عتبات النص والنسق الثقافي في رواية 'مملكة سليمان'
"الله وحده…
وقليل من المتعبين يدركون جيدًا معنى أن يسكنك النهر والنار والعاصفة فأي قلب يتحمل كل تلك الثورات مجتمعة ...ولا النهر يغرق النار ولا العاصفة تستطيع أن تخمد النار او تخترق النهر ولا النار تبخر مياه النهر او تدفئها .."
بهذه العتبة الاستهلالية التي تتصدر قراءتي من روايته الأولى "حينما هربت عاريات مودلياني" الجزء الاول من مملكة سليمان، ينفتح الأفق الرمزي لرواية "مملكة سليمان" للكاتب والفنان التشكيلي أحمد الجنايني.
ليست هذه الكلمات مجرد افتتاح وجداني، بل هي مفتاح تأويلي يؤسس لثلاثية مركزية تحكم بنية العمل: النهر – النار – العاصفة؛ بوصفها تمثيلات لفتنة اللون، وصراع الواقع، وعاصفة التحول الثقافي والوجودي. إن معرفة المبدع هي جزء ضروري وأصيل لفهم عميق لإنتاجه الإبداعي يتساوى بالاهمية في فهم الحقبة الزمنية التي شكلت وجدانه وافكاره وتلك الانساق الثقافية التي كونت تلك الشخصية والتي أثرت عليها لينتج لنا إبداعات متعددة، ما بين البوح العاطفي الذي بشكله في صورة أحلام تعلو فوق الزمن والمكان، وبين الرؤية الفكرية والتوثيق التاريخي لحقبة اشتعلت فيها العديد من الأحداث على الساحة الثقافية عامة والساحة الفنية التشكيلية بشكل خاص.
في نسخة دار صفصافة أهداني الفنان أحمد الجنايني تلك الرواية المعنونة بمملكة سليمان الجزء الثاني من عاريات موديلياني بغلاف يحمل لوحة من أعماله التي تجذب المتلقي من الوهلة الأولى، فالخيالات الرمادية البعيدة تقفز إلى قلب اللوحة وكانها تبوح بأمر يحيلك إلى عتبات النص.
أولًا: العتبات النصية وبناء أفق التلقي
1. العنوان:
"مملكة سليمان" يحمل العنوان بعدًا أسطوريًا يثير المخيلة منذ الوهلة الأولى. إنه يستدعي عالم أسطورة الخاتم والقدرات الخارقة والعروج بين العوالم، ويهيئ القارئ لنص يمتزج فيه الواقعي بالفانتازي، والتاريخي بالحلمي. العنوان هنا ليس تسميةً، بل إعلان دخول إلى فضاء تتداخل فيه الذاكرة بالأسطورة.
2. الإهداء: في بداية الرواية
أهدى الكاتب روايته إلى كل الذين عبروا نحو هذا الحلم المستحيل وإلى كريستينا رفيقة مارتن. يفتح الإهداء مسارين تأويليين: مسار الحلم بوصفه مشروعًا وجوديًا وفنيًا، ومسار العاطفة بوصفها طاقة محركة للسرد. فالحلم المستحيل هو الفن ذاته، أما كريستينا فهي رمز الحضور الأنثوي/الروحي الذي يعبر النص كنداهة خفية.
وضع علامات استفهام في جميع عتبات النص العنوان والإهداء وصفحة الابتداء أو التمهيد الأولى وقبل كل فصل التي حاول الكاتب توطئة عقل القارئ إلى أن أحداث الرواية يمتزج فيها اليقظة والوعي بالأحلام والخيال.
الفصل الأول بدأ بالحلم وحديث النفس ليمنح مساحات شاسعة للأحداث التي يمتزج فيها الحقيقة تارة خطأ وتارة أخرى تشكيلا وتارة أخرى ساحة معركة الألوان مع الفرشاة والقلب الذي يحركها غاضبا مضغوطا وتارة أخرى يبحث عن مفاتيح الحياة ليفتح بها عالم الفانتازيا.
