عروض الأزياء السياسية.. والقضية الفلسطينية
رغم كل ما يعانيه الشعب الفلسطيني المرابط على أرضه، والذي يعيش المعاناة اليومية من قتل وقهر وبطش الاحتلال، إلا أن عذاباته وجروحه يضاعفها ألمًا ووباءً جراثيمُ ومايكروباتُ عارضي أزياء السياسة. في عصرٍ أصبح فيه الثوب رمزًا أكثر من كونه غطاءً، يلتبس الأمر على من يبحث عن الشعبية والدفء العاطفي، فيبرز واقعٌ ساخر تراجيدي: أولئك الذين ثملوا من حياة الترف والرفاهية، بعد أن تجاوزوا الحاجات الفسيولوجية، وحاجات الأمن والاستقرار، وحاجات تحقيق الذات، ووصلوا إلى الدرجة الرابعة من سلم ماسلو، حيث لم تعد القضية الفلسطينية أو العدالة الوطنية أكثر من مجرد أزياء مؤقتة تُرتدى أو تُخلع بحسب موسم المناصب وترندات الجمهور، بينما يغطي سرورُ عارضي الأزياء قسوةَ القضية الماثلة بيننا.
المتفرجون خارج دائرة الصراع
أما أولئك الذين يقبعون خارج دائرة الصراع، فيستمرون في وصف الجراح ومراقبة الطعنات وكأنهم على مدرجات المشاهدة، متحدثين عن الحقيقة بعظمة مفرطة، لكنهم نادرًا ما يقدمون حلولًا، ولا يغامرون بالخطوة الأولى نحو التغيير. وإذا تجرأ أحدهم على اقتراح فكرة، تلاشت في لحظة الاستحالة؛ فكرة تتنافى مع واقع لا يرحم، فتتحول إلى مجرد وهم على الورق. وهكذا تظل القضية الفلسطينية، في أعينهم، مسرحية يُتفرج عليها من بعيد، بينما الحياة اليومية على الأرض تشتعل، ويظل الجمهور بعيدًا عن ألسنة المدح والنقد، متألمًا صامتًا.
الغريق والمراقبون
كأنهم يراقبون غريقًا في عاصفة، يقفون بعيدًا يصيحون "ارفع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى… لا، ارفع رأسك… لا، خذ نفسًا… أجل، أنت الجيد!"، بينما الغريق يترنح بين الأمواج، يختنق، ولا يجد من يمد له يد النجاة. أما المتفرجون، فيصرخون بلا توقف "انتظروا! لا تقلقوا، لديه خياشيم، إنه كائن بحري! لن يمت، اطمئنوا"، ويستمرون في الضحك، بينما الغريق يغرق بلا رحمة، ليصبح المشهد كوميديا مأساوية على مسرح الواقع.
عارضو الأزياء السياسية
وعلى المسرح نفسه، يظهر عارضو الأزياء السياسيون، المحللون والباحثون والخبراء الاستراتيجيون، يلبسون القضية كما يلبسون معاطفهم: ثوبًا وطنيًا في موسم الانتخابات في بلدانهم، ومعطف العدالة عندما يقترب الترند، وقميص النزاهة عندما يرغب الجمهور بالتصفيق. كل قطعة تُرتدى وتُخلع بحسب أهواء المناصب وحسابات الشهرة، أو عبر فضائيات دول الكومبارس حيث تُباع الكلمات والشعارات المنمقة، بينما الحقيقة الباقية على الأرض تُهمل وتُنسى.
هؤلاء الذين ثملوا من رفاهية الحياة وملذاتها، لم يعودوا يحتاجون لأكثر من أضواء الكاميرات وصفقات الصور، فقد بدت لهم القضية مجرد وسيلة لإظهار الأخلاق والوعي، بينما هم في الحقيقة غرقوا ويغرقون في ملذاتهم، بعيدًا عن كل ألم، كمتفرجين ومنتفعين من لعب الأدوار على حساب مصائر الآخرين في كوميديا مأساوية حقيقية.
وهكذا، تبقى القضية الفلسطينية بين الثوب والمعطف والقميص، بين عروض الأزياء السياسية وصراخ المتفرجين على ضفاف العواصف، تُعرض وتُرفع وتُسقط حسب مواسم المناصب وأمزجة الجمهور. والغريق الحقيقي، الذي يعيش الواقع على الأرض، يغرق بلا رحمة، بينما الضحكات والتمثيليات تستمر، وكأن التاريخ مجرد مسرحية تُعاد من جديد، والمأساة هي العرض الوحيد الذي لا ينتهي، والأمل ضيف نادر لا يطل إلا لحظة قصيرة قبل أن يختفي خلف ستار الترف والسطحية.