صفقة اف 35 لن تمثل ورقة ضغط لإجبار السعودية على التطبيع

مصدر سعودي يؤكد أن الشرط بإقامة الدولة الفلسطينية ليس ورقة للمساومة، ولا يمكن تجاوزه تحت أي ضغط، بما في ذلك من الرئيس ترامب.
ترامب يعوّل على إنجاز اختراق تاريخي في الشرق الأوسط لإعادة رسم إرثه السياسي

الرياض – قبل أيام من الزيارة المرتقبة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، برز موقف سعودي واضح وحاسم يؤكد أن الرياض لن تتقدم خطوة باتجاه إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل من دون تحقيق شرطها المركزي: قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 حتى أدى الأمر لإلغاء صفقة مقاتلات اف-35.
ويضع هذا الموقف، الذي نقلته قناة "نيوز 12" العبرية عن مصدر سعودي رفيع، " حداً للتكهنات حول إمكانية استغلال الإدارة الأميركية الجديدة لحظة التقارب السياسي لانتزاع اتفاق تطبيع سريع مقابل حزمة شراكات أمنية وعسكرية واسعة.
وشدد المصدر السعودي في تصريحاته على أن الشرط بإقامة الدولة الفلسطينية ليس ورقة للمساومة، ولا يمكن تجاوزه تحت أي ضغط، بما في ذلك من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يعوّل على إنجاز اختراق تاريخي في الشرق الأوسط لإعادة رسم إرثه السياسي. وقال المصدر "لن يكون هناك أي تطبيع ما لم تُؤسّس دولة فلسطينية. هذا موقف لا يتغير سواء ضغط ترامب أو لم يفعل".
ورغم ما يتردد عن أن زيارة ولي العهد للبيت الأبيض قد تشهد مناقشة ملفات أمنية حساسة، خاصة ما يتعلق بصفقات التسلح والتعاون النووي للأغراض السلمية، فإن الرياض تبدو مصممة على الفصل بين المسارين: مسار التطبيع الذي يبقى مشروطاً بالكامل بالتقدم الحقيقي في القضية الفلسطينية، ومسار العلاقات الثنائية الدفاعية والاستراتيجية مع واشنطن، التي ترى فيها المملكة حجر أساس لأمنها الإقليمي.
وتتزامن هذه المواقف مع أنباء تحدثت عن تقدم سابق في ملف حصول السعودية على مقاتلات إف-35، بعد موافقة مبدئية من البنتاغون على دراسة الطلب السعودي لشراء نحو 48 طائرة. لكن المصدر السعودي نفسه أوضح لقناة "نيوز 12" أن ربط التطبيع بصفقات التسليح غير وارد، قائلاً إن بلاده قادرة على "شراء أسلحة متطورة من أي دولة في العالم"، وإن فقدان فرصة امتلاك إف-35 "لن يغيّر شيئاً" في ثبات الموقف السعودي تجاه القضية الفلسطينية.
ويعكس هذا الخطاب ثقة سعودية كبيرة في القدرة على تنويع مصادر التسليح، وفي الوقت ذاته رغبة في التأكيد أن العلاقة مع واشنطن ليست علاقة تبعية بل شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، وليست على شروط سياسية خارجية تتعارض مع ثوابتها.

حرب غزة جعلت ملف التطبيع صعب التسويق شعبيا
حرب غزة جعلت ملف التطبيع صعب التسويق شعبيا

ورغم توقعات مراقبين بأن لقاء ترامب بولي العهد لن يشكل منصة لإعلان اختراق في ملف التطبيع، فإن زيارة ولي العهد تظل محطة محورية في رسم ملامح العلاقات الأميركية–السعودية في عهد الإدارة الحالية. وتشير معطيات دبلوماسية إلى أن الجانبين سيمنحان الأولوية لموضوعات الدفاع، والاستثمار، والتعاون النووي المدني، بينما يُبقيان ملف التطبيع في الخلفية، تفادياً لأي توتر قد يعرقل المحادثات الأساسية.
وتكتسب المسألة حساسية أكبر في ظل استمرار تداعيات الحرب الأخيرة في غزة، حيث لا تزال مشاهد الدمار والضحايا تلقي بظلالها على الرأي العام العربي، ما يجعل خيار التطبيع صعب التسويق شعبياً، حتى في الدول التي أقامت علاقات مع إسرائيل سابقاً. وقد رأت الرياض أن أي خطوة باتجاه التطبيع في هذا التوقيت ستكون منفصلة عن الواقع الشعبي والإقليمي ما لم تُدرج في إطار حل متكامل ينهي العقود الطويلة من الصراع.
وتشير مصادر سياسية إلى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى استثمار ثقل السعودية الديني والسياسي لتحقيق تقدّم مشابه لاتفاقيات إبراهيم التي ضمت الإمارات والبحرين والمغرب. لكن الفارق الجوهري اليوم أن المملكة، بما تمثله من وزن قيادي في العالم الإسلامي، لا ترغب في تكرار تجربة التطبيع من دون حل يحقق الحد الأدنى من تطلعات الفلسطينيين، خاصة مع الانهيار شبه الكامل لثقة الشارع العربي في نوايا إسرائيل بعد حرب غزة.
أما على الجانب الأميركي، فيبدو أن البيت الأبيض يحاول تمرير اتفاق دفاعي جديد مع الرياض، يعدّل شكل الالتزام العسكري الأميركي في الخليج ويعزز الوجود الأميركي في المنطقة، لكن المؤشرات تفيد بأن النسخة النهائية من الاتفاق تم تقليصها، ما يجعل ملف التطبيع أقل أولوية بالنسبة لواشنطن مما كان عليه سابقاً.
وفي ظل هذه المعطيات، يتجه اللقاء المرتقب في 18 نوفمبر/تشرين الثاني نحو تأكيد الشراكة طويلة الأمد بين البلدين، ولكن من دون توقعات لمفاجآت كبيرة في مسار التطبيع. الواضح حتى الآن هو أن السعودية لن تتراجع عن شرط الدولة الفلسطينية، وأن أي تقدم في العلاقات مع إسرائيل سيبقى معلّقاً حتى تتوافر شروط سياسية واضحة تقود إلى حل الدولتين، بغضّ النظر عن حجم المكاسب العسكرية أو السياسية التي قد تعرضها واشنطن.