"إلى كل الذين عبروا نحو هذا الحلم المستحيل… وإلى كريستينا رفيقة مارتن" يفتح الإهداء مسارين تأويليين: مسار الحلم بوصفه مشروعًا وجوديًا وفنيًا، ومسار العاطفة بوصفها طاقة محركة للسرد. فالحلم المستحيل هو الفن ذاته، أما كريستينا فهي رمز الحضور الأنثوي/الروحي الذي يعبر النص كنداهة خفية.
3. التمهيد وعلامات الاستفهام:
وضع الكاتب علامات إستفهام في عتبات الفصول، وقدم تمهيدًا أول يوطئ عقل القارئ لامتزاج اليقظة بالخيال. وهكذا تصبح كل بداية فصل عتبة جديدة، تزعزع يقين المتلقي، وتؤكد أن ما سيُروى لا يخضع لقانون الواقع وحده، بل لمنطق الحلم أيضًا. ففي ص14: "رويدا رويدا تصاعدت الصراعات بالرأس وخرج طائر شق الصدر…". هذه الصورة الشعرية تكشف لحظة التشكيل بوصفها انفجارًا داخليًا. الطائر هنا هو الروح الإبداعية التي تنفلت من قيود الجسد، وتحلق في فضاء المرسم.
وفي الفصل الثالث أجدني حين قرأت تلك السطور الشعرية حالة التشكيل التي تسيطر على الجنايني الفنان حين يشكل لوحاته التي تعبر عن مشاعره الملونة الساخنة المضغوطة - بوزن صخرة سيزيف - لتنفجر على سطح لوحاته في فصل حارسة المومياوات امتزاج حكايات الجدات الشعبية لأحفادهم صنعت أفكار الكاتب منذ الصغر وامتدت تفسر ثمرة علاقات الألوان وتلك الكيانات المصرية القديمة الهامسة له وكأنها روح سافرت إليه عبر التاريخ لتحمل الهوية لتوحي إليه وإلى حديث فاطمة ناعوت التي جلست ليلتين للتصوير بين لوحات مومياوات شكَّلها الفنان وهي من أبرز الكيانات في لوحاته. فالكتاب الفنان امتزجت روحه بحياة الفنان المصري القديم ولم لا فقد جسَّدها في مجموعة ضخمة من اللوحات وكأنه مبعوث في عصرنا ليظهر هوية ومعنى البعث والتجديد والنهضة لتلك العصور القديمة.
وفي ص142: يجيبنا الكاتب عن تساؤل قد يطرأ على مخيلة المتلقي، وهو أن "الفرق بين الكتابة والرسم أن الكتابة تمشي على أطراف أصابعها بينما الرسم يتسلل من النافذة…" هنا تتجلى جدلية الفنَّين؛ فالرسم فعل مباغت، والكتابة فعل تأمل. ومع ذلك، يمزج الجنايني بينهما ليصنع نصًّا يُقرأ كلوحة، وتُرى لوحاته كقصائد.
ثانيا: الرواية بوصفها وثيقة ثقافية
لا تُقرأ الرواية هنا كنص فني إبداعي فحسب، بل كوثيقة ثقافية ومنتج اجتماعي وتاريخي يوثق تحولات الحركة التشكيلية المصرية والعربية. إن معرفة المبدع تصبح شرطًا لفهم نصه؛ فالجنايني لا يفصل تجربته الحياتية عن فنه، بل يمزج بين سيرته الذاتية ومسار الفن التشكيلي في مصر، مستحضرًا فضاءات مثل أتيليه القاهرة بوصفه كيانًا ثقافيًا إشكاليًا، يعجّ بالصراعات والرؤى المتباينة الفكرية والإدارية والثقافية. تتحول الرواية إلى منتج اجتماعي وتاريخي، حيث يُستدعى المكان بوصفه كيانًا حيًا، لا مجرد خلفية للأحداث. أتيليه القاهرة يظهر ككائن لغز، لا يهدأ ولا يستقر، كأنه ثقب يمتص الأفكار ويعيد تشكيلها، ويغدو اتيليه القاهرة في النص "ثقبًا" يبتلع الأفكار ويعيد إنتاجها.
