غادة سيد تشرح المشاعر الإنسانية في 'السوار الذهبي'
المشاعر هي جوهر التجربة الإنسانية التي تمنح لحياتنا طابعها الفريد، وتؤثر على قراراتنا، وسلوكياتنا، وحتى صحتنا العقلية والجسدية. وفي علم النفس يتم تعريف المشاعر على أنها استجابات نفسية وفسيولوجية للمواقف التي نمر بها، من خلال تفاعلها مع أفكارنا وخبراتنا السابقة لتشكيل ردود أفعالنا اليومية.
والقارئ لمجموعة "السوار الذهبي" للكاتبة غادة سيد سوف يلاحظ كم المشاعر التي عبرت عنها الكاتبة في مجمل قصص المجموعة ككل، والتي تراوحت ما بين (القصة القصيرة ــ والقصة القصيرة جدًا) هذا إن دلَّ على شيء، إنما يدل على حرص الكاتبة على رصد بعض النماذج الإنسانية في إبداعاتها القصصية، وتقديمها للقارئ في صور متعددة.
وإذا أخذنا على سبيل المثال بعضًا من قصص المجموعة كمثال على ذلك، فسوف نلاحظ توارد هذه المشاعر وتأثيرها الممتد في القصة الأولى، وهي بعنوان "صعود اضطراري" حيث تتسم القصة بثيمة الفقد، ومشاعر الحرمان، فالشخصية الرئيسة في القصة تعاني من الحرمان من والدها، بسبب زواجه من أخرى، وهجره لأسرته الأولى، مما ولَّد هذه المشاعر عند بطلة القصة، والقاصة غادة سيد اختارت ألا تضع اسمًا للشخصية الرئيسة بالقصة، وذلك للتعميم، واعترافًا منها أن هذه الفتاة ليست الوحيدة التي تنتابها هذه المشاعر، بل هناك الكثيرات من أمثالها، وهي بذلك تطرق باب إحدى المشكلات الاجتماعية التي لها الأثر النفسي السيء على الأبناء، ألا وهي الانفصال الأسري، أو لنقل الطلاق، وبالرغم من أن معاناة هذه الفتاة امتدت إلى حياتها الزوجية أيضًا؛ إلا أن الكاتبة ختمت القصة خاتمة سعيدة حيث تقول في (ص 7): "عانقت أحلامها، حررتها لترفرف حولها بجناحي الفخر والسعادة، انتصرت في النهاية بعد أن غزلت من أيام الشقاء سبيلها الوحيد لصعود اضطراري". وهي دلالة رمزية على العزيمة والإصرار والرضا بما قسمه الله، وهي أيضًا مشاعر إنسانية نبيلة.
ومن القصص الجميلة في المجموعة قصة "رحلة سفر" هذه القصة التي تشعرك بالحيرة بعد الانتهاء من قراءتها، وتنتهي حيرتك حينما تقرؤها للمرة الثانية، حيث تكتشف أن القاصة نجحت في أن تجعل القارئ يشاركها التفكير لكشف أغوار هذه الشخصية الرئيسة، فما هي إلا حقيبة سفر قديمة عفا عليها الزمن، تُعجب بأخرى حديثة ذات ألوان وردية مبهجة، وهنا تتضح براعة القاصة وقدرتها على نسج بنيتها السردية متكئة على أنسنة الجمادات المتمثلة هنا في الحقائب، وكأنها تقول إن المشاعر والأحاسيس لا تتوقف على البشر فقط، لكن الجمادات أيضا يمكن أن يكون لها نصيب في ذلك.
امتدت الأنسنة في قصص المجموعة بما تحمله من مشاعر أيضًا إلى الحيوانات، وذلك في قصة "النمر والظبية"، وكذلك في قصة "قطرة ماء".
ونأتي إلى قصة "السوار الذهبي" والتي اتخذتها القاصة غادة سيد عنوانًا لمجموعتها، والحقيقة أنها قصة موجعة، مؤلمة، اجتمعت فيها وتجسدت الكثير من المشاعر المتناقضة، والتي لها كبير الأثر الممتد في النفس البشرية مثل: الحب ــ والكراهية … الأمل ــ وخيبة الأمل… الحنان ــ والقسوة، وكلها معانٍ تعرضت لها الشخصية الرئيسة من خلال البنية السردية للقصة، والتي رسمت فيها القاصة صورة إنسانية رائعة لفتاة تحلم "بسوارٍ ذهبي" تسعد به طوال حياتها، حتى تتزوج ويرزقها الله بطفلةٍ؛ فتجعل من هذا السوار هدية لها، وتطلب منها أن تحتفظ به لابنتها من بعدها، أي تتوارثه الأجيال، إنه حلم بسيط ومشروع، وبالرغم من أن هذه الفتاة عانت الكثير لتحقيقه؛ إلا أن تأخر حملها جعل من أمها سيفًا قاسيا يذبح حلمها، وذلك بطلبها إعطاء السوار لابنة أختها، وكأنها تقول لها بكل قسوةٍ "الحلمُ ليس من حقكِ" أنه من حق أختك التي تعودت على الإسراف وأخذ كل شيء دون معاناة. هذه التفرقة في المعاملة، والقسوة من الأم، لهما نموذج سيء لمثلها من الأمهات، الذي تضعه القاصة غادة سيد بين أيدينا اليوم، كي نمقته، ولا نتمنى وجوده في المجتمع.
إن المجموعة تحمل الكثير من هذه النماذج المليئة بالمشاعر الراقية أحيانا، والقاسية أحيانًا أخرى، التي جسدتها الكاتبة في مجموعة من القصص، تحملُ الكثير من الإبداع.