صدمة في الجزائر بعد حبس صحافي نبش في تاريخ الحزب الحاكم
الجزائر - أحدث قرار إيداع الصحافي الجزائري المخضرم سعد بوعقبة الحبس المؤقت صدمة واسعة داخل الوسطين الإعلامي والسياسي في الجزائر، بعد أن تحوّلت قضيته إلى عنوان جديد للأزمة المتفاقمة بين السلطة وفضاء الحريات. ففي خطوة أثارت جدلاً كبيراً، قررت محكمة في العاصمة سجن بوعقبة، البالغ من العمر ثمانين عاماً، إلى حين محاكمته في الرابع من ديسمبر المقبل، بناءً على شكوى تقدّمت بها ابنة الرئيس الراحل أحمد بن بلة ووزارة المجاهدين، تتهمه بالإساءة إلى رموز الدولة التاريخية ونشر معلومات كاذبة. كما شملت المتابعة القضائية مدير منصة “رؤية” الإلكترونية التي استضافت تصريحاته.
ورغم الطابع القضائي الذي حاولت بعض الدوائر الرسمية إضفاءه على القضية، سادت قناعة شبه عامة بأن قرار الحبس يتجاوز مجرد نزاع قانوني حول “وقائع تاريخية”، ليعبّر عن اتجاه عام نحو تشديد القبضة على المجال العام، خاصة بعد تواتر قضايا مشابهة خلال الأشهر الأخيرة طالت صحافيين وناشطين ومديري منابر إعلامية. وقد رأى كثيرون أن توقيف بوعقبة، بشخصيته الرمزية ومكانته المهنية وتقدّمه في السن، يوجّه رسالة ردع واضحة لكل من يجرؤ على الخوض في ملفات حساسة أو مساءلة التاريخ الرسمي للدولة.
وتكتسب القضية بُعداً إضافياً لكونها تأتي بعد أيام فقط من لقاء جمع الرئيس عبد المجيد تبون بالأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون، في إطار نقاش معلن حول “توسيع هامش الحريات الإعلامية”. لذلك لم تتردد حنون في وصف القرار بـ“الصدمة غير المبررة”، معتبرة أن اللجوء إلى الحبس الاحتياطي ضد شخصية بهذا العمر والوضع الصحي لا ينسجم مع أي خطاب رسمي يتحدث عن الانفتاح.
ولم يقتصر الرفض على أحزاب المعارضة، إذ أعلنت حركة مجتمع السلم، رغم اختلافها المتكرر مع مواقف بوعقبة، رفضها لقرار الحبس، داعية إلى تبني مقاربات تحفظ الحريات ولا تضعف ثقة الجزائريين في المستقبل. أما حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية فاعتبر الخطوة تقييداً واضحاً لحرية التعبير، وطالب بالإفراج الفوري عن بوعقبة وإعادة فتح منصة “رؤية”. من جهتها، حذرت حركة البناء الوطني من تداعيات التضييق خلال مرحلة حساسة تمر بها البلاد، مؤكدة أن القضايا الفكرية والإعلامية يجب أن تُناقش بالرأي والحوار لا بالمتابعات القضائية.
وشهدت المنصات الإعلامية ومواقع التواصل موجة واسعة من التضامن، حيث كتب الصحافي علي جري أن "الخطأ يُواجه بالصواب لا بوضع صحافي ثمانيني وراء القضبان"، فيما أكد الصحافي أحميدة العياشي أن الحبس الاحتياطي "لا يخدم الدولة ولا يعزز ثقة الجمهور". وتُظهر هذه المواقف أن الرأي العام الجزائري بات أكثر حساسية تجاه أي إجراء يُنظر إليه على أنه محاولة لإسكات الأصوات الناقدة أو تقييد مساحة التعبير.
أما خلفيات القضية، فتعود إلى تصريحات أدلى بها بوعقبة استند فيها إلى وثائق منشورة تتعلق بحسابات مالية لجبهة التحرير الوطني كانت مودعة في بنك سويسري تحت إدارة القيادي محمد خيضر، الذي اغتيل عام 1967. وقد ظلت هذه القضية التاريخية محور خلافات سياسية وشعبية طويلة، ولا تزال تثير حساسيات عالية داخل المشهد السياسي الجزائري.
غير أن طريقة التعامل مع الملف هي التي أثارت الجدل الأكبر، إذ بدا اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، بالنسبة لكثيرين، محاولة لترسيخ مناخ من الترهيب وإعادة رسم حدود النقد المسموح به، بما يشمل حتى التاريخ ورموزه. وبذلك، تحولت قضية بوعقبة إلى مرآة لحالة أوسع تعكس الانزلاق المتزايد نحو التضييق على الحريات، في وقت يؤكد فيه الخطاب الرسمي على فتح المجال وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
وتكشف هذه القضية عن مفترق طرق تمر به الجزائر بين خيار توسيع فضاء الحريات، وخيار آخر يقوم على التشديد والردع، وهو خيار يبدو أنه يهيمن أكثر فأكثر على المشهد رغم كل الوعود بالإصلاح والانفتاح.