طلعت الشايب يجمع قصائد في وجه العنف والإرهاب والاستغلال والقمع والسجن
يظل الشعر هو الوحيد القادر على مواجهة أعتى ما يفتك بالوجود الإنساني: العنف الذي يمزّق الجسد والروح، والإرهاب الذي يسرق الأمل، والاستغلال الذي يحوّل البشر إلى أرقام، والقمع الذي يصادر الحلم، والسجن الذي يحاول إخماد النور خلف الجدران. وهذه المجموعة من القصائد، التي جمعها وترجمها وقدم لها المترجم طلعت الشايب، كُتبت كلّها في وجه العنف والإرهاب والاستغلال والقمع والسجن، سواء كان ذلك من قِبَل أفراد أو جماعات أو دول، أو موجَّهًا ضد أفراد أو جماعات أو دول؛ إذ يصعب أن نجد ثقافة من الثقافات، بما في ذلك الثقافات الغربية التي تدّعي الليبرالية والديمقراطية، لم تلجأ إلى وسائل إرهابية أو قمعية لتحقيق أهدافها، أو على الأقل لكسر شوكة معارضيها.
أن الشعر، منذ أقدم العصور، لم يكن مجرد أداة جمالية أو لغوية، بل كان جزءًا من صيرورة الصراع الإنساني ضد القهر. فقصائد "هوميروس" التي أنشدت الحروب، أو مراثي "جلجامش" في بحثه عن الخلود، أو حتى أناشيد الحرية في الثورة الفرنسية، كلّها تذكّرنا بأن الكلمة كانت دومًا جبهة من جبهات الوعي. ومن هنا تأتي أهمية هذه المختارات التي لا تكتفي بوصف المأساة، بل تنقل إلينا خبرة إنسانية كثيفة عبر اللغة الشعرية التي تتحول إلى فعل مقاومة.
في مقدمته لهذه القصائد، التي صدرت عن مؤسسة هنداوي تحت عنوان "أصوات الضمير: قصائد للإنسان والحرية"، يقول الشايب "لقد برع كثير من الحكومات والأنظمة في استخدام كافة الأساليب لقهر رعاياها أو أقليات تعيش تحت سيطرتها، أو أحزاب معارضة تعمل داخل ما يُقال عنه إطار الشرعية، أو بالأحرى قفص الشرعية! فجرائم النازية والشيوعيات الشمولية، وعنصرية جنوب أفريقيا، وديكتاتوريات أمريكا اللاتينية، وممارسات عسكر الانقلابات في دول العالم الثالث، وإرهاب الجماعات والأفكار الدينية المتطرفة… كلها أمور معروفة جيدًا، وما زالت هناك أنظمة قمعية في أماكن كثيرة من العالم يسري فيها الاستغلال والظلم وانتهاك حقوق الإنسان سريان الماء والهواء".
ما يلفت النظر أن الشايب يضع الشعراء في مواجهة مباشرة مع هذه الوقائع، لا باعتبارهم مراقبين محايدين، بل باعتبارهم شهودًا وفاعلين في المعركة. ولعل ذلك يعيدنا إلى ما قاله "بابلو نيرودا": "يمكنهم أن يقطعوا كل الزهور، لكنهم لا يستطيعون أن يمنعوا الربيع من أن يأتي". فالشعراء الذين عاشوا تلك المآسي لم يكتفوا بالنجاة الفردية، بل حملوا لغتهم لتكون ذاكرة جماعية، وصرخة إنسانية لا تزول.
ويشير الشايب إلى أن الشعراء الذين كتبوا هذه القصائد عاشوا ذلك كله؛ كانوا طرفًا فيه أو شاهدين عليه، ولم يكونوا بمعزلٍ عن أسبابه ونتائجه. وقد استطاعوا أن يخترقوا بأشعارهم حدود الظلم والملاحقة والاضطهاد والتعذيب والمنافي والسجون، ووجدوا اللغة التي تحملهم إلى ما وراء الألم والمعاناة؛ لكي يكتبوا كل شيء، ورغم كل شيء، بموضوعية تؤكد كل يوم أن الموت ذاته لا يمكن أن يقضي على الحلم، أو يضع نهاية للأمل.
ويضيف "اخترتُ معظم قصائد هذا الديوان الصغير من الأنطولوجيا Voices of Conscience (صادر عن دار نشر Iron Press، لندن، عام 1995م)، وسوف يجد القارئ بينها بعض القصائد الشهيرة، المستقرة في عالم الخلود الإبداعي، التي بقيت رغم مرور الزمن قيمةً فنية وإنسانية، إلى جانب قيمتها التاريخية. من بين هذه القصائد: الحرية لـ "بول إيلوار"، وإلى الأجيال القادمة لـ "برخت"، وفي انتظار البرابرة لـ "كافافيس"، وذبحة صدرية لـ "ناظم حكمت"، وفي انتظار الإعدام لـ "ريتسوس". وهي قصائد سبق أن تُرجمت إلى العربية أكثر من مرة، وقد آثرتُ أن أعيد ترجمتها لتكون هنا إلى جوار قصائد أخرى لشعراء آخرين، أعترف ـ فرحًا ـ بأنني أسمع بهم لأول مرة".
ومن اللافت أن الأسماء التي يستدعيها الشايب ليست مجرد شعراء كبار، بل رموز ثقافية صنعت وجدان العالم، وأثّرت في الحركات السياسية والاجتماعية في بلدانها. فقصيدة "الحرية" لإيلوار كانت تُلقى سرًا على جدران باريس إبان الاحتلال النازي، وأصبحت شعارًا للمقاومة الفرنسية، فيما تحولت كتابات برخت إلى أداة نقدية تقوّض الأنظمة القمعية وتفضح زيف الخطابات الأيديولوجية. وهكذا، يلتقي الشعر بالمصير الإنساني في لحظاته الأكثر خطورة.
والقصائد كلها ـ قديمها وجديدها ـ تؤكد أن الإنسان هو الإنسان، وأن الظلم هو الظلم، وأن المقاومة هي المقاومة، رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة. وكأننا نردد مع الشاعر الروماني "إيون كارايون" الذي يأتينا صوته من تحت أنقاض نظام شاوشيسكو في قصيدته بالقرب من النهر الآسن: "سنعذبك، ثم نقتلك ونضحك، وسيقتلوننا ويضحك آخرون (…) إنه الظلام يلد نفسه". على أن المجموعة لا تركز على الشاعر كضحية دائمًا؛ فهناك قصائد كثيرة تقدمه مناضلًا خالدًا في الكلمة والجسد والروح، وبعض من مات منهم في السجون، أو اختفى في ظروف غامضة، ما زالوا أحياء في قصائدهم، أو في شهاداتهم عن بقاء الآخرين.
ويرى الشايب أن "الأصوات التي نستمع إليها هنا، رغم اختلاف الجغرافيا والتاريخ والأبجدية، تكون في النهاية كورسًا واحدًا، يرفض الصمت؛ فينشد قصيدة واحدة، وكأنها شمس «ميلوش» مصدر الألوان جميعًا، وحرية "إيلوار" المكتوبة على الكون وما فيه، تلهم أجيال "برخت" القادمة. هنا على صفحات هذا الديوان الصغير، يحوِّل شعراء العالم ـ المختلفون في اللغة والدين واللون والجنس ـ الشعر إلى حياة، والحياة إلى قصيدة جميلة، ويسمون الأشياء بأسمائها. تقرأ قصيدة النيبالي "بوبي شركان" عن بلاد الضجيج والشائعات؛ فتقول هذه بلادي، تقرأ قصيدة "فاليخو" شاعر بيرو يمشي وعلى كتفه رغيف؛ فتقول هذا واحد من الناس في بلادي، تقرأ قصيدة الهندي "شاندا" من ذا الذي لا يريد؛ فتودُّ مثله أن تُطلق النار على "تلك الساعات التي تخذلنا في حساب الوقت، وتذهب لسماسرة الوقت"، تقرأ قصيدة اليوناني "كافافيس" في انتظار البرابرة؛ فتقر بأن أولئك الناس… "حلّ من الحلول"، وتقرأ قصيدة الباكستاني "فايز أحمد فايز" فيعود إليك الأمل، لأن أحدًا لن يستطيع أن يطفئ ضياء عين القمر!".
وإذا كانت هذه الأصوات تأتي من جغرافيات متعددة، فإنها تلتقي جميعًا عند النقطة ذاتها: الدفاع عن كرامة الإنسان، ورفض تحويله إلى مجرد أداة أو ضحية. وكأن العالم، رغم اتساعه، يلتقي في قصيدة واحدة تكتبها الضمائر اليقظة.
كما تضم المجموعة مختارات من أعمال عددٍ من الشعراء العرب البارزين الذين تعرَّضت مسيرتهم الحياتية والإبداعية لألوانٍ مختلفة من القمع والمصادرة والنفي والتشريد والسجن والتعذيب، في أوطان لم تعُد أرصفتها جديرة حتى بالوحل، على حد تعبير الشاعر "محمد الماغوط". صلاح عبد الصبور، وأمل دنقل، ومحمد عفيفي مطر، وعبد الرحمن الأبنودي، وأحمد فؤاد نجم، وسعدي يوسف، ومحمود درويش، ومحمد الماغوط، وعلي الشرقاوي، وحبيب الصايغ.. وغيرهم ممن لم يتسع المجال لذكرهم، جميعهم جنود في كتيبة واحدة مع كافة شعراء الكون؛ أصوات الضمير التي تقاتل ضد قوى الظلم والظلام وتنتصر للإنسان والحرية.
أهمية هذه المجموعة أنها لا تُقرأ على أنها أنطولوجيا شعرية فحسب، بل بوصفها مرآة لزمن طويل من الألم والمقاومة، ووثيقة إنسانية عابرة للغات. إنها تُعيد إلينا السؤال القديم - الجديد: ما جدوى الشعر في عالم يُغرقه الدم والحديد؟ وجوابها يظل كما أراده أصحاب هذه القصائد: الشعر هو ما يبقى حين ينهار كل شيء آخر، وهو القادر على أن يمنح الإنسان، ولو للحظة، يقينًا بأن الحرية لا تموت.
قصيدة: إلى الأجيال القادمة
برتولد برخت
ألمانيا
حقًّا! إنني أعيش في زمنٍ أسود!
كلمة الصدق حماقةٌ، والجبهة الناعمة بلادةٌ!
ومن يضحك..
هو الذي لم تصله بعدُ الأخبار الفاجعة!
أي زمن هذا؟
عندما يصبح الحديث عن الأشجار جريمة،
لأنه يعني الصمت عن فظائع عديدة!
ذلك الذي يعبر الشارع في صمتٍ،
هل تراه قد أصبح فعلًا، بمنأًى عن أصدقائه،
المحتاجين إليه؟
صحيح إنني ما زلت أكسب ما يسد رمقي،
ولكن صدقوني، إنها مجرد مصادفة،
فلا شيء مما أفعل،
يعطيني الحق في أن آكل حتى الشبع …
لقد نجوتُ بالمصادفة.. (ولو ساء حظي لضعت).
يقولون لي: كُل واشرب، وابتهج لذلك..
ولكن كيف آكل وأشرب،
وأنا أنتزع ما آكله من الجوعى؟
وكوب الماء الذي أشربه.. يخص آخر،
يموت من العطش؟
ومع ذلك آكل وأشرب!
بِودِّي أيضًا أن أكون حكيمًا،
والكتب القديمة تقول إن الحكمة هي:
أن تنأى بنفسك عن نزاع الدنيا،
وأن تعيش حياتك القصيرة دون خوف،
وأن تسلك دون عنف،
وأن ترد الإساءة بالمعروف،
وألَّا تُشبِع رغباتك.. بل تنساها..
فإن ذلك من عزم الأمور!
وأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك كله،
فأنا أعيش حقًّا في زمنٍ أسود!
جئت إلى المدن في زمن الفوضى،
حيث يسود الجوع.
جئت بين أناسٍ في زمن الثورة،
وثُرت معهم..
وهكذا انقضى عمري الذي أعطيته على الأرض!
أكلت طعامي وسط المعارك،
وبين القتلة، رقدتُ لكي أنام،
ومارست الحب بلا مبالاة،
ونظرت إلى الطبيعة بصبرٍ نافد،
وهكذا انقضى عمري،
الذي أعطيته على الأرض.
في زمني.. كانت كل الطرق تؤدي إلى الوحل..
ولساني خانني للجزارين،
ولم أفعل سوى القليل..
لكن الذين في السلطة،
كانوا أكثر أمانًا بدوني: كان ذلك أملي!
وهكذا انقضى عمري الذي أعطيته على الأرض!
كانت قواتنا ضعيفة: وأملنا كان بعيدًا،
كان واضحًا، رغم أنني لم يكن من المحتمل
أن أصل إليه!
وهكذا انقضى عمري الذي أعطيته على الأرض!
يا مَن ستنهضون من الطوفان الذي جرَفَنا تحته،
تذكَّروا.. عندما تتحدثون عن فشلنا،
تذكروا.. أيضًا ذلك الزمن الأسود،
الذي أفلتم منه،
لقد مضينا نبدِّل بلدًا ببلدٍ،
أكثر مما كنا نبدِّل حذاءً بحذاء،
عبر حروب الطبقات، يملؤنا اليأس،
حيث كان لا يوجد سوى الظلم..
ولا يوجد التمرد..
لكننا نعرف:
أن الكراهية، حتى وإن كانت للخسة..
فهي تشوِّه الملامح،
وأن الغضب، حتى وإن كان ضد الظلم،
فإنه يبحُّ الصوت..
آه!
نحن الذين أردنا أن نمهِّد الأرض للمودة
فشلنا في أن نكون ودودين!
ولكنكم..
وعندما يحين الوقت في النهاية..
ويصبح الإنسان.. عونًا لأخيه الإنسان،
فكروا بنا وسامحونا!