غرينلاند.. الهدف القادم لترامب
بعد اعتقال نيكولاس مادورو بطريقة هوليودية، والإسراف في تصويره بشكل مكثف مكبّلًا ومقتادًا من سجن إلى مركز تحقيق ثم إلى محكمة، بطريقة تسعى إلى ترسيخ نوع من الترهيب للآخرين ولِما هو قادم. وعلى ما يبدو، فإن القادم أو التالي هو جزيرة غرينلاند، التي أعلنها صراحة الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" هدفًا قادمًا، وأعلن أن الولايات المتحدة "بحاجة" إلى احتلال غرينلاند وانتزاعها فعليًا من الدنمارك.
وعلى ما يبدو، فإن سهولة اختطاف مادورو ستغذّي لدى واشنطن شعور التفوق المطلق، وستفتح شهيتها على مغامرات أخطر، لأن من ينجح مرة دون عقاب غالبًا