يتجلّى هذا البعد التوثيقي في استدعاء شخصيات حقيقية وأماكن محددة بتواريخ شاهدة عليها، مع الإحالة إلى تواريخ وأحداث، بما يمنح السرد مصداقية تاريخية، وإن ظلّ يتحرك في فضاء حلمي مفتوح لا تحدّه قوانين الواقع الصارمة.
وانطلاقًا من رؤية الناقد الراحل صلاح فضل بأن الرواية الحديثة تمتص الشعر وتستوعب طاقته التعبيرية، وهو جزء من حياة الكاتب الإبداعية فقد كتب الفنان احمد الجنايني دواوين من الشعر منها "الحب في آيار" وديوان "نقوش على جناح فراشة"، لذا يمكن قراءة "مملكة سليمان" بوصفها نصًّا يمارس هذه الشعرية السردية بوعي كامل. فهي ليست نصًا فنيًا فحسب، بل وثيقة ثقافية توثق تحولات الحركة التشكيلية المصرية والعربية، مستحضرة فضاءات الشخصيات والأماكن.
تجوَّل بنا الجنايني بين نشأته القروية في منية سمنود وبين اتيليه القاهرة ومجلة الخيال، وبين شخوص سكنت كل تلك البقاع بداية من كريستينا مرورا بناعوت وسوسن عامر وسارة السهلي. ود. منصور القطري وصن شاين الصينية؛ وصخر ابن عمير ذلك الذئب المتربص بالجغرافيا والتاريخ. ثم رحلة المنامة ثم شمالا وصولا إلى ألمانيا وصفصافة الضوء ولبنان التي اصطبغت بها روحه حتى تظنه لبنانيا. وعندما يجلس مع أهل العراق تجده عراقيا، وعندما يتحدث عن فلسطين يشعرك وهو في القاهرة أنه يعاني ويلات القصف على أرضها ويرتفع ضغطه ويغادر النوم جفونه.
الفنانة البنانية التشكيلية فيرا
تلك السيدة التي جمعت بين الجمال والنبل والفن وأثرت في أكثر أصدقائها، وكأنها رسول زغرتا إلى العالم ليعرف الكون أن باهدن اللبنانية يقطن ملاك أثر في وجدان احمد الجنايني وأفرد لها فصلا هي بطلته الأولى لآخر نفس ودمعة وكلمة استطاع المبدع أحمد الجنايني أن يعبر بالكلمات رسمًا كما عبر بالفرشاة واللون باللوحة وذكر رحيق تجربته الإبداعية في الاتجاهات وذلك في حواره مع مليكة الجنية خادمة بمملكة سليمان التي تحدث معها في معراج الأول.
ذاكرة اللون ونداهة الفن
أحد أبرز مفاهيم الرواية هو "ذاكرة اللون"، فاللون ليس عنصرًا بصريًا، بل كائن يمتلك حاسة ووعيًا وذاكرة روحية تنتقل عبر الأزمنة. وهنا تستحضر الرواية الهوية المصرية القديمة في فصل "حارسة المومياوات"، حيث تمتزج أساطير الجدات بروح الفنان المصري القديم. والفن عند الجنايني فعل بعث وتجديد، استدعاء لذاكرة حضارية كامنة. المومياوات لا تُستعاد بوصفها أثرًا، بل ككيانات هامسة توحي للفنان بمعنى الهوية والانتماء. وهو الحوار الذي أفرد له الكاتب فصلا بعنوان "حارسة المومياوات" وحوار بينه وبين الشاعرة فاطمة ناعوت. وتكتمل دائرة الرواية لتفسر لنا العنوان الشارح بمقابلة الكاتي بشخصية صفصافة الضوء؛ وابنة مودلياني والطفل الحفيد صانع المخيلة الأولى للطفل أحمد الجنايني في الجزء الأول حينما هربت عاريات موديلياني.
