عُمان وسيط هادئ يدفع لتبريد جبهات التوتر في المنطقة

التحركات العُمانية الأخيرة تؤكد أن السلطنة لا تزال تمثل أحد أهم صمامات الأمان في المنطقة وقوة دبلوماسية ناعمة تسعى إلى تبريد جبهات التصعيد، مستندة إلى سجل من الحياد الإيجابي وسياسة متوازنة جعلت منها وسيطا وراعيا موثوقا يحظى باحترام دولي متزايد.
سلطان عمان يبحث مع لاريجاني تسوية أميركية إيرانية متوازنة
لاريجاني يلتقي في مسقط رئيس الفريق المفاوض لجماعة الحوثي
رؤية عمانية وازنة تدفع لنزع فتيل التوترات في المنطقة

مسقط - بحث سلطان عُمان هيثم بن طارق الثلاثاء، مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، مستجدات المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران وسبل التوصل إلى اتفاق يوصف بأنه "متوازن وعادل"، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي، فيما يأتي هذا اللقاء على وقع جهود دبلوماسية إقليمية ترمي إلى تهدئة التوترات واحتواء الأزمات، بينما تلعب عُان دورا محوريا في تهدئة التوترات والدفع بالحوار سبيلا لحل الأزمات وفق رؤية واضحة ودبلوماسية هادئة للتوصل الى تسوية متوازنة لأزمة الملف النووي الإيراني.

وتعود سلطنة عمان في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد التوتر وتداخل مسارات الصراع، إلى الواجهة مجدداً بوصفها مساحة آمنة للحوار وقناة موثوقة لتبريد جبهات التصعيد، مستندة إلى إرث دبلوماسي طويل وسياسة حياد إيجابي مكّنتها من بناء رصيد استثنائي من الثقة لدى أطراف متباينة المصالح.

ويأتي استقبال السلطان هيثم بن طارق لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في مسقط، في سياق دقيق، ليؤكد استمرار الدور العُماني كوسيط هادئ يسعى إلى تقريب وجهات النظر في واحدة من أكثر الملفات حساسية على الساحة الدولية، وهو ملف المفاوضات بين واشنطن وطهران.

ويعكس استضافة مسقط الجولة الأولى من المفاوضات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ثم بحث مستجداتها على أعلى مستوى سياسي في السلطنة، ثقة الطرفين في قدرة عُمان على توفير بيئة تفاوضية متوازنة، بعيدة عن الضغوط والاستقطابات الحادة، فالدبلوماسية العُمانية، التي لطالما التزمت خطاب التهدئة ورفض منطق المحاور، أثبتت عبر عقود أنها قادرة على لعب دور "الوسيط المقبول" لدى الجميع، دون أن تتحول إلى طرف في الصراع أو أداة في حسابات إقليمية ضيقة.

ولا يقتصر الدور العُماني على استضافة اللقاءات، بل يمتد إلى صياغة مقاربات سياسية تقوم على إعادة الاعتبار للحوار بوصفه الخيار الأقل كلفة والأكثر استدامة. وهو ما عكسه التأكيد المشترك خلال اللقاءات في مسقط على أهمية العودة إلى طاولة التفاوض، وتقريب وجهات النظر، وحل الخلافات بطرق سلمية بما يخدم أمن المنطقة والعالم.

وهذا الخطاب ليس جديداً على السياسة الخارجية العُمانية، بل يمثل جوهرها منذ عقود، حيث نجحت السلطنة في الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران في آن واحد، في وقت فشلت فيه دول أخرى في تحقيق هذا التوازن.

وتكتسب التحركات العُمانية الأخيرة أهمية إضافية في ظل تزامنها مع تطورات إقليمية ودولية حساسة، أبرزها القلق الإسرائيلي من أي اتفاق أميركي إيراني محتمل لا يحقق مطالب تل أبيب، وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن لبحث الملف الإيراني في المقام الأول.

وتبدو مسقط في هذا المشهد المعقد، وكأنها تعمل على خفض منسوب التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، عبر توفير قنوات تواصل غير مباشرة تسهم في امتصاص الصدمات السياسية.

