عبدالسلام فيلالي يناقش 'النقلة الحضارية في شمال أفريقيا'
الجزائر - عمل الدكتور الجزائري عبدالسلام فيلالي على الإضاءة على النقلة الحضارية في شمال أفريقيا ومناقشتها من خلال كتابه "من روما إلى الإسلام… عن النقلة الحضارية في شمال أفريقيا" الصادر عن دار النهى للنشر والترجمة والتوزيع بالجزائر عام 2024.
ويمثل الكتاب الذي يقع في 320 صفحة حلقة جديدة في سلسلة بحثية تتناول قضايا ومواضيع تاريخية مترابطة، ويأتي استكمالًا لما تناوله المؤلف في الجزء السابق الذي حمل عنوان "الجزائر خلال حقبة الوجود الروماني.. عبقرية المكان وتمظهرات القوة"، الصادر عن دار العقاد للنشر والتوزيع بالجزائر عام 2002.
ويأتي الكتاب وفق خطة منهجية من ثلاثة فصول؛ حيث جاء الفصل الأول بعنوان "من روما إلى بيزنطة، المعالم والتغيرات"، والذي قُسّم بدوره إلى أربعة مباحث، استعرض فيها المقدمات ذات العلاقة بالنقلة الحضارية في شمال أفريقيا القديمة، ثم التغيرات التي طرأت عليه خلال الحكم الوندالي والبيزنطي، ثم ما سُجّل من بروز للقبائل المورية وتأسيس ممالك بين القرنين الخامس والسابع، كما تناول أيضًا تأثير التغيرات المناخية التي أدت إلى وقوع كارثة كبرى كما وصفها مؤرخو تلك الفترة.
أما الفصل الثاني الذي جاء بعنوان "الفتح الإسلامي.. عناصر التحول الحضاري والتفاعل"، فقد تضمن أربعة مباحث، عالج فيها المؤلف إشكالية المصادر التاريخية وما ينتج عنها من أطروحات فيما يتعلق بالفتح الإسلامي، وتحليل ما سُمّي بالثورات التي ارتبطت تحديدًا بالنزعة الخارجية.
وجاء الفصل الثالث تحت عنوان "مظاهر التحول.. عناصر إجابة"، وفيه عرض المؤلف أهم مظاهر التحول الحضاري بعد اعتناق وانتشار الإسلام في شمال أفريقيا، سواء فيما يتعلق بالتسمية الجديدة أو ما جلبه علم الأنساب والأسماء من مدونة تاريخية جديدة، ثم أهم وأبرز مظهر من مظاهر هذا التحول الحضاري فيما يتعلق بانتشار اللغة العربية والتغير العرقي–الاجتماعي، كما قدّم المؤلف مقاربته حول اختفاء المسيحية من ناحية دراسة الأسباب وتقديم تقييم عام.
وفي مقدمة الكتاب، قال فيلالي "نقلة حضارية فاصلة في تاريخ الجزائر، أو قل في تاريخ العالم، حينما تحولت الرسالة الإسلامية إلى دعوة، ومن دعوة إلى حضارة. انتشارها كان من الحوادث الكبرى التي شهدتها البشرية، إن على صعيد المجالي المكاني أو المدة الزمنية. في هذه الدراسة التي أردنا من خلالها تغطية فترة زمنية واقعة بين نهاية الوجود الروماني في القرن الخامس ميلادي والقرن الثاني عشر، ضبطنا شكاليتنا تبعا للسؤال الكبير حول زوال اللغة اللاتينية والمسيحية من شمال أفريقيا".
وأضاف "تحول حضاري عنوانه الجوهري هو الإسلام، والذي استدعى البحث في الأسباب تبعا للأحداث المفصلة فيما يخص انتشار الإسلام ثم ما انبنى عليه من مذاهب وكيانات سياسية والتغيرات التي رافقت ذلك. وذلك بمقاربتها وربطها بالسياق التاريخي والمقدمات التي أسست له (أوضاع سياسية واجتماعية واثنية ودينية، والتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية) التي شكلت أرضية خصبة للتعديلات والتغيرات العامة التي مست البنى العامة للمجتمع الموري (البربر لاحقا) في شمال أفريقيا".
واعتبر الباحث "هذا التحول/النقلة الحضاري، الذي صار معرِّفا للعهد الجديد، بأنه مفارقة، حيث صار هو الأصل وليس التفرع. وأوعز ذلك إلى الأرضية التوحيدية الخصبة في مرحلة أولى ثم المسار الذي عبرته مع اعتناق وانتشار الإسلام وتشكل رابطة أمة، وبعد ذلك توحيد المرجعية الفقهية مع دخول المذهب المالكي إلى بلاد المغرب زمن حكم الأغالبة، وتحول أفريقية إلى حصن منيع لمذهب السنة والجماعة على حساب المذاهب الأخرى: المذهب الخارجي في مرحلة أولى ثم المذهب الشيعي. ولاحقا ما شهدته بلاد المغرب من انتشار اللغة العربية والتغير العرقي-الاجتماعي ابتداء من منتصف القرن الحادي عشر نتيجة الهجرات العربية، أو ما سمي 'هجرة قبائل بنو هلال'، الحدث الأبرز و'الأخطر' بالنسبة للبعض. ولهذا قمنا بتحليلها من عدة زوايا ساعين إلى طرح صورة توضح طبيعة الحدث وتأثيراته الممكنة. ومن ثم التغير الثاني الذي جلب التحول الثاني الأكبر، يخص انتشار اللغة العربية وتعديل البنية الأثنية. وفي الأخير قال بخلاصته فيما يتعلق باختفاء المسيحية من شمال أفريقيا".
ود. عبدالسلام فيلالي من مواليد العام 1971 وهو أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة عنابة، له العديد من الإصدارات بين كتب ومقالات.