تهديد منظم للبنية التحتية بإقليم كردستان عبر الطائرات المسيّرة

تكرار الاعتداءات لا يمكن التعامل معه كأحداث عابرة، بل هو نمط تصعيدي خطير قد يؤدي إلى تقويض منجزات سنوات من التنمية والاستقرار ويضع مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد على المحك.

شهد إقليم كردستان خلال النصف الثاني من شهر يوليو/تموز 2025 تصعيدًا خطيرًا في الهجمات الجوية التي نفذتها طائرات مسيّرة مفخخة، مستهدفة مواقع حيوية شملت مطارات وحقول نفط وشبكات بنى تحتية مدنية.

تكرار هذه الهجمات وتنوع مواقعها الجغرافية يشيران إلى تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجه الإقليم، ما يطرح تساؤلات ملحّة حول الجهات المنفذة والأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذا التصعيد وتداعياته على الوضعين الاقتصادي والسياسي.

ووفقًا لبيانات رسمية صادرة عن جهاز مكافحة الإرهاب ووزارات إقليم كردستان، فقد سُجّل بين 11 و17 يوليو/تموز ما لا يقل عن 13 هجومًا بطائرات مسيّرة مفخخة، استهدفت محافظات أربيل ودهوك والسليمانية. وقد طالت هذه الضربات مواقع استراتيجية بارزة من بينها حقل "خورمله" النفطي ومطار أربيل الدولي ومنشآت تعود لشركتي DNO وHKN  في مناطق بيشخابور وباعدرى وتاوكي، فضلًا عن قرى قريبة من البنية التحتية المدنية في ناحيتي شمامك وبحركة.

ورغم أن غالبية هذه الهجمات لم تسفر عن خسائر بشرية مباشرة، فإن آثارها الاقتصادية والأمنية كانت ملموسة، خصوصًا بعد إعلان وزارة الثروات الطبيعية في حكومة الإقليم عن وقوع أضرار مادية في عدة منشآت وتوقف العمل مؤقتًا في بعضها.

اللافت أن هذه الهجمات لم تكن مجرد عمليات معزولة، بل ظهرت ضمن نمط منهجي من التوقيت والتنفيذ، حيث تكررت ضربات على مواقع بعينها بفارق ساعات أو أيام قليلة. هذا التزامن لا يمكن فصله عن محاولة واضحة لاستنزاف قدرة الإقليم على تأمين منشآته الحيوية وفرض ضغط متعدد الأوجه، سياسا واقتصاديا في مرحلة شديدة الحساسية، فالهجمات تأتي في وقت يسعى فيه الإقليم إلى حل الخلافات مع الحكومة الاتحادية، خصوصا في ما يتعلق بملف النفط ورواتب موظفي كردستان والتي لم تُصرف منذ أكثر من 80 يومًا.

كما يتزامن ذلك مع محاولات لجذب استثمارات أجنبية في قطاع الطاقة وتعزيز الإنتاج المحلي، ما يزيد من احتمال أن تكون هذه الهجمات موجهة لإفشال تلك الجهود، وزعزعة الاستقرار في بيئة الأعمال داخل الإقليم.

وفي بيان صدر بتاريخ 16 يوليو/تموز، أدانت وزارة الثروات الطبيعية بشدة استهداف المنشآت النفطية، مؤكدة أن الهجمات تسببت بخسائر مادية وأثّرت على سير العمل في عدد من الحقول، لا سيما في خورمله وسرسنك وتاوكي وباعدرى. ودعت الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف جاد لحماية العاملين والمنشآت الاقتصادية في الإقليم.

من جهتها، أصدرت رئاسة إقليم كردستان بيانًا اعتبرت فيه هذه الاعتداءات تهديدًا مباشرًا لسيادة العراق وخطرًا واضحًا على بيئة الاستثمار المحلي والأجنبي، محذرة من أن استمرارها سيقوّض الأمن والاستقرار في عموم البلاد.

إن استهداف إقليم كردستان عبر طائرات مسيّرة مفخخة يشكّل تطورا نوعيا في أدوات الصراع، حيث تعتمد الجهات المنفذة على وسائل متطورة دون الدخول في مواجهة مباشرة، وهو ما يكشف عن ضعف في قدرات الدفاع الجوي، على مستوى العراق عمومًا كما يثير هذا التصعيد تساؤلات جادة حول مدى قدرة الدولة العراقية على حماية أجوائها ومنشآتها الحيوية، في ظل غياب رد واضح من الحكومة الاتحادية، وهو ما قد يُفسر – بقصد أو دون قصد - على أنه علامة ضعف أو لا مبالاة، ما يشجع على استمرار أو حتى تصعيد الهجمات.

الخطورة في هذا السياق لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد لتشمل الاقتصاد الوطني العراقي ككل، حيث أن المساس بالبنية التحتية النفطية في الإقليم من شأنه أن ينعكس سلبا على الإيرادات العامة، وعلى ثقة المستثمرين المحليين والدوليين وهذا يستدعي استراتيجية وطنية شاملة للدفاع الجوي وتنسيقًا أمنيًا فعالًا بين أربيل وبغداد، إلى جانب ضغط دبلوماسي دولي على الجهات المسؤولة عن تنفيذ هذه الهجمات التي لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن، رغم أن أصابع الاتهام تشير إلى جماعات مسلحة تنشط خارج سيطرة الدولة وتتمادى في تحديها حتى للحكومة الاتحادية.

إن تكرار هذه الهجمات لا يمكن التعامل معه كأحداث عابرة، بل هو نمط تصعيدي خطير قد يؤدي إلى تقويض منجزات سنوات من التنمية والاستقرار ويضع مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد على المحك. وعليه، فإن التصدي لهذا التهديد لا يمكن أن يكون شأنًا محليًا، بل مسؤولية سيادية عراقية مشتركة تتطلب قرارات حاسمة وإجراءات عاجلة قبل فوات الأوان.