كما أن اللقاءات الجانبية التي جرت في مسقط، سواء بين وزير الخارجية العُماني ونظيره الإيراني، أو بين لاريجاني ورئيس الفريق الحوثي المفاوض، تعكس إدراكا عُمانياً بأن أزمات المنطقة مترابطة، وأن تبريد جبهة ما قد ينعكس إيجاباً على جبهات أخرى. ورغم حساسية هذه اللقاءات وتشابك ملفاتها، حافظت السلطنة على نهجها القائم على عدم التدخل المباشر، والاكتفاء بدور المسهّل للحوار، دون تبني مواقف علنية حادة أو منحازة.

ولم يأت هذا الدور من فراغ، بل هو نتاج سياسة خارجية عُرفت بـ"الحياد الإيجابي"، حيث امتنعت عُمان عن الدخول في صراعات المحاور، وفضّلت الاستثمار في الدبلوماسية الهادئة وبناء الجسور. وقد أثبت هذا النهج جدواه في محطات تاريخية سابقة، أبرزها الدور العُماني في التمهيد للاتفاق النووي الإيراني عام 2015، حين كانت مسقط قناة التواصل السرية التي مهدت لاتفاق دولي واسع.

واليوم، ومع عودة الملف النووي إلى الواجهة، وتزايد المخاوف من التصعيد العسكري، يبدو أن عُمان تستعيد هذا الدور التاريخي، مدفوعة بإيمان راسخ بأن استقرار المنطقة لا يتحقق بالقوة، بل بالحوار والتفاهم. وفي عالم تتراجع فيه الثقة بالوساطات الدولية التقليدية، تبرز مسقط كنموذج لدبلوماسية صبورة، تراكم الثقة خطوة خطوة، وتعمل في الظل بعيداً عن الضجيج الإعلامي.

وتؤكد التحركات العُمانية الأخيرة أن السلطنة لا تزال تمثل أحد أهم صمامات الأمان في المنطقة، وقوة دبلوماسية ناعمة تسعى إلى تبريد جبهات التصعيد، مستندة إلى تاريخ من الحياد الإيجابي، وسياسة متوازنة جعلت منها وسيطاً موثوقاً يحظى باحترام دولي متزايد، في وقت تبدو فيه المنطقة بأمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الأدوار العقلانية.

وقد جاء اللقاء بين السلطان هيثم ولاريجاني في قصر البركة العامر في العاصمة مسقط، بعد أيام من استضافة سلطنة عُمان الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، في دور يعكس استمرار الثقة الدولية في الوساطة العُمانية، وقدرتها على جمع أطراف الخلاف في أجواء هادئة بعيدا عن التصعيد الإعلامي والسياسي.

وأفادت وكالة الأنباء العُمانية بأن الجانبين تناولا تطورات الحوار الإيراني الأميركي، وأكدا أهمية العودة إلى طاولة المفاوضات وتغليب لغة الحوار كمسار أساسي لحل الخلافات، بما يخدم الأمن والسلام في المنطقة والعالم. كما شددا على ضرورة تقريب وجهات النظر، وتجنب الخيارات التي من شأنها زيادة التوتر وفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة.

وعلى نفس المسار عقد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي لقاءً منفصلا مع لاريجاني، جرى خلاله تبادل وجهات النظر حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، مع التأكيد على أهمية الحوار والتعاون في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين.

وفي تطور لافت، التقى لاريجاني في مسقط رئيس الفريق المفاوض لجماعة الحوثي محمد عبدالسلام، وفق ما ذكرته قناة 'المسيرة' التابعة للجماعة، حيث تناول اللقاء العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، بما في ذلك المباحثات المتعلقة بالملف النووي الإيراني، مع تأكيد ما وصفته القناة بـ"وحدة الساحات" ضمن ما يعرف بمحور المقاومة.

وتأتي زيارة لاريجاني إلى مسقط في توقيت حساس، بالتزامن مع استعداد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، وسط مخاوف إسرائيلية من إمكانية التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني لا يلبي مطالب تل أبيب، خاصة فيما يتعلق بإنهاء البرنامج النووي الإيراني وتقييد برنامج الصواريخ البالستية.

