عقول إماراتية ترسم أول خريطة جينية عربية

جامعة محمد بن راشد للطب تطلق مرجعًا جينوميا عربيا شاملا يمثل تحولا نوعيًا في الطب الدقيق يهدف إلى سد الفجوة الجينومية بين المنطقة وبقية العالم.

دبي – أعلنت جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية التابعة لـ "دبي الصحية" عن نشر "مرجع جينومي عربي شامل" يُعرف بـ "Arab Pangenome Reference"، وذلك ضمن دراسة منشورة في مجلة "Nature Communications".

ويُعد هذا المشروع علامة نوعية في مسيرة الطب الدقيق بالعالم العربي، إذ يمثل خطوة عملية نحو تحقيق "العدالة الجينومية" وتقليص الفجوة المعرفية بين البيانات العالمية والسكان العرب.

واعتمد المشروع على تحليل متقدم لتسلسل الحمض النووي لـ "53 فردًا" من خلفيات عربية متنوعة.

وكشف الفريق البحثي عن أكثر من "111 مليون زوج قاعدي" لم تكن مدرجة ضمن مراجع مثل "GRCh38" و"T2T‑CHM13"، وهو ما يبرز قِدْر الفرق بين التمثيل الوراثي العربي والنماذج العالمية. البيان

إضافة إلى ذلك، تم تحديد نحو "8.94 مليون متغيّر صغير" وأكثر من "235 ألف متغيّر بنيوي" ذات ارتباط دقيق بالأمراض الوراثية الشائعة في المنطقة. كما لوحظ لدى جميع المشاركين "تكرار جيني لجين TAF11L5"، الأمر الذي يعزز احتمالات فهم التعبير الوراثي واستجابة الأدوية في السياق العربي.

أشارت الدراسات إلى أن هذا الجين قد يكون له دور محوري في تنظيم نشاط جينات أخرى، ما يفتح الباب لفهم أعمق للمخاطر الصحية التي قد تواجه الأفراد العرب، بالإضافة إلى كيفية تفاعل أجسامهم مع العلاجات المختلفة. ويُعدّ هذا الاكتشاف خطوة واعدة نحو تطوير أبحاث طبية موجهة خصيصًا للسكان العرب.

وفي سياق موازٍ، تم ابتكار أداة معلوماتية متقدمة تُدعى "PanScan"، وُضعت خصيصًا لتسهيل تحليل الجينومات البشرية المعقدة. تتيح هذه الأداة للباحثين إمكانيات غير مسبوقة لرصد التضاعفات الجينية والمتغيرات الوراثية وبُنى الحمض النووي المعقدة.

وتم إطلاق الأداة على منصة "GitHub"، إحدى المنصات المعتمدة عالميًا في مجال البحث العلمي، لتكون دعامة تقنية للمرجع الجينومي العربي، وتعزز بذلك من فرص التعاون العلمي مع المبادرات الجينومية الأخرى حول العالم.

ووصف البروفيسور علوي الشيخ علي، المدير التنفيذي للشؤون الأكاديمية في "دبي الصحية" وجامعة محمد بن راشد، المشروع بأنه يمثل "تمثيلاً حقيقيًا" للتنوع الجيني العربي، بعدما ظَل العرب مهملين في مراجع الجينوم العالمية.

 وأضاف أن هذا الإنجاز يمكّن من فهمٍ أعمق للأصول الجينية للأمراض والموروثات الوراثية الخاصة بالمنطقة.

في السياق ذاته، دشّنت دولة الإمارات "إستراتيجية الجينوم الوطنية" للفترة 2023–2033، بحضور قيادي رفيع، تهدف إلى بناء منظومة تشريعية وبنية بيانات آمنة وتطوير كوادر مؤهلة في علوم الجينوم، وتعزيز الشراكات الطبية والبحثية داخليًا وخارجيًا. ومن أبرز ملامحها برنامج "المليون جينوم" الذي يستهدف جمع بيانات جينية من مواطني الدولة بكثافة.

وأكّد الشيخ محمد بن زايد والمغفور له الشيخ محمد بن راشد أن هذه الإستراتيجية تكرس مكانة الإمارات كمركز عالمي متقدم في البحث الطبي والابتكار، وتبني مستقبلًا صحيًا يرتكز على التكنولوجيا المتقدمة.

يُمثّل هذا المرجع الجيني فرصة حقيقية لنقلة نوعية في التشخيص الطبي المبكر والعلاج المُفصّل بحسب التركيبة الوراثية لكل فرد. كما يُعد موردًا حيويًا لتطوير أنظمة الفحص قبل الزواج، وتوجيه الأدوية بعلم الدواء ("pharmacogenomics")، ما يدعم برامج صحية أكثر فعالية ويقلل من خطر المضاعفات الدوائية.

وهذا الإنجاز الإماراتي يمثل خطوة واضحة نحو تمكين الطب الدقيق، يعالج التفاوت في التمثيل الجيني العربي، ويضع المنطقة في قلب خارطة الابتكار الصحي العالمي، مترجمًا رؤية وطنية طموحة تعكس تطلعات أممية في الرعاية والتميز العلمي.