقاً. بهذا يضعنا دكتور فضل زيادة أمام نظام بصري يعتمد على التداخل بين الامتصاص والانعكاس والتشتت، ما يجعل اللوحة أقرب إلى نموذج فيزيائي مصغّر لكيفية تفاعل الضوء مع الأسطح غير المستوية.

إن توزيع العناصر داخل اللوحة يكشف عن وعي عميق بالبنية النسبية للمساحات. فالأفق غير مرسوم كخط صارم، بل كمنطقة ضبابية، ما يكسر الهندسة الإقليدية التقليدية التي تفترض حدوداً واضحة بين السماء والبحر. كما يفرض هندسة  خاصة ملفعة بضبابية، فالحدود احتمالية وليست قطعية. هذا يخلق إحساساً بأن الفضاء نفسه غير مستقر هندسياً، وأنه يتغير حسب موقع المشاهد، وهو ما يتوافق مع مبادئ المنظور النسبي الذي يعتمد على إدراك العين وليس على القياس الثابت. فهل المربع  في زاوية اللوحة الذي يحتوي على خطوط متقاطعة  هو نقطة مرجعية رياضية داخل فضاء فوضوي. يمكن تفسيره كإشارة إلى النظام داخل العشوائية، أو إلى محاولة عقلنة المشهد عبر إسقاط شبكة إحداثيات عليه؟  أم يمكن اعتباره  رياضياً تمثيلاً مصغّراً لنظام إحداثي ديكارتي، لكنه موضوع خارج سياقه المعتاد، مما يخلق صدمة إدراكية بين اللامتناهي الطبيعي والمنظّم الرياض؟

لوحة فضل زيادة
وعي عميق بالبنية النسبية للمساحات

إن رسم القوانين التي تنتج الشكل في لوحات زيادة  هي دعوة لإعادة التفكير في ماهية الفن نفسه. هل هو تمثيل للعالم، أم امتداد له؟ هل اللوحة سطح صامت، أم نظام حيّ؟

هذا التوجه يقترح أن الفن يمكن أن يكون طريقة لفهم الواقع، لا فقط لتزيينه أو التعبير عنه. إنه يقرّب الفن من العلم دون أن يفقد حساسيته، ويمنح العلم بعداً حسياً دون أن يجرّده من دقته. في هذا التلاقي، يظهر شكل جديد من الإبداع وهو إبداع لا يكتفي بما يُرى، بل يسعى إلى ما يجعل الرؤية ممكنة أصلاً. واللوحة تعتمد على مبدأ التأجيل الإدراكي حيث لا تقدم للعين نقطة استقرار مركزية واضحة.

العين تبحث باستمرار عن مرساة بصرية،  لكنها لا تجد سوى الحركة والتدرج والضبابية. هذا يولّد حالة من التوتر الإدراكي اللطيف، حيث يحفَّز الدماغ لمحاولة إعادة بناء النظام داخل الفوضى. أما وجود المربع الهندسي الصغير في الزاوية يعمل كحل جزئي لهذا التوتر، لكنه لا يكفي لإلغاء الإحساس بالاتساع اللامنضبط. و عندما يرسم  د.زيادة القوانين، فهو يرسم الزمن أيضاً. الشكل التقليدي ثابت، أما الشكل الناتج عن قانون فهو لحظة مجمّدة من عملية مستمرة. ما نراه على السطح هو أثر لزمنٍ مرّ تبخر، انتشار، تصادم، تماسك، انكسار. كل طبقة تحمل تاريخها، وكل تدرج لوني هو سجلّ لتغيّر في الطاقة أو الكثافة أو الحركة.

هكذا تتحول اللوحة إلى أرشيف ديناميكي، يمكن قراءته كما تُقرأ الظواهر الطبيعية آثار تدل على ما حدث، لا فقط على ما هو موجود . فهل يريد القول بذلك أنه وصل لغايته في الحياة؟ وهل أراد السيطرة على تنفيذ ما يريده بدقة في الفن ؟ وهل هذه السيطرة  قائمة على الفهم لا على الفرض؟أم بكل بساطة بعيداً عن كل هذه التأويلات هي مساحة معلّقة بين الكشف والاحتجاب ؟