وكان ترامب قد وصف الجولة الأولى من المفاوضات في مسقط بأنها "جيدة جدا"، مشيرا إلى وجود رغبة إيرانية قوية في إبرام اتفاق جديد، مع التخطيط لجولة ثانية خلال الأسبوع المقبل. وفي المقابل، تتمسك طهران برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، مقابل التزامها بتقييد برنامجها النووي، رافضة في الوقت ذاته إدراج ملفات أخرى، مثل برنامجها الصاروخي أو دعمها لجماعات مسلحة، ضمن أجندة التفاوض.

وأكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على الأهمية المحورية التي تضطلع بها سلطنة عُمان في تهيئة الأجواء الملائمة للحوار بين طهران وواشنطن، مشيدًا بالدور الإيجابي الذي تقوم به مسقط في مسار التهدئة الإقليمية ودعم الحلول السلمية للأزمات.

وأوضح في تصريحات لتلفزيون سلطنة عُمان، أن اللقاء الذي جمعه في مسقط بالسلطان هيثم بن طارق يعكس وجود رؤية واضحة ومشتركة لتعزيز العلاقات الثنائية، القائمة على أسس تاريخية وروابط وثيقة بين البلدين الصديقين، وتسير وفق نهج فاعل يحقق المصالح المشتركة، مشيرا إلى أن المباحثات تناولت واقع العلاقات الثنائية، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية، بما ينسجم مع مصلحة استقرار المنطقة.

وشدد لاريجاني على أن سلطنة عُمان تتمتع بإدراك دقيق لتعقيدات المشهد الإقليمي، وبخبرة متراكمة في مسارات الوساطة السابقة، ما يؤهلها للقيام بدور بنّاء وفاعل في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة. ووصف هذا الدور بأنه "إيجابي للغاية"، لافتًا إلى أن مسقط نجحت في توفير بيئة مواتية للحوار، بعيدًا عن الضغوط والتصعيد.

وحول المفاوضات الإيرانية – الأميركية التي تستضيفها مسقط وتحظى بمتابعة دولية واسعة، أوضح أن المسار التفاوضي شهد في مراحله السابقة تطورًا تدريجيًا، مؤكدًا أن بلاده منفتحة على المفاوضات متى ما اتسمت بالواقعية، معتبرا أن الموقف الإيراني في الجولة الأولى كان إيجابيًا، وأن المرحلة المقبلة قد تفتح المجال أمام تهدئة استراتيجية، أو على الأقل إعادة تموضع سياسي، وفقًا لنتائج الحوار.

وأكد لاريجاني أن إيران ترى منذ البداية أن الحرب ليست وسيلة لحل الخلافات، وأن النزاعات القائمة، سواء مع الولايات المتحدة أو على مستوى الإقليم، ينبغي معالجتها عبر الحوار والمحادثات. واعتبر أن الاعتماد على لغة القوة أسهم في تعقيد المسارات السياسية وإنتاج أزمات إضافية.

وأشار إلى أن نجاح المفاوضات مرهون بتوافر إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين، والالتزام بإطار معقول يركز على الملف النووي دون إدخال قضايا إضافية من شأنها تعقيد المسار. ولفت إلى أن هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمكن تحقيقه عبر التفاهم، مؤكدًا أن طهران تعلن بوضوح أنها لا تسعى إلى ذلك.

وفيما شدد على أنه لا يوجد جدول زمني محدد للمفاوضات، أعرب عن رغبة بلاده في التوصل إلى حلول واضحة دون إطالة، معتبرًا أن القضايا المطروحة قابلة للحل إذا توفرت الجدية اللازمة.

واختتم المسؤول الإيراني بالتأكيد على أن سلطنة عُمان، إلى جانب دول المنطقة، تمتلك مقومات كبيرة لدفع مسار الاستقرار والتنمية، مشددًا على أن تعزيز التعاون الإقليمي وحسن استثمار الطاقات المتاحة كفيلان بقيادة المنطقة نحو مرحلة جديدة من الهدوء والتطور.