عزيزة بحر الباجي تحاور العالم من جربة ب'الوجه والقفا'

المعرض الشخصي الجديد للفنانة التشكيلية يتواصل بجربة بلوحات تستلهم من المكان والذاكرة والوجدان في تجربة تمزج بين التشكيل والرسالة الإنسانية، حيث يصبح الفن فعل مقاومة وواحة للحوار والجمال.

ضمن نشاطها الفني التشكيلي والثقافي لسنوات عديدة، يتواصل المعرض الفني الشخصي الجديد للفنانة التشكيلية عزيزة بحر الباجي إلى غاية يوم 7 سبتمبر/ايلول، وهو بعنوان "الوجه والقفا".

وانعقد حفل الافتتاح لتدشين المعرض السبت 23 أغسطس/آب، وذلك برواق الجزيرة بالرياض، جربة، Galerie Insular.

وضم المعرض نخبة مختارة من لوحاتها الفنية المنجزة لسنوات، وحضر الافتتاح جمهور الفنون والثقافة وأحباء الفنون الجميلة. هذا وكانت للفنانة مشاركات عديدة في معارض جماعية إلى جانب معارضها الفردية. ومن هذا المعرض ندخل عوالم الفنانة عزيزة التي هامت باللون والرسم منذ طفولة ما زالت تقيم فيه، حيث الفن عندها حالات تذكر جمالي تجاه القبيح والمربك والساقط في أكوان بمتغيراتها المدوية، تسعى لتشييء الكائن وجعله مقيما في أزماته ومتروكا مثل متحف مهجور.

وككل فنان عميق له رسالة، ومنها القضية الفلسطينية وما يجري من دمار ومجازر صهيونية أميركية في غزة، تقول الفنانة: "…أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة بلا غذاء… ليسوا أرقاما… هم أناس كرام.. يقتلهم سلاح القصف والتجويع واللامبالاة أيضا". وعن اغتيال الصحفي الفلسطيني أنس الشريف، وتفاعلا مع وصيته بعد الاغتيال الصهيوني الجبان، تقول: "من هول المصاب ليس لدينا ما نقوله.. ليس لدينا كلمات توازي حجم فاجعتنا.. السلام على سيرتك والرحمة على روحك.. أيها البطل الشهيد".

هذه تفاعلات الفنانة مع الحالة الراهنة وهي تعد لمعرضها.. إنه الفن حمال معانٍ راقية ومجمل حالات ومكمن أحلام عالية تجاه الدمار والعدوان والضجيج والانهيار. إنها لعبة الفن يستعيد معها الفنان شعرية الفكرة وهي تنبثق من الأمكنة في بهائها النادر.

المكان هنا معتبر ونعني الجمال والحلم، حيث الخطى الأولى والتلوين البريء والبدايات. المكان مكانة.. نعني جربة. هي حكاية فنانة بدأت الرحلة الفنية من جربة وتعددت بعد ذلك أمكنتها وجهات إلهامها، لتتعدد ألوانها وأعمالها الفنية تعدد حالات حلمها وأحاسيسها.

الفنانة التشكيلية عزيزة بحر الباجي نهلت من المكان كذاكرة وحياة وبرمزية ضاربة في الزمن. من جربة انطلقت لتتعدد معارضها ومشاركاتها الفنية التشكيلية، وآخرها المعرض الجماعي بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون إلى جانب الفنانين ابني الجزيرة الطيب زيود ومحمد الخامس المصراتي، وذلك ضمن عنوان دال وهو "ريحة جربة".

لوحاتها توزعت على تلوينات شتى بين المشاهد والأمكنة والبورتريه والطبيعة الميتة وغيرها. تنظر في اللوحات لتسافر في المشاهد الأخاذة منها، عطور الحالات الجربية في الشارع والسوق واللباس التقليدي وصولا إلى الوجوه المنتصفة الحالة والنظر، ووجه الطفلة غزالة الطافح بالبهجة العارمة، حيث اللون عنوان براءة وحلم في تناسق جمالي دال على التشبع بالموضوع والمشهدية العميقة.

هامت عزيزة بفنون الرسم لترى العالم علبة تلوين، ومتنّت صلتها في كل ذلك عبر الفنانين: الإيطالي ديماتشيو، والجزائري أحمد بلاب، والتونسي طارق الفخفاخ، وهي التي تخصصت في دراستها في العلوم القانونية. مضت مع الفن التشكيلي تحمل جربة في القلب، وما به تزخر من سحر وبهاء جمالي نادر، تستنطق حالاتها ووجدانها وتاريخها العريق بتعدد ثقافاته والحضارات العابرة به وصولا إلى جربة الآن وهنا.

جربة هذه الفاتنة.. وأنت تمضي إليها، تشعر بشيء من السحر ينتابك بحيث يصعب أن تغفل للحظة عن القول بالعذوبة والدهشة والحنين تجاه ما تراه العين. وأما النظر هنا فهو بعين القلب، لا بعين الوجه. هي الأرض التي تأنقت عبر العصور. من الحقب التي مرت بها تعلمت فن الجمال، كيف لا وهي المحفوفة بالماء.. الأزرق سرها الدفين.. القباب عناوينها.. والمنازل المثقلة بالحكايا.. وهل ثمة حكايات باذخة المتعة غير تلك التي عرفتها الأرض القديمة قدم ناسها؟

أذكر الآن ألوان وأحوال وأشجان جربة التي ابتكر ظلالها ونقلها الفنان الكبير الكونيالي إلى بياض القماشة. فضاءات لوحاته بكثير من المتعة والإبداع، وهو في خلوته الفنية بحومة السوق. من هذه الأحوال الفنية لجربة هذه الأيام، تلك المساحة التشكيلية من شتى التلوينات والاتجاهات والأشكال. وأنت تتجول بالمكان الذي هو ميدون، تقودك خطاك طوعا وكرها إلى عوالم التلوين والرسم والفنون.

من كل هذا ملأت الفنانة عزيزة بحر الباجي خزان ذاكرتها ودأبها اللوني وعشقها للرسم. فنانة حملت شيئا من روح وعطر وأنفاس جربة، حيث ألق التواريخ وجمال المشاهد بين سماء وأرض وبحر وأهل، في تناسق مفتوح على الهدوء والموسيقى الخافتة.

تنوعت أعمالها وعناوينها، ونذكر منها: غزالة، والنسوة، ومشهد السوق، وعم سعيد، وقلالة، وقهوة الشجرة بميدون، والتغمبيزة، والزكار، والطبال، والتراث، وللا حضرية، والانتظار، والقرنيط، وشاطئ الجزيرة، والقافلة، والبطيخ، وغيرها.

الفنانة عزيزة بحر الباجي تعمل على مواضيع أخرى وبنَفَس متجدد، وتوترى في الفن واحة سلام وحوار في حس إنساني بليغ، وتحلم بمعرض دولي باليونسكو مثلا، فيه لوحات تختزل مكونات التراث الجربي من لباس وعادات وتقاليد ومشاهد، وفق رسالة من فنانة للعالم تقول بالحوار والتعايش والتسامح، تحت عنوان: الفن بما هو إبداع إنساني.

هذا وقد أعدت الفنانة بحر لمعرضها هذا بجربة منذ فترة.. معرض جديد للفنانة عزيزة بحر فيه الجديد، ويتواصل إلى غاية يوم 7 سبتمبر/ايلول 2025.