طهران ترفع نبرة التهديدات لأعدائها للتغطية على انتكاسات عسكرية
طهران - بينما تصدر التصريحات التصعيدية من طهران بخصوص ردٍّ وشيك على أي اعتداء عليها، تشير المعطيات إلى أن هذه اللغة الحادة قد تعكس في الواقع محاولة لتغطية على ضعف عسكري واستراتيجي أظهرتها في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل. فـإيران، التي خسرت بعضاً من وكلائها في المنطقة وتعرّضت لخيبات واضحة، تبدو اليوم مدفوعة إلى رفع وتيرة الخطاب أكثر من رفع مستوى القدرات.
وأعلن اللواء محمد باكبور، قائد الحرس الثوري الإيراني، يوم الثلاثاء خلال استقباله مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، أن "الرد ستكون له آثار تفوق حرب الـ12 يوماً” في إشارة إلى المواجهة التي استمرت نحو أسبوعين مع إسرائيل. موضحا ان "إيران ستجعل حياة أعدائها جحيماً" إذا ما اعتُدي عليها، معتبراً أن صواريخ بلاده أصابت "أهدافها المحددة".
لكن قراءة الأحداث الأخيرة تكشف أن الواقع ليس متناسقا دائماً مع هذا الخطاب القوي. تحليلٌ لمواجهات يونيو/حزيران 2025 بين إسرائيل وإيران (المعروفة بحرب الـ12 يوماً) يظهر أن طهران تكبدت خسائر فادحة في بنيتها الدفاعية والصاروخية. بحسب مصادر مختصة، تم استهداف مئات الصواريخ الإيرانية، وتدمير عدّة بطاريات دفاعية جوية، ومواقع إطلاق، ما أدى إلى طمأنة إسرائيل بسطوتها الجوي.
وبموازاة ذلك، أظهرت إيران ضعفاً في الردّ الفعلي رغم أرقام الصواريخ المعلنة. واستُخدمت الحركة الصاروخية – التي واجهت اعتراضاً كبيراً – أكثر كأداة رمزية لإظهار القدرة، لا كفعل يعيد ميزان الردع لصالح طهران.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم التصريحات الإيرانية الأخيرة على أنها محاولة لتعويض هذا الواقع. خطاب "سنحوّل حياة الأعداء إلى جحيم" و"رد أعظم من حرب الـ12 يوماً" يحمل دلالة رمزية أكثر من كونه خطة حقيقية قابلة للتنفيذ في الأجل القريب. فالتهديد يُستخدم كأداة لتثبيت الجبهة الداخلية، ولتوجيه رسالة إلى الخصوم بأن قدرات طهران ما زالت قائمة، رغم أن معطيات الحرب تُظهر خلاف ذلك.
كما أن إيران، في هذا التوقيت، تحتاج لتثبيت دورها الإقليمي أمام حلفائها ووكلائها، وتحتاج إلى تجديد خطابها المقاوم كوسيلة للاحتفاظ بمكانتها القيادية بين القوى الشيعية في المنطقة. إذ أن فقداناً سافراً لصورة القوة سيضعها في موقف ضعف ليس فقط أمام إسرائيل وأمريكا، بل أيضاً أمام الداخل والشركاء الإقليميين.
وتُسهم هذه الدينامية في تشكيل واقع جديد للتوازن الأمني في الشرق الأوسط. فمن جهة، يُظهِر الخلاف الإيراني – الإسرائيلي أن الردع التقليدي لإيران ليس ما كان يبدو عليه سابقاً، وأن قدراتها لم تعد محصّنة كما في السابق. ومن جهة أخرى، فإن استمرارها في التهديدات يضع المنطقة أمام حالة من عدم الاستقرار المستمر، حيث تستخدم إيران لغة التصعيد كجزء من استراتيجيّتها، رغم قدرتها المحدودة نسبياً على تنفيذها.
وبالتالي، فإن حلفاء إيران ووكلاءها قد يجدون أنفسهم في موقف محرج: بين خطاب التأييد وبين الواقع العملي. وهذا قد يؤثر سلباً على قدرة طهران على حشدهم مستقبلاً أو على تعزيز موقعها كمركز قوة إقليمية.
لسوء الحظ، لا توجد ضمانات بتحول هذه التصريحات إلى أفعال واسعة. بل إن الواقع العسكري الإيراني يشير إلى أن أولوياتها ستكون في إعادة بناء قدراتها الدفاعية والصاروخية قبل الدخول في مواجهات شاملة. ومع ذلك، تأتي التهديدات في هذا الإطار كوسيلة للحفاظ على “مكانتها التفاوضية” وضمان جبهة داخلية متماسكة.
ومن هنا، يقول الخبراء إن الخطاب التصعيدي الإيراني لا يجب أن يُقرأ فقط كمؤشر على نوايا عدوانية، بل أيضاً كإشارة إلى أنّ طهران تحاول تغطية أو إبراز قوتها رغم ضعفها الظاهر. بمعنى آخر، "التهديدات تُستخدم كدرع رمزي" حتى لو كانت القدرات الواقعية اليوم أقل بكثير مما تريد إيران للجمهور أن يصدقه.
وفي نهاية المطاف، تكشف التهديدات الإيرانية الأخيرة أن طهران تحاول إعادة ترتيب أوراقها بعد خسائر عسكرية واضحة، وأنها تُستخدم كجزء من لعبة رمزية لمحاولة إحياء الردع. لكن هذا لا يغيّر حقيقة أن القدرة الفعلية على تحقيق تلك الوعود تبدو محدودة في الوضع الراهن.