عقد "المهندس" يتجاوز جدل الاقتصاد إلى الأمن والسيادة والنفوذ
بغداد – أعاد تقرير مجلة 'ذي أتلانتيك' الأميركية الجدل حول العلاقة الملتبسة بين الدولة العراقية وهيئة الحشد الشعبي التنظيم أو الحاضنة للميليشيات الموالية لإيران، بعد كشفه عن توقيع وزارة الاتصالات العراقية عقدا مباشراً مع شركة "المهندس" التابعة للحشد لتنفيذ أعمال صيانة ومدّ شبكات الألياف الضوئية في البلاد.
ورغم أن الوزارة أكدت أن العقد "أُبرم وفق الأصول القانونية وتحت مظلة القوانين الحكومية النافذة"، فإن الجدل الذي أثاره تجاوز الجوانب الإدارية والمالية إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة العراقية وحدود سيادتها أمام النفوذ المتنامي للفصائل المسلحة.
وفي بيانها الرسمي، شددت الوزارة على أن الشركة "حكومية تابعة لهيئة الحشد الشعبي، ولها الحق في دخول المناقصات العامة مثل بقية الشركات المملوكة للدولة"، مضيفة أن "إدارة وتشغيل شبكة الألياف الضوئية من مسؤوليات الوزارة حصراً، ويقوم بها موظفون حكوميون دون أي تدخل خارجي"، فيما جاء هذا الرد لتبديد المخاوف التي أثارها التقرير الأميركي، لكنه لم ينجح في إقناع شق واسع من العراقيين والرأي العام الذين رأوا في الخطوة مؤشراً جديداً على تغلغل الأذرع الاقتصادية للحشد الشعبي في مؤسسات الدولة.
بين السيادة والاختراق
وكان تقرير 'ذي أتلانتيك'، قد نقل عن مسؤولين عراقيين في قطاع الاتصالات قولهم إن العقود "تثير القلق لأنها تمنح الحشد الشعبي فرصة الوصول إلى قاعدة البيانات الوطنية، ما قد يمكّن فصائل مسلحة وداعميها الإقليميين من استخدام الشبكة لأغراض التجسس والمراقبة".
وأشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني حاول في وقت سابق تمرير عقد آخر لتشغيل شبكة الجيل الخامس (5G) لصالح كونسورتيوم تابع للحشد، قبل أن تتدخل المحكمة العليا لتعليق التنفيذ مؤقتا، مبررة قرارها بوجود مخاطر على الأمن القومي.
وهذه المخاوف لم تأت من فراغ، إذ يرى خبراء أن التحكم في البنية التحتية الرقمية والاتصالات يمثل اليوم أحد مفاتيح السيادة الوطنية، وأن أي نفوذ خارج سيطرة الدولة في هذا المجال قد يفتح الباب أمام استخدامات أمنية حساسة تتجاوز الإطار التجاري أو التقني.
ومن هنا، فإن الجدل حول عقد "المهندس" ليس مجرد قضية مالية، بل يتعلق بعمق العلاقة بين الدولة المركزية والفصائل المسلحة التي أصبحت جزءاً من بنيتها المؤسسية منذ دمج الحشد الشعبي قانونياً عام 2016.
ومنذ تأسيسه عقب اجتياح تنظيم داعش للعراق عام 2014 استنادا لفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها علي السيستاني أعلى مرجعية شيعية في العراق، تمكّن الحشد من ترسيخ موقعه كقوة عسكرية موازية للجيش الرسمي، ثم بدأ تدريجياً في بناء نفوذ اقتصادي واسع عبر شركات ومؤسسات تعمل في مجالات المقاولات والطاقة والاتصالات والنقل. وشركة "المهندس" التي حملت اسم نائب رئيس هيئة الحشد السابق أبومهدي المهندس (الذي قتل مع قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني في غارة أميركية مطلع العام 2020 استهدفت موكبهما على طريق مطار بغداد الدولي)، تعدّ الذراع الاقتصادية الأبرز لهذه المنظومة.
ويرى مراقبون أن هذا التوسع يعكس محاولة لتكرار النموذج الإيراني للحرس الثوري، الذي تحوّل خلال العقدين الماضيين إلى إمبراطورية اقتصادية ضخمة تسيطر على قطاعات النفط والبناء والاتصالات والموانئ، وتستخدم مواردها في تمويل أنشطتها العسكرية والسياسية. ويخشى هؤلاء أن يؤدي مسار مشابه في العراق إلى نشوء اقتصاد موازٍ داخل الدولة، تتداخل فيه المصالح الأمنية والعسكرية مع المشاريع المدنية، ما يضعف من قدرة الحكومة المركزية على فرض سيطرتها الكاملة على الموارد والقرارات الاقتصادية.
وتجد حكومة محمد شياع السوداني نفسها أمام معادلة معقدة، فمن جهة، تسعى إلى تنفيذ مشاريع بنية تحتية حيوية في مجالات الاتصالات والطاقة والطرق في ظل ضغوط زمنية ومالية، ومن جهة أخرى، تواجه ضرورة ضبط نفوذ القوى المسلحة التي تمتلك امتدادات اقتصادية وسياسية داخل مؤسسات الدولة.
ويرى بعض المراقبين أن منح العقود لشركات الحشد الشعبي قد يكون خيارا براغماتياً يهدف إلى تجنب الصدام مع هذه القوى التي تُعدّ جزءاً من التحالف السياسي الداعم للحكومة، خصوصا أن السوداني يعتمد على ائتلافات شيعية تضم فصائل الحشد لضمان استقرار حكومته.
لكن هذا النهج، وفق محللين، يهدد بتوسيع الفجوة بين مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، ويعزز ثقافة "تقاسم النفوذ" على حساب بناء مؤسسات مستقلة، فكلما اتسعت دائرة نفوذ الحشد في الاقتصاد، تقلّصت قدرة الدولة على فرض رقابتها على المال العام والبيانات السيادية، وهو ما قد يقوّض الجهود الجارية لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وتنويعه بعيداً عن منطق المحاصصة والولاءات.
وتزامنت الضجة المثارة حول عقد "المهندس" مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض حزمة جديدة من العقوبات في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، استهدفت شركات وشخصيات عراقية قالت واشنطن إنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وكتائب حزب الله. وجاءت "شركة المهندس" ضمن الكيانات المعاقبة بتهم تتعلق بـ"الفساد وغسل الأموال وتمويل الجماعات المسلحة".
وبحسب مراقبين، فإن توقيت العقوبات الأميركية لم يكن صدفة، إذ يحمل رسالة مزدوجة إلى بغداد وطهران معاً: الأولى مفادها أن واشنطن تراقب تمدد النفوذ الإيراني الاقتصادي داخل العراق، والثانية أن أي محاولة لتكرار نموذج "الحرس الثوري" في الساحة العراقية ستواجه بقيود دولية متزايدة.
وتضع هذه العقوبات الحكومة العراقية في موقف دقيق، فهي مطالبة بالموازنة بين الحفاظ على سيادتها ورفض الإملاءات الخارجية من جهة، وبين تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن التي تعدّ أحد أهم شركائها الاقتصاديين والأمنيين من جهة أخرى.
وتحاول بغداد منذ فترة تبنّي خطاب "الاستقلال الاقتصادي والسيادي"، الذي يهدف إلى تقليص التبعية المزدوجة لكل من الولايات المتحدة وإيران، غير أن الواقع الميداني يبرهن أن الاقتصاد العراقي ما يزال رهين التوازنات السياسية والإقليمية وأن مؤسسات الدولة تواجه صعوبة في فرض سيادتها الكاملة على مواردها وقراراتها.
وفي حين تدافع الحكومة عن حقها في التعاقد مع أي شركة "حكومية"، يرى منتقدوها أن هذا التعريف الفضفاض يفتح الباب أمام فصائل تمتلك طابعاً عسكرياً للدخول إلى مجالات مدنية حساسة، ما يخلق حالة من الغموض بين مفهوم الدولة ومفهوم القوة الموازية لها.
ويشير باحثون في الشأن العراقي إلى أن مثل هذه العقود تمثل اختبارا لقدرة الدولة على ضبط حدود العلاقة بين الأمن والاقتصاد، خاصة في قطاعات استراتيجية كالاتصالات، حيث يمكن لأي خلل في إدارة المعلومات أن ينعكس على الأمن الوطني والسيادة الرقمية.
معضلة الدولة المزدوجة
وفي التحليل الأعمق، تكشف قضية عقد "المهندس" عن الطبيعة المزدوجة للدولة العراقية المعاصرة: دولة تحاول بناء مؤسساتها الحديثة واستعادة ثقة مواطنيها، لكنها في الوقت نفسه تحتوي داخلها كيانات عسكرية واقتصادية ذات استقلال نسبي، تفرض نفوذها على القرار السياسي والاقتصادي.
ويخشى عراقيون أن يؤدي استمرار هذا النمط إلى ترسيخ نموذج "الدولة داخل الدولة"، حيث تمتلك الفصائل المسلحة أذرعاً مالية واقتصادية تتيح لها الاستمرار حتى في حال تغيّر موازين السلطة أو الضغوط الدولية.
ورغم محاولات وزارة الاتصالات العراقية نفي أي شبهة تتعلق بتسليم إدارة الشبكة إلى أطراف غير حكومية، فإن القضية تتجاوز الإجراءات الشكلية إلى جوهر العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، فالعقد مع شركة "المهندس" لم يعد مجرد ملف إداري أو اقتصادي، بل أصبح رمزاً لصراع أعمق حول مستقبل الدولة العراقية: هل ستتمكن من ترسيخ سيادتها ومؤسساتها المدنية، أم أنها ستواصل التعايش مع نفوذ موازٍ يزداد رسوخاً في مفاصلها؟
والجدل الذي تفجّر حول هذا العقد ليس سوى أحد تجليات الصراع بين منطق الدولة ومنطق القوة، بين الرغبة في بناء اقتصاد وطني مستقل، والواقع الذي تفرضه موازين القوى الداخلية والإقليمية. وفي النهاية، يبدو أن مستقبل العراق الرقمي والاقتصادي سيظل مرهوناً بقدرته على حسم هذا التناقض البنيوي بين الأمن والسيادة، وبين الدولة وامتداداتها غير الرسمية.