التحول الثقافي وتجسد الصراع
وفي غمار حالات التصوف أو الحالة الفنية التي تحيلنا من فصل لآخر، سرد الكاتب حالة فريدة لخصت في طياتها مرحلة تاريخية في الأوساط الاجتماعية الثقافية وجسدها ببساطة في شخصية صديق دراسته "الكردوشة" نموذجًا؛ فالفنان القروي العاشق للجمال والمفعم بالحيوية والشباب؛ يتحول إلى رؤية منغلقة ترى الفن ضربًا من الشياطين والأرواح الشريرة التي تلبست بالكاتب ورسمت لوحاته بيده وألوانه. هذا التحول يكشف عن صراع بين الجمال والتشدد، بين الإنفتاح والإنغلاق، وهو صراع يوازي "نار" الثلاثية الرمزية. وما أضاف بعدًا أنثربولوجيا أجتماعيا رصد تلك التحولات الثقافية التي هبت رياحها إلى أرض مصر التي استوعبت جميع الثقافات واحترمت منذ القدم جميع المعتقدات وخلدت حضارتها عبر الفنون والعمارة والنحت وأصبحت رمزًا لحياة قدماء المصريين على ضفاف نهر النيل.
بين السيرة والحلم
تنتمي الرواية إلى منطقة وسيطة بين المذكرات والسيرة الأدبية. لكنها تتحايل على مأزق التوثيق عبر الحلم؛ فالأحداث تُروى في فضاء لا قانون يحكمه سوى الخيال. ومع ذلك، يستند الكاتب إلى تواريخ وأشخاص حقيقيين، مما يخلق توترًا جماليًا بين الواقعي والمتخيل. يمكن تمييز ثلاث دوائر للوعي في النص: ذاكرة بعيدة ذات طابع صوفي وتأملي في فصل غريب في مملكة سليمان من العروج الاول الى العروج التاسع. ووعي آني يرصد صراعات الوسط الثقافي. ومنطقة التقاء الوعي واللاوعي حيث يتخلق الإبداع وتتآلف العناصر المتباعدة في نسيج سردي واحد.
مسافات النهر والنار والعاصفة: رموز فتنة الكاتب بين سطور الرواية النهر: فتنة اللون والجمال والطبيعة. النار: صراعات إدارية وثقافية وعاطفية. العاصفة: تحولات الحياة بين القمة والسهل والقاع والفضاء المشترك. وهكذا تعود بنا الرواية إلى عتبتها الأولى؛ فلا النهر يغرق النار، ولا العاصفة تخمدها، بل تتعايش العناصر في جدل خلاق داخل روح المبدع. والمسافة تلك المساحات التي تتجول فيها مخيلة الكاتب بين النهر والنار والعاصفة.
ان عتبات النص في "مملكة سليمان" ليست زينة شكلية، بل مفاتيح بنائية تؤسس أفق التلقي وتوجّه القراءة. من الاستهلال الشعري، إلى العنوان الأسطوري، إلى الإهداء، إلى عتبات الفصول والاقتباسات الداخلية، يتشكل نص متعدد الطبقات يمزج بين الشعر والسرد، بين التوثيق والحلم. لقد استطاع أحمد الجنايني أن يكتب بالفرشاة، وأن يرسم بالكلمات، ليقدم رواية تتجاوز حدود النوع الأدبي، وتغدو تجربة جمالية وفكرية تعكس نسقًا ثقافيًا متشابكًا، وتُجسد فتنة الإبداع بشقيه: الأدبي والتشكيلي. في هذا العمل، لا يغرق النهر النار، ولا تخمد العاصفة لهيبها؛ بل تتعايش العناصر في جدل خلاق، تمامًا كما تتعايش في روح المبدع الذي يسكنه الفن حتى آخر نبض. مشيرا الى الطفل الصغير ممسكا بيد جيني يفتش عن بقعة البنفسج.