عين مصر على إيران
اتسعت دوائر الاهتمام بحماية المصالح المصرية، ولم تعد قاصرة على ما يجري في محيطها الإقليمي القريب، وما يؤثر على أمنها المباشر، وأكدت تطورات عديدة أن ما يدور في مناطق بعيدة له ارتدادات على أخرى قريبة، وقدم تدخل الولايات المتحدة في فنزويلا وإلقاء القبض على رئيسها مادورو ومحاكمته في نيويورك درسا مهما، تتجاوز تأثيراته أميركا اللاتينية، ويمكن استشفاف كثير من العبر، التي تشير في معمظها إلى أن هناك نظاما دوليا يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشكيله على مقاسه ومزاجه وتوجهاته العقائدية، ما يحمل في طياته تداعيات لا أحد يعلم المدى الذي يمكن أن تصل إليه، ومواقف وردود فعل القوى الأخرى منها.
هذه مقدمة ضرورية لمعرفة لماذا تمنح مصر المزيد من الاهتمام لما يدور داخل إيران ومن حولها، ويتجاوز في مجمله ما كان يظهر من ملامح في سياستها الخارجية والأمنية، فإيران دولة محورية في المنطقة، ولها امتدادات واسعة ونفوذ معتبر في عدد من دولها، قد يكون ذلك تراجع أو في سبيله إلى التراجع، لكنها لا تزال عنصرا مهما، وسيحدد مصيرها جوانب عدة في ما تشهده المنطقة من تطورات لاحقة.
لعل الحلقات التي شاهدناها خلال العامين الماضيين، بدءا من حرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران، وتوابعها الأميركية، عسكريا وسياسيا وإعلاميا، وحتى عمليات تقليص أجنحتها الأمنية في المنطقة، تؤكد أن ملف طهران لم يغلق بعد، ومرشح أن يشهد فصلا جديدا أشد قسوة خلال الفترة المقبلة، وما جعل مصر وغيرها من الدول العربية تبدي اهتماما مضاعفا بنتائج ما يمكن أن يحدث مع إيران هو اندلاع مظاهرات حاشدة في بعض شوارعها، وسعي دؤوب من قبل الإدارة الأميركية لاستثمارها سياسيا، ونفخ إعلامي تقوم به إسرائيل من أجل خلخلة النظام الحاكم في طهران.
أبدت بعض التقديرات المصرية في أوقات سابقة قدرا من عدم الارتياح للنظام الإيراني، وتوجهاته نحو تصدير الثورة، غير أن السنوات القليلة الماضية ظهر نوع من التقارب النسبي، جزء منه معلن والغالبية خفي، وتم تحاشي التقاطعات السلبية في بعض الملفات الإقليمية، أو على الأقل تمت تنحيتها جانبا، والبناء على النقاط الإيجابية المحدودة، وشاع مبدأ "لا ضرر ولا ضرار".
في بعض القضايا التي طفت على السطح وتنافرت فيها المصالح وحملت في أحشائها نواة لروافد سلبية تم تطويقها سريعا، واحتواء ما خرج عنها من تطورات قاتمة، كما هو الحال مع جماعة الحوثي باليمن، المدعومة من إيران، وأثرت عملياتها العسكرية ضد إسرائيل على الملاحة في البحر الأحمر، وتكبد ممر قناة السويس خسائر فادحة.
وصل الطرفان أخيرا إلى قناعة مستترة بأن الخلاف الحاد سوف يفسد للود كل قضية، وأن التهميش أفضل طريقة تمكن كلاهما من الحفاظ على الحد الأدنى من المصالح المشتركة، وعلى هذا المنوال مضى كل طرف في الطريق الذي يعزز مصالحه المباشرة، ويبعده عن الاحتكاك أو الصدام مع الطرف الآخر.
يأتي انزعاج القاهرة الحقيقي من أن أي خلخلة واسعة في بنية النظام الحاكم في طهران ستؤدي إلى سقوطه، ما يحدث فجوة كبيرة في النظام الإقليمي، والذي يعاني من عدم توازن في الأعوام الأخيرة، وميل فاضح لصالح إسرائيل، وأي فوضى تظهر معالمها في إيران لن تقتصر على نطاقها الداخلي، فهناك روابط اجتماعية ومذهبية واقتصادية مع عدد من دول الجوار، وثمة مصالح مع دول أخرى وتدخلات عابرة للحدود قامت بها طهران بشكل تعسفي، وشيدت بموجبها بنية خاصة بها، لها حلفاء وخصوم، وكلاهما تأثر بما جرى أو سيجري، ما يفرض تعاملا حكيما من قبل مصر.
لم ترفع مصر عينيها عن إيران لحظة، في حالات الوئام والخلاف والحذر، وفي كل مرحلة كانت هناك حالة خاصة من التعامل، وكثيرا ما رأينا تباينا في التقديرات حيال آليات تعامل القاهرة مع طهران، بعضها يؤيد الصدام، والبعض الآخر يدعم الوفاق، وفي الحالتين لم يتوقف الجدل والنقاش حول الطريقة المثلى للتعامل، في ظل بيئة إقليمية كشفت عن تركيز كبير على إيران، ورأت في تزايد نفوذها خطرا عربيا عارما، ولا بد من إيجاد وسائل لإحتوائه وترويضه، وربما اقصاؤه والتخلص منه نهائيا من خلال تشجيع قوى دولية كبرى على النيّل منها.
لم تعد هذه الفرضية مريحة لمصر، وبعض الدول العربية، لما تنطوي عليه من نتائج تضر بمصالحها مستقبلا، وتميل الفرضية الجديدة نحو إيجاد صيغة لمنع إنهيار النظام الإيراني بالقوة المفرطة، والحد من تشجيع المظاهرات الرامية إلى تغييره عبر خلق متاعب اقتصادية وفتنة اجتماعية وعقبات أمنية.
للحصول على مخرجات جيدة، على النظام الإيراني تغليب براغماتيته المعتادة، وعدم الإنجرار وراء رهانات طوباوية أو غيبية في التعامل مع الولايات المتحدة، فما قامت به واشنطن مع رئيس فنزويلا مؤخرا يوحي بإمكاينة تكراره في دول أخرى، لكن مع إيران من الصعوبة حدوثه حاليا، بعد نجاحها في تجفيف منابع جزء كبير من العملاء، وعلاج عدد من مكامن الضعف في نظامها وهياكلها الرئيسية ومؤسساتها المختلفة.
تراهن مصر على الحكم الفارسية القديمة المتعلقة بالخلاف المحسوب، وعدم اللجوء إلى استفزاز الرئيس دونالد ترامب من خلال اشهار سلاح القوة والصدام في هذه اللحظة الحرجة، فالرئيس الأميركي تنتابه حالة من استعراض العضلات على الساحة الدولية، وعلى طهران نزع فتيل ما ينجم عنها من احتكاك مباشر.
ومهما كانت رهانات إيران على حلفاء دوليين، مثل الصين وروسيا، فقد أثبت بعض التجارب صعوبة أن تتحمل أي منهما تكلفة الدخول في صدام مع الولايات المتحدة، ويميل كل منهما إلى تغليب المصالح المتبادلة معها، أو تركها تواصل طريق استخدام القوة، على أمل أن تسقط في الوحل، وتنزلق قدميها في مستنقع لن تنجو منه بسهولة.
تخشى القاهرة كثيرا من نتائج ما يمكن أن يحدث مع إيران، في ظل أجواء محمومة من دعم اللجوء إلى أسلوب القوة الغاشمة والتغيير بأدوات دراماتيكية، تقلب التوازنات التقليدية في المنطقة، والتي اعتادت مصر على التعامل معها بمرونة، وفهم دوافعها، ومعرفة أهداف القوى التي تقف خلفها، الأمر الذي مكنها من تجاوز كثير من السيناريوهات التي رمت إلى استهدافها، وهو ما واجهته القاهرة، ولا تزال، في كل من ليبيا وقطاع غزة والسودان والصومال والبحر الأحمر، وفي سوريا أيضا، ونجحت في تخطي حلقات رئيسية منه، ولا أحد يقطع أن هذه المشهدية تم تجاوزها بالكامل.
لذلك ليس من المصلحة العربية أن تتعرض طهران إلى خلل كبير، في ما بات يعرف بسياسة الاتزان الإستراتيجي التي تتبعها مصر، وأفصحت عنها كإطار عام لسياستها الخارجية، ما يجعل عينيها لا تفارق ما يحاك من ترتيبات في المنطقة، أو ما يتم تدبيره من أجل تدجين إيران وإخراجها من المعادلة الإقليمية لسنوات طويلة.