ريما عوام: 'الإبداع لغة عالمية تبني جسور التواصل بين الشعوب'
تُعدّ الفنانة التشكيلية اللبنانية ريما عوام من الأصوات الفنية المتميزة في المشهد التشكيلي العربي المعاصر، حيث نجحت في بناء تجربة بصرية خاصة تجمع بين الحس الجمالي العميق والبعد الإنساني والفكري. وقد انطلقت رحلتها مع الفن من شغف مبكر بالألوان والرسم، لتطوّر موهبتها عبر الدراسة والتدريب والمشاركة المستمرة في المعارض والملتقيات الفنية داخل لبنان وخارجه، حتى أصبحت من الأسماء المعروفة في الحركة التشكيلية العربية.
كيف بدأت علاقتك بالفن التشكيلي، ومتى اكتشفت موهبتك الأولى؟
بدأت علاقتي بالفن منذ الطفولة، حيث كان الرسم وسيلتي المفضلة للتعبير عن أفكاري ومشاعري. كنت أرسم لنفسي الواجبات المدرسية بالجغرافيا والعلوم وأرسم لرفاقي واجباتهم المدرسية أيضا.
اكتشفت موهبتي مبكرًا من خلال شغفي بالألوان والخطوط. توقفت فترة بعد الزواج والانجاب ثم عدت، ومع مرور الوقت تطوّرت هذه الموهبة بالدراسة والممارسة المستمرة حتى أصبح الفن جزءًا أساسيًا من حياتي ومسيرتي المهنية.
ما أبرز المحطات التي أسهمت في تشكيل رؤيتك الفنية؟
أسهمت عدة محطات في تشكيل رؤيتي الفنية، منها دراستي الأكاديمية، مشاركتي في المعارض المحلية والدولية، تصميمي غلافات كتب لمختلف الدول العربية، احتكاكي بتجارب فنانين من ثقافات مختلفة، مشاركتي بسمبوزيومات رسم مباشر أمام الناس أو على محطات التلفزة، تمثيلي لبلدي لبنان في المعارض والمهرجانات الدولية كضيف شرف. كما كان اهتمامي بالتراث والهوية الثقافية والعلاج بالفن من العوامل المهمة التي أثرت في أسلوبي الفني ورسخت قناعتي بأن الفن رسالة إنسانية وثقافية.
ما القضايا التي تشغلك وتنعكس في لوحاتك؟
تشغلني قضايا الإنسان، المرأة، الوجوه، الوطن، الهوية، الذاكرة، التراث، الحروب... إضافة إلى العلاقة بين الفن والحياة اليومية. لذلك تنعكس في أعمالي موضوعات مستوحاة من الموروث الثقافي والعادات والتقاليد والجماليات الإنسانية، مع التركيز على إبراز القيم التي تربط الماضي بالحاضر وتمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والاستمرارية.
يحمل الفن في أعمالك بعدًا إنسانيًا واضحًا، ما دور الفنان في مواجهة الأزمات؟
أؤمن بأن الفنان ليس مجرد ناقل للجمال، بل شاهد على عصره وصوت يعبر عن الإنسان في لحظات الفرح والألم. وفي أوقات الأزمات يصبح للفن دور مهم في التوثيق والتوعية وبث الأمل، كما يساهم في تعزيز الصمود النفسي والحفاظ على القيم الإنسانية التي تجمع الناس رغم كل التحديات.
كيف تعاملتِ فنيًا مع الأحداث التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة؟
تعاملت مع هذه الأحداث من خلال الفن بوصفه مساحة للتعبير والتأمل ومقاومة اليأس. انعكست في بعض أعمالي مشاعر الألم والقلق، وتوثيق لبعض المشاهد مثال لوحتي عن انفجار المرفأ وبعض أعمالي حملت أيضًا رسائل أمل وتمسك بالحياة. حاولت أن أوثق ما عاشه الإنسان اللبناني من تحديات، مع التركيز على قدرته على النهوض والمحافظة على هويته وثقافته رغم الظروف الصعبة.
شاركتِ في معارض وملتقيات عربية ودولية عديدة، ماذا أضافت لك هذه التجارب؟
أغنتني هذه المشاركات على المستويين الفني والإنساني، إذ أتاحت لي التعرف إلى تجارب وأساليب متنوعة من مختلف الثقافات، وتبادل الخبرات مع فنانين من أنحاء العالم. كما وسّعت رؤيتي للفن وعززت قناعتي بأن الإبداع لغة عالمية قادرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب.
كيف ترين حضور الفن التشكيلي العربي في المحافل الدولية؟ وهل هناك إقبال عليه وتفاعل معه؟
أرى أن الفن التشكيلي العربي يحقق حضورًا متزايدًا في المحافل الدولية، لما يحمله من خصوصية ثقافية وغنى بصري وإنساني. وهناك اهتمام وتفاعل ملحوظان من الجمهور والنقاد، خاصة عندما يقدم الفنان العربي أعمالًا أصيلة تعبر عن هويته وتواكب في الوقت نفسه لغة الفن المعاصر.
حصلتِ على دراسة متخصصة في العلاج النفسي بالفن، كيف ترين العلاقة بين الفن والصحة النفسية؟
العلاقة بين الفن والصحة النفسية علاقة عميقة ومتكاملة، فالفن وسيلة فعالة للتعبير عن المشاعر والأفكار التي قد يصعب التعبير عنها بالكلمات. ومن خلال تجربتي ودراستي في العلاج بالفن، لمستُ دوره في تخفيف التوتر والقلق، وتعزيز الثقة بالنفس، ومساعدة الأفراد على فهم ذواتهم والتعامل مع تجاربهم بصورة أكثر إيجابية وتوازنًا.
أخر مشاركاتك كانت في معرض فني في باريس، حدثينا عن هذه المشاركة؟ وماذا عن تفاعل الجمهور مع أعمالك؟
كانت مشاركتي في باريس تجربة فنية وإنسانية غنية، لأن باريس تُعد من أهم العواصم الثقافية والفنية في العالم. عرضت مجموعة من الأعمال التي تعكس هويتي الفنية المستوحاة من التراث والإنسان والطبيعة، وقد أسعدني اهتمام الجمهور وتفاعلهم مع الرسائل البصرية التي تحملها اللوحات. أكثر ما لفتني هو قدرة الفن على تجاوز اختلاف اللغات والثقافات، حيث وجدت تقديراً حقيقياً للمضمون الجمالي والإنساني للأعمال.
ماذا تعني لك الجوائز والتكريمات؟
الجوائز والتكريمات تمثل بالنسبة إلي تقديراً للجهد والمسيرة الفنية، وهي مصدر فخر وتحفيز للاستمرار في العطاء والتطوير. لكنها ليست الهدف بحد ذاته، بل أعتبرها مسؤولية تدفعني إلى تقديم أعمال أكثر عمقاً وصدقاً، وإلى تمثيل الفن والثقافة العربية بأفضل صورة ممكنة.
مؤخراً تم تكريمك في معرض ومسابقة ''أرز لبنان''، حدّثينا عن هذا التكريم وماذا يمثل لك؟
أعتز كثيراً بهذا التكريم في معرض ومسابقة ''أرز لبنان''، لأنه يحمل رمزية وطنية وثقافية كبيرة. كان التكريم بمثابة تقدير لمسيرتي الفنية وللرسالة التي أحاول إيصالها من خلال أعمالي. كما أن حصولي على هذا التقدير بين نخبة من الفنانين المشاركين شكّل دافعاً إضافياً لمواصلة العمل والإبداع، وأعتبره محطة جميلة أضيفها إلى سجل تجربتي الفنية.


