عفو رئاسي عن صنصال يُزيل أكبر عقبة أمام تسوية الأزمة مع فرنسا
الجزائر - تعكس الاستجابة السريعة للجزائر للطلب الذي قدمته برلين باستضافة الكاتب بوعلام صنصال، حرصًا جزائريًا على عدم إهدار فرصة لحفظ ماء الوجه في القضية التي وضعت العلاقات الفرنسية - الجزائرية على حافة القطيعة.
ويأتي هذا التطور بعد أن أبدت الجزائر خلال الأيام الأخيرة انفتاحها على الحوار من أجل تسوية الأزمة، مدفوعة برغبتها في التخفيف من عزلتها داخل الساحة الأوروبية.
وأعلنت الرئاسة الجزائرية اليوم الأربعاء أن الرئيس عبدالمجيد تبون تفاعل إيجاباً مع الطلب الذي قدمه نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير بالعفو عن صنصال في إطار "بادرة إنسانية"، مشيرة إلى أن برلين ستتكفل بنقل الكاتب وتقديم العلاج اللازم له.
وكان شتاينماير قد طلب الاثنين من تبون العفو عن صنصال في إطار "لفتة إنسانية"، مشيراً إلى السن المتقدم للكاتب (80 عاماً) وإصابته بمرض السرطان.
ولوحظ أن الرئاسة والإعلام الجزائري الرسمي نقل بيان شتاينماير وتفاصيل طلبه كاملاً، وهو ما اعتبره محللون مؤشراً إيجابياً على إمكانية استجابة الجزائر لهذه البادرة.
الدور الألماني: وساطة أم تنسيق؟
ويُنظر إلى الدور الألماني على أنه قد يكون بتنسيق غير مُعلن مع باريس، لتقديم "لفتة إنسانية" بعيداً عن الضغط الفرنسي المباشر الذي رفضته الجزائر بشدة سابقاً ووصفته بـ"التدخل السافر" في شؤونها الداخلية. كما أن صنصال حائز على أرقى جائزة أدبية ألمانية، وهي جائزة السلام الخاصة باتحاد الناشرين الألمان، ما يمنح اهتمام برلين بُعداً رسمياً.
مكاسب الجزائر من "العفو الإنساني"
وتبعث استجابة الجزائر للطلب الألماني برسالة تؤكد أن الجانب الجزائري يدرك أن إطلاق سراح صنصال سيُزيل نقطة التوتر الرئيسية في العلاقات مع فرنسا والاتحاد الأوروبي، ويُنهي تحويل قضية الكاتب إلى رمز للقمع السياسي.
كما يسمح "العفو الإنساني" للرئيس تبون بإنهاء الملف دون التراجع عن مبدأ سيادة القضاء، وتقديم الأمر كبادرة كريمة. ويرى محللون أن الجزائر تتوجس من إمكانية وفاة صنصال في السجن، ما سيحول القضية إلى "عبء" دبلوماسي وإنساني أكبر، ويجعل منه رمزاً يُساءل النظام بشأنه دولياً.
وستفتح الاستجابة لهذه الدعوة آفاقاً أوسع للتعاون الثنائي بين الجزائر وبرلين، وتمثل "طريقاً ثالثاً" لحل أزمة دبلوماسية متفاقمة بين الجزائر وفرنسا.
وقال رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو اليوم الأربعاء أمام الجمعية الوطنية في باريس إن حكومته "تشعر بالارتياح" لسماع خبر العفو عن صنصال، مضيفا أنه يأمل أن يلتئم شمل الروائي بعائلته "في أقرب وقت ممكن" وأن يتلقى العلاج الطبي.
وعبر لوكورنو عن "شكره الجزيل لكل من ساهم في هذا الإفراج الذي تحقق من خلال أسلوب قائم على الاحترام والهدوء".
خلفية الأزمة
واعتُقل صنصال في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات نافذة بعدة تهم من بينها "المساس بالدولة والوحدة الوطنية" بعد تصريحات تبنى فيها طرحاً يؤكد اقتطاع جزء من الأراضي المغربية وضمّه للجزائر في فترة الاستعمار الفرنسي.
وأثار الحكم ضده استياءً وتصعيداً في فرنسا، حيث طالبت باريس بالإفراج عنه، لكن الجزائر رفضت ذلك، مؤكدة أن الملف في يد القضاء وحده. ويمهد تحويل القضية من مسألة سياسية وقضائية إلى إنسانية من خلال استخدام الجزائر حق العفو الرئاسي لتسوية الملف، الطريق لانفراج ومحاولات تهدئة وإعادة العلاقات الجزائرية - الفرنسية إلى مسارها الطبيعي عبر الحوار والشراكة المتوازنة.