عقارب الساعة تتسارع… والحكومة بانتظار التشكيل!

على الجانب الكردي تبدو الصورة أكثر وضوحا من أي وقت مضى، فالإقليم يدخل المفاوضات بحقيبتين: واحدة سياسية وأخرى مالية، مع تمسّك واضح بمنصب رئاسة الجمهورية.

منذ انتهاء انتخابات 2025، يعيش العراق تحت ضغط زمن غير مألوف، فكل المؤشرات توحي بأن عقارب الساعة تتحرك أسرع مما اعتادت عليه الطبقة السياسية، بينما لا تزال اجتماعات التحالفات والزيارات المكوكية تدور في حلقات مفرغة بلا اتفاق نهائي على شكل الحكومة المقبلة. وفي المشهد الشيعي، الذي يُعدّ الأكثر تأثيراً في مسار تشكيل السلطة التنفيذية، عاد التوازن النسبي بعد جلوس محمد شياع السوداني مجدداً على طاولة نوري المالكي، وهو تطور اعتبره المراقبون بمثابة إعادة اصطفاف داخل الإطار أعاد اللحمة بعد أسابيع من التباينات الصامتة. هذا التفاهم، وإن لم يُعلن بشكل رسمي، أعطى مؤشراً إلى أن الكتلة الأكبر تبحث عن حكومة سريعة، لا عن صراع طويل يعيد إنتاج أزمة 2022.

أما المكوّن السني، فهو يتحرك بسرعة محسوبة بعد إعلان القوى السياسية السنية إنشاء المجلس السياسي الوطني، وهي خطوة تهدف إلى توحيد القرار داخل البيت السني وتجنب حالة التشتت التي كانت تعرقل موقفه في دورات سابقة، خصوصاً في مرحلة يُعاد فيها رسم خريطة السلطات والأدوار داخل الدولة.

وعلى الجانب الكردي (إقليم كوردستان)، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فالإقليم يدخل المفاوضات بحقيبتين: واحدة سياسية وأخرى مالية، مع تمسّك واضح بمنصب رئاسة الجمهورية كما نصّت عليه التفاهمات الدستورية السابقة. ففي السياسة، يصرّ الإقليم على تثبيت حقوقه الدستورية التي تعرضت لتقلبات عبر ست دورات برلمانية متتالية. وفي الاقتصاد، يضع على طاولة بغداد أهم ملفين: الأول يتعلق بتسليم ملف النفط كاملاً إلى الحكومة الاتحادية، والثاني يتعلق بإيراداته غير النفطية التي بلغت نحو 120 مليار دينار، والتي سلّمها أيضاً وفق التفاهمات السابقة. ومع ذلك، ينتظر الإقليم اليوم خطوة جوهرية من بغداد: صرف رواتب موظفيه التي لا تزال معلّقة رغم تنفيذ كل الالتزامات المطلوبة منه.

وتأتي هذه المطالب في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأمنية والضغوط الاقتصادية على الإقليم، حيث تمكنت القوات الأمنية ليلة الاثنين 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 من إحباط محاولة لطائرة مسيّرة اقتربت من حقل غاز كورمور، وحلّقت مرتين فوق سماء الحقل قبل كشفها بواسطة نظام إنذار ذكي، ما يعكس الحاجة الملحّة لتعزيز الإجراءات الأمنية وحماية منشآت الطاقة الحيوية وسط هذا الوضع الاقتصادي الحساس.

وبين هذه الملفات السياسية والاقتصادية الثقيلة، يبرز مشهد اقتصادي أكثر حساسية. فمع اقتراب تشكيل الحكومة تتصاعد التحذيرات من أزمة مالية قد تتوسع في العراق إذا طال الفراغ السياسي. وقد تحدّثت تقارير متعددة عن اختفاء 2.5 تريليون دينار من أموال الرعاية الاجتماعية، وهو رقم صادم أعاد النقاش حول الفساد إلى الواجهة. ويرى خبراء اقتصاديون أن العراق قد يشهد ارتفاعاً كبيراً في سعر صرف الدولار إذا استمرت حالة الارتباك، خصوصاً مع الضغوط على الاحتياطي النقدي وتراجع الثقة بسلاسة انتقال السلطة. هذه التحديات المالية تضع السياسيين أمام معادلة واضحة: كل يوم تأخير في تشكيل الحكومة سيكلف البلاد ثمناً اقتصادياً قد يكون أكبر من قدرة الشارع على احتماله.

وفي الخلفية، تراقب الولايات المتحدة المشهد من "قمرة القيادة"، كما يصفه دبلوماسيون، إذ تُظهر واشنطن اهتماماً استثنائياً بمسار تشكيل الحكومة لما له من تأثير مباشر على الاستقرار الإقليمي وملفات الطاقة. وفي المقابل، تظهر إيران بصورة "المتفرج الحاضر"، فهي لا تتدخل علناً لكنها ليست بعيدة عن أي تطور قد يؤثر على توازن القوى في بغداد.

وبين ضغوط الداخل وحسابات الخارج، يزداد يقين الشارع بأن التباطؤ لم يعد خياراً. فالعراق يقف أمام لحظة دقيقة: حكومة يجب أن تتشكل بسرعة، واقتصاد يحتاج إلى قرار، وإقليم يطالب بحقوقه، ومواطنون يراقبون بقلق كل دقيقة تمر بلا توافق. وبين هذه العقارب التي تتسارع، يبدو أن الرسالة وصلت إلى الجميع: الوقت ينفد… توافقوا وشكّلوا الحكومة.