عبدالله إبراهيم يؤكد أن المجتمعات الإسلامية تعيش ازدواجاً خطيراً

كتاب "المطابقة والاختلاف" يوضح أن وظيفة الباحث زعزعة المسلّمات الداعمة للظواهر الهوسيّة، سواء أكانت دينية أم ثقافية أم سياسية، وتغيير مسار تلقّيها عند الأفراد.


التأويل شقّ العالم إلى ثنائية متضادّة الأطراف، ولم يأخذ به على أنّه وحدة كلية متنوّعة


ينبثق تفكير ملحّ بالماضي حينما يكون الحاضر مشوّشاً

تشكل دراسة المركزيات الثقافية لب مشروع كتاب "المطابقة والاختلاف" للدكتور عبدالله إبراهيم والذي جاء في ثلاثة أجزاء، وقد عالجها على مستويين؛ أولهما ظاهرة التمركز حول الذات في سياقها الثقافي والتاريخي، وثانيهما تحليل فرضيّاتها وبنياتها، والسعي إلى تفكيكها من أجل تفريغ حمولاتها الإيديولوجية. 
مؤكدا أن وظيفة الباحث زعزعة المسلّمات الداعمة للظواهر الهوسيّة، سواء أكانت دينية أم ثقافية أم سياسية، وتغيير مسار تلقّيها عند الأفراد، وهو ما يسهم في خلق وعي يتجرّأ على تهديمها، فلا يمكن مثلا ـ وفقا للمؤلف ـ تهديم المركزيات الكبرى ـ موضوع هذا الكتاب ـ كائنةً ما كانت طبيعتها: عرقيّة أو دينية أو ثقافية؛ بل التشكيك في مشروعيتها، والارتياب بمسلّماتها، والسعي إلى تقويض فرضيّاتها، بما يجعل الناس يعيدون النظر في علاقتهم بها، ثمّ التجرّؤ عليها بالنقد الكاشف لمخاطرها؛ فالنزعات المذهبية، والممارسات العنصرية، والأنظمة الأبوية، والتحيزات القبلية، لا تتفتّت بالطرق عليها، إنّما بالتوغل فيها لبيان مخاطرها، ونزع المشروعية عنها. ولن يتأتّى للباحث أن يقوم بذلك إن لم يكن مهيّأً على مستوى الرؤية والمنهج بالعُدّة التي يحتاج إليها في رحلته الطويلة. 

مؤلف الكتاب
د. عبدالله إبراهيم

قال د. عبدالله إبراهيم "حينما وقفتُ على جانب من ذلك في مشروع "المطابقة والاختلاف"، وجدتُ أنّ التأويل نجح في خلق نظام تراتبيّ يفصل بين المسلمين وسواهم من ذوي الأديان الأخرى، ومنح أرجحية لهم على ما سواهم؛ بل إنه شقّ العالم إلى ثنائية متضادّة الأطراف، ولم يأخذ به على أنّه وحدة كلية متنوّعة، وجرى عمل شاق لترتيب سلّم قيم خاص بالمسلمين يحميهم من جهة من السقوط في مهاوي الرذيلة الاعتقادية والحياتية، ويدرأ عنهم الشُّبهات، ويَسِمُ الآخرين بسوء المصير إن لم يهتدوا إلى طريق الصواب. 
ولم يكتفِ التأويل بذلك بل أعطى شرعيّة للتنكيل بالمخالفين، وقسرهم على الأخذ بسلّم القيم الإسلامي. ولم يغبْ عنّي أن النموذج الفكري الذي عاصر كلّ ذلك هو النموذج الديني الذي أنتج لاهوتاً سجالياً لحماية المعتقدات، وقد تورّطت فيه الأديان السماوية التي صدرت من اعتقاد يرى أنّ كلاً منها يملك الحقيقة الكاملة، وفيها يكمن الوعد الأخير لسعادة الإنسان. سينتهي هذا الاعتقاد إلى قسر الآخرين على ما أمسى مُعتقداً مطلقاً بمرور الزمن، بعد أن كان مجرّد سلوك خاص بجماعة. 

وقد رأيت أنّ محاولة تعميم تلك المركزية على مستوى العالم القديم قد جرت بطرائق عدّة إحداها، وربّما أهمها، آداب الرحلة خارج دار الإسلام، ولكن للمركزية الإسلامية تجليات أخرى يمكن أن يتولّى أمرها غيري من الباحثين؛ كالجهاد والسِّيَر بأشكالهما المختلفة. وأراني داعياً إلى ضرورة وقف التأويلات المتحيّزة للظاهرة القرآنية، وفتحها على تأويلات جديدة، فهي المانحة شرعيةَ التمركز حول الذات، واقتراح تأويلات تتخطّى النموذج اللاهوتي، والأخذ بالنموذج الدنيوي الحديث، فيتوارى الدعم الاعتقادي للتمركز حول الذات الدينية، وبكلّ ذلك نستبدل مفاهيم الشراكة، والتعددية، والتنوّع الثقافي". 
وأشار إبراهيم في تضاعيف كتابه الصادر عن "مؤسسة مؤمنون بلا حدود"، إلى وصف معظم المجتمعات الإسلامية بـ "أنّها "مجتمعات تأثيمية"؛ لأنها استندت في تصوّراتها العامة إلى مرجعيات عقائدية ضيقة، وفشلت في صوغ تصوّرات شاملة عن نفسها وعن الآخر، فانكفأت على الماضي بدعوى صون الهوية، وحماية الأصالة، فأظهرت خشية مفرطة من التغيير، الذي رأته مهدداً لقيمها الدينية والاجتماعية، وتأدّى عن ذلك أنّها بالغت في تأثيم أفرادها ما إن يخطر لهم  تقديم الأفكار الجديدة، والمطالبة بالحقوق الطبيعية؛ فكلّ ابتكار فكري هو نوع من المروق؛ بل العقوق. وتقديري أنّ تلك المجتمعات بحاجة إلى إعادة النظر في رؤيتها لموروثها، والأخذ بتعديلات جذريّة في كثير من مضامينه ومقولاته؛ حدث ذلك لأنّها لاذت بتفسير قطعيّ لنصوص الدين لا يقبل الانفتاح على تعاقب الأزمنة، وتغيّر الأمكنة، وأذلّت نفسها لذلك التفسير المغلق أكثر من خضوعها للقيمة الثقافية والأخلاقية والروحية للنصوص الدينية الأصلية، فراحت تقدّس سرداً خيالياً عن ماضيها توهّمت صوابه، وسكتت على ضروب الاختلاف في تاريخها القديم، وعدّته خروجاً على الطريق القويم.

ولفت إلى أنه بالإجمال، لم تنجح "المجتمعات التأثيمية" في التمييز بين الظاهرة الدينية من جهة، وتأويلاتها من جهة أخرى، فالتبسَ الأمر عليها؛ إذ حَسِبتْ أنّ الكتلة الصلبة من التأويلات هي الدين عينه، فأضفت قدسيّة عليها، وصارت تفكّر فيها وتتصرّف في ضوئها، وتحتكم إليها، فأفرزت تصوّرات غائمة عن الحرية، والمشاركة، والمسؤولية، فمفهوم الحرية ليس مشروطاً بالمسؤولية الهادفة إلى المشاركة، ثمّ التغيير؛ بل هو مقيّد بالولاء، والطاعة، وكلّ خروج على مبدأ الطاعة يُعدّ ضلالة؛ لأنّ المرجعية المعيارية للحكم على قيمة الأعمال، وأهميتها، وجدواها، مشتقّة من تصوّرات منكفئة على الذات، ومحكومة بمفاهيم مستعارة من تفسير مخصوص لترِكة الماضي، وقائمة على ثقافة الوعظ، وليس على ثقافة الفكر. 

غلاف الكتاب
الجزء الأول

وأكد د. عبدالله إبراهيم أنّ كلّ مركزية ثقافية أو عرقية أو دينية تقوم على فكرة الاختلاق السردي الخاصّ لماضٍ يشبع تطلعات آنية، ويوافق رغبات قائمة، فهذه سُنن المركزيات، وبمواجهة الحاجة إلى توازن ما تُصطنع ذاكرات توافق تلك التطلّعات. ويمور التاريخ الإنساني بذاكرات مختلقة، أو فيها كثير من عناصر الاختلاق، ويعود ذلك إلى الرغبة شبه المَرَضيّة عند كثير من الأمم في الانتساب إلى ماضٍ عريق، أو لانتزاع شرعية في عالم محتدم بصراع الهويات، والأدوار الكبرى، ويضخ هذا التوتر رغبات متوسّعة تريد استخدام الماضي استخداماً متحيّزاً لخدمة الحاضر، بما يضفي على الأنا سموّاً ورفعة، وعلى الآخر خفضاً ودونيّة.  
وأضاف أن المركزيات تترسّخ نتيجة الأخذ بمرويات تكرارية تكتسب مضامينها وضعاً شرعياً، وبما أن تلك المرويّات توجه أفكار الرحّالة، والمؤرّخين، والجغرافيين، والفقهاء، وكلّ مَنْ يسهم في صوغ الصور الذهنية للآخر، فمن المنتظر الحصول على سلسلة من الأحكام غير المنصفة بحق الأمم خارج دار الإسلام، وذلك يُظهر أنّ المخيال الإسلامي المعبّر رمزيّاً عن تصورات المسلمين للعالم، أنتج صوراً منتقصة للآخر لكونه صدر عن رؤية دينية في تفسيره للظواهر البشرية والطبيعية؛ فالعالم خارج دار الإسلام، كما قامت المرويات بتمثيله، غُفل ومبهم وبعيد عن الحق، في انتظار عقيدة صحيحة تنقذه من ضلاله. وقد تراكم سرد غزير حول معظم الأمم خارج دار الإسلام، قام بمعظمه على الاستغراق المتواصل بمرويّات متشابكة امتزج فيها الخيال بالواقع. 
وقال إبراهيم إنه ينبغي تأكيد أمر يكاد يصبح قانوناً ثقافياً، وهو أنّ البطانة الشعورية - العقائدية، وهي تشكيل متنوّع من تجارب الماضي والتاريخ والتخيّل والاعتقاد واللغة والتفكير والانتماءات والتطلعات، تؤلّف جوهر الرأسمال الرمزي للتجمّعات المتشاركة بها. 
أقول إنّ تلك البطانة المركّبة تعمل على جذب التجمعات البشرية الخاصة بها إلى بعضها البعض، وتدفع بها إلى قضايا حساسة وشائكة لها صلة بوجودها وقيمها وآمالها، وقد تتراجع فاعليتها التأثيرية في حقبة بسبب ضمور فاعلية عناصرها، لكنّها قابلة للانبعاث مجدداً في حالة التحدّيات والتطلّعات الحضارية الكبرى. ولا يُستبعد أن تُغذّى بمفاهيم جديدة تدرج فيها من أجل موافقة العصر الذي تتجدّد فيه. وهذا هو الذي يبعث التفكير ثانية في الماضي الذي يصبح حضوره ملحّاً حينما تشرف المجتمعات على حالات تغيير جذرية في قيمها، وأخلاقياتها، وتصوراتها عن نفسها وعن غيرها. ينبثق تفكير ملحّ بالماضي حينما يكون الحاضر مشوّشاً، وعلى عتبة تحولات كبيرة إمّا بسبب مخاضات تغيير داخلي وإما بفعل مؤثرات خارجية. 
وأوضح د. عبد الله أن "المجتمعات الإسلامية" تعيش ازدواجاً خطيراً تختلط فيه قيم روحية وقيم مادية، ولم تفلح في فك الاشتباك بينهما على أسس عقلية واضحة؛ فالقيم الأولى حبيسة النصوص المقدّسة وحواشيها، وقد آلت إلى نموذج أخلاقي متعالٍ يمارس نفوذاً يوجّه الحاضر انطلاقاً من الماضي، أمّا القيم الثانية فقد غزت الحياة بشتى جوانبها، باعتبارها إفرازات مباشرة لنمط العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الحديث بفعل المؤثر الغربي. 
وهكذا اصطدمت وتداخلت جملة من القيم المختلفة في مرجعياتها ووظائفها، فلم تعد تلك المجتمعات قادرة على الدخول إلى قلب الحداثة ولا الانفصال عن الماضي. لم تستطع تلك المجتمعات أن تنجز فهماً تاريخياً متدرّجاً ومطوّراً للقيم النصيّة الدينيّة، بما يمكّنها من إدراجها في صلب السلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولم يستطع كثير منها، في الوقت نفسه، هضم كشوفات العصر الحديث في كلّ ما يتّصل بالحياة الحديثة، وشروط الانخراط والمشاركة فيها. وبعبارة أخرى، لم تتمكّن من إعادة إنتاج ماضيها بما يوافق حاضرها، وتعذّر على بعضها التكيّف مع الحضارة الحديثة المنبثقة من الغرب. وعلى هذا، انشطرت بين قيم متعالية موروثة وقيم واقعية مستعارة، وحينما دفعها سؤال الحداثة إلى خانق ضيق، طرحت قضية الهوية كقضية إشكالية متداخلة الأوجه. 
ولفت إلى أن القائلين بالهوية التقليدية المميزة قدّموا قراءة هشّة للإسلام تقوم على فهم مدرسي ضيّق له يُعنَى بالطقوس والأزياء والتمايز بين الجنسين والحلال والحرام والطهارة والتكفير والتحريم والتأثيم الدائم للنفس، وحجب فعالية العقل المجتهد، والذعر من التحديث في كلّ شيء، وإخضاع الكون والبشر لجملة من الأحكام، التي يسهل التلاعب بها طبقاً لحاجات ومصالح معينة، وإنتاج إيديولوجيا استعلائية متعصّبة لا تأخذ في الاعتبار اللحظة التاريخية للشعوب الإسلامية، ولا العالم المعاصر، ولا تلتفت إلى قضايا الخصوصيات الثقافية والدينية والعرقية للأقليات، وسعوا إلى بعث نموذج أنتجته تصورات متأخّرة عن الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام، يقوم على رؤية تقديسية للأنا وإقصاء الآخر، فحبس الإسلام في قفص ذهبي، دون أن يسمح له بالتحرّر من سطوة الماضي، وينخرط في التفاعل الحقيقي مع الحاضر. وحجبوا عن الإسلام القيم الكبرى التي اتّصف بها كنسق ثقافي يقرّ بالتنوع والاجتهاد.