عندما تُعرقل الحكومة الاتحادية طريق التنمية في إقليمها

أكثر ما يثير القلق ليس فقط حرمان الإقليم من مستحقاته، بل الطريقة التي يُدار بها ملف التمييز المالي والإداري ضد كردستان داخل الدولة العراقية.

لم يعد خافيًا على أحد أن العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد تمر بأكثر مراحلها تعقيدًا، لا على مستوى السياسة فحسب، بل في صميم القضايا المعيشية للمواطنين. والملف الأكثر إيلامًا والأكثر استخدامًا كورقة ضغط سياسية هو بلا شك ملف الرواتب، الذي تحوّل من استحقاق قانوني إلى سلاح جماعي يُشهر في وجه أكثر من مليون موظف وأسرة في الإقليم.

الأسبوع الماضي كان كاشفًا وصادمًا في آن، ففي الوقت الذي أعلن فيه عن اتفاق مالي جديد بين أربيل وبغداد يقضي بتسليم كردستان 230 ألف برميل نفط يوميًا عبر شركة "سومو"، و120 مليار دينار من الإيرادات غير النفطية شهريًا، شهدت حقول نفطية حيوية في أربيل ودهوك وزاخو هجمات بطائرات مسيرة مفخخة، أدت إلى تدمير منشآت وخزانات أنابيب، وإجلاء الطواقم الأجنبية العاملة في تلك الحقول.

الغريب في المشهد أن الحكومة الاتحادية اكتفت بالقول إن تلك المسيّرات "صنعت خارج العراق"، دون أن تُفصح عن الجهة المسؤولة، أو عن أي إجراءات قانونية أو ميدانية لملاحقة الفاعلين، رغم معرفتها، بحسب بياناتها، بهوياتهم ومصادرهم. هذا الصمت، بل هذا العجز (أو التواطؤ؟)، لا يمكن عزله عن سياق سياسي أوسع، يبدو أن أطرافًا نافذة في بغداد لا تزال ترى فيه إقليم كردستان كيانًا غير مرغوب فيه عندما يبادر بحلول ناجحة أو خطوات تفاوضية مستقلة.

بحسب ما كشفه رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، فإن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الحكومة الاتحادية تضمّن نقاطًا واضحة: تسليم النفط، الإيرادات غير النفطية، وتفعيل نظام التوطين، وهو ما تم تطبيقه فعليًا. إلا أنه، وبشكل مفاجئ، أُضيفت فقرة جديدة بعد التوقيع، تنص على أن الحكومة الاتحادية لن ترسل الرواتب إذا لم يُسلَّم كامل عدد البراميل المطلوب يوميًا.

لكن المفارقة المأساوية، كما يصفها بارزاني، أن الحقول المستهدفة بالطائرات المسيّرة لم تعد قادرة على إنتاج الكمية المحددة، ورغم زيارة وفد اتحادي للحقول المتضررة واطلاعه ميدانيًا على حجم الأضرار، فإن بغداد لم تُفرج عن الرواتب.

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: حين يتحول الاتفاق إلى فخ، والتنفيذ إلى عقوبة، والضحية في كل الأحوال هو المواطن الكردستاني.

أكثر ما يثير القلق ليس فقط حرمان الإقليم من مستحقاته، بل الطريقة التي يُدار بها ملف التمييز المالي والإداري ضد كردستان داخل الدولة العراقية. وفي هذا السياق، قدّم مسرور بارزاني أرقامًا لا يمكن إلا أن تُقلق أي مواطن عراقي حريص على وحدة الدولة وعدالة توزيع ثرواتها:

3.5  ملايين موظف تم تعيينهم في مؤسسات الدولة العراقية خلال السنوات الماضية، ولا واحد منهم من إقليم كردستان.

من بين 7 ملايين مستفيد من برامج الرعاية الاجتماعية، هناك فقط 72 ألفًا من كردستان، أي ما يعادل 1 في المئة فقط، رغم أن الإقليم يمثل حوالي 14 في المئة من سكان العراق.

حصلت الحكومة العراقية على 50 مليار دولار كقروض دولية للمشاريع التنموية، لم يُخصص منها أي جزء للإقليم.

تقرر إنشاء 2000 مدرسة و150 مستشفى في أنحاء العراق، دون تخصيص أي منها لكردستان.

إنها أرقام لا تحتمل أي تأويل، وتفضح بشكل جلي سياسة الإقصاء والتهميش التي تُمارَس ضد الإقليم، رغم كونه كيانًا فدراليًا منصوصًا عليه دستوريًا.

اللافت أكثر أن العراق، حتى هذه اللحظة، لا يمتلك قانونًا وطنيًا شاملًا للنفط والغاز، رغم أن هذا الملف يمثّل شريان الاقتصاد العراقي. ومع ذلك، اختارت المحكمة الاتحادية العليا أن تلغي قانون النفط والغاز الصادر من برلمان كردستان، وهو قانون نظّم العلاقة بين الموارد والثروات والمواطنين على مدى أكثر من عقد.

هل كان المطلوب من كردستان أن تنتظر بغداد حتى تُقر قانونًا لم تقدر على كتابته خلال 20 عامًا؟ أم أن المسألة ليست قانونًا بل نية سياسية لإضعاف أي نموذج ناجح للحكم المحلي؟

وفي مشهد متناقض، جاء افتتاح مشروع الإمدادات السريعة لتوصيل المياه في أربيل ليقدّم صورة مختلفة: حكومة محلية تحقّق إنجازًا استراتيجيًا بتكلفة 480 مليون دولار، وفي مدة تنفيذ لم تتجاوز عامًا واحدًا. مشروع يوصف بأنه "الأضخم في العراق"، ويعتمد على كوادر ومهندسين محليين، ويعالج أزمة عمرها عقود.

لكن السؤال هنا: كيف تستمر هذه الحكومة في إنجاز مشاريع كبرى وسط هذا الحصار المالي والسياسي؟ الجواب يكمن، كما قال رئيس الحكومة، في صبر المواطنين وثقة القطاع الخاص ودعم القيادات المخلصة.

الواقع الذي يعيشه إقليم كردستان اليوم يضع أمامنا حقيقة مرّة: بغداد لا تتعامل مع الإقليم كشريك في الدولة، بل كـ"تابع متمرّد" يجب تطويعه، ولو على حساب الموظف البسيط أو الطفل الذي لا يجد مدرسة، أو المريض الذي ينتظر دواءً لم يصل.

في الختام، فإن كل ما تطالب به حكومة كردستان هو الالتزام بالدستور العراقي، والاعتراف بأن الفدرالية ليست منّة من بغداد، بل نظام حكم أقرّه الشعب. وما لم تتغير هذه الذهنية المركزية، فإن العراق سيبقى مقسمًا فعليًا، وإن لم يُعلن ذلك رسميًا.

ختاما نقول، أن إقليم كردستان ليس طامعًا في أكثر من حقوقه، ولا يسعى إلا إلى إدارة شؤونه بما يليق بكرامة مواطنيه. وإن استمرّت الحكومة الاتحادية في سياسة التجويع والتهميش والتسويف، فإن السؤال الذي سيطرحه كل مواطن كردي ليس "متى ترسلون الرواتب؟" بل "متى نتوقف عن انتظارها؟"