صراع مكتوم داخل 'التنسيقي' على رئاسة الحكومة
بغداد - مع اقتراب المصادقة النهائية على نتائج الانتخابات التشريعية في العراق، دخل الإطار التنسيقي مرحلة أكثر حساسية في مسار تشكيل الحكومة الجديدة، وسط سباق داخلي محموم على اختيار رئيس الوزراء، وتحوّلات متسارعة في قواعد التعامل بين القوى الشيعية والسنية والكردية.
ويبدو أن الساعات المقبلة ستحدد شكل التوازنات داخل البيت الشيعي، بما ينعكس مباشرة على تركيبة السلطة ومسار إدارة الدولة خلال السنوات المقبلة.
وفي اجتماعه الأخير، تداول قادة الإطار التنسيقي المعايير النهائية لاختيار المرشح الذي سيخوض غمار رئاسة الحكومة، مؤكدين، وفق بياناتهم ضرورة الالتزام بـ"معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على إدارة الدولة".
غير أن خلف هذه العناوين العامة تدور معركة أعمق بين التيارات المكوّنة للإطار، خصوصاً بعد أن اتجهت الكتل إلى تخفيف الشروط التي كانت تمنع المرشحين الذين سبق أن تولوا مناصب تنفيذية رفيعة أو قادوا أحزاباً سياسية بارزة من الترشح.
وهذا التعديل فتح الباب واسعاً أمام القوى الكبرى، وعلى رأسها ائتلاف دولة القانون والإطار السياسي لحكومة السوداني ومراكز نفوذ أخرى، ما أعاد رسم خريطة المنافسة على المنصب الأكثر حساسية في البلاد.
وفي المرحلة السابقة، كان الإطار التنسيقي يضع معايير صارمة تهدف، بحسب مراقبين إلى منع بروز أسماء مثيرة للجدل أو متنازَع حولها، لكن مع توسع الحاجة لبناء "توافق داخلي" قبل التعامل مع القوى السياسية الأخرى، بدا أن الإطار يتجه إلى إعادة تدوير خياراته التقليدية بدلاً من الدفع بأسماء جديدة بالكامل.
وأشارت تقارير سياسية إلى أن تخفيف القيود جاء نتيجة ضغوط من أجنحة وازنة داخل الإطار ترفض استبعاد رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، وتدعم في الوقت ذاته عودة زعيم دولة القانون نوري المالكي إلى مربع الترشيح. كما أدى هذا الانفتاح إلى دخول أسماء أخرى تمتلك خبرة أمنية أو إدارية، مثل رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري.
وعلى الرغم من توسيع الخيارات، يؤكد مصدر داخل الإطار أن المعيار الحاسم قد أصبح خالياً من أية شبهات فساد أو ملفات قضائية، وهو شرط يبدو أنه يستهدف غربلة عدد من الأسماء دون إغلاق الباب أمامها سياسياً.
وعلى أرض الواقع، يبرز ثلاثة مرشحين في صدارة السباق:
محمد شياع السوداني
يحظى بدعم واضح من أطراف نافذة داخل الإطار ومن حلفاء إقليميين مهتمين باستمرار الاستقرار التنفيذي. ويوصف السوداني بأنه "مرشح الدولة" لقدرته على إدارة ملفات اقتصادية وخدماتية خلال فترة تصريف الأعمال.
نوري المالكي
عودته إلى الواجهة عبر ترشيح رسمي من حزب الدعوة أعادت خلط الأوراق، خصوصاً أن له قاعدة سياسية وتنظيمية واسعة، غير أن ترشيحه يثير حساسية لدى بعض القوى السنية والكردية، إضافة إلى حسابات العلاقة مع التيار الوطني الشيعي (الصدري سابقا).
حميد الشطري
يمثل خيارا "تقنياً" نسبياً، قد يُستخدم كمرشح تسوية إذا تعقدت المنافسة بين السوداني والمالكي. ويتمتع الرجل بدعم مراكز نفوذ أمنية وسياسية.
كما تظهر أسماء أقل حظوظا مثل عبدالحسين عبطان وباسم البدري في سياق توسيع قائمة الترشيحات أكثر من كونها مرشحة فعلية للمنصب.
وتتزامن تحركات الإطار مع خطوة لافتة من القوى السنية التي أعلنت تشكيل "المجلس السياسي الوطني"، وهو ما وصفه الإطار بأنه "مؤشر إيجابي"، لكنه عملياً يعني أن التوازنات داخل البيت السني تتجه إلى تقديم مرشح قوي لرئاسة البرلمان، ما يعيد تعزيز منطق "التفاهمات الثلاثية": رئاسة الجمهورية للأكراد، رئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الحكومة للشيعة.
وستجبر هذه الخارطة الإطار على الإسراع في حسم مرشح رئاسة الوزراء لضمان الدخول في مفاوضات أكثر تماساً مع الحلفاء التقليديين في أربيل والأنبار.
ورغم اللهجة التفاؤلية في بيانات الإطار، إلا أن المشهد لا يخلو من تحديات، أبرزها:
الانقسام الداخلي حول اسم المرشح والحسابات المعقدة للعلاقة مع التيار الصدري الذي ما زال يشكل "عامل عدم يقين" في المعادلة السياسية وكذلك ضغط القوى الإقليمية والدولية المتابعة لمستقبل حكومة ما بعد الانتخابات.
ومع استمرار اللجنتين المعنيتين بتشكيل الحكومة والتفاوض السياسي في عملهما، يبدو أن الإطار يريد الوصول إلى مرشح واحد قبل المصادقة النهائية على النتائج، لتجنب أي فراغ دستوري أو انزلاق نحو صراع شيعي–شيعي، خصوصاً أن البلاد تمر بمرحلة حساسة اقتصادياً وأمنياً.
ويسير المشهد العراقي نحو مفترق طرق فإما حكومة توافقية بمرشح "مطمئن" داخلياً وخارجياً، أو مواجهة سياسية جديدة داخل البيت الشيعي إذا تعذر الاتفاق على شخصية واحدة. وحتى اللحظة، يواصل الإطار التنسيقي إرسال إشارات بأنه قادر على إدارة التوازنات، لكن الساعات المقبلة — بعد إعلان النتائج النهائية — ستكون حاسمة في تحديد مسار تشكيل الحكومة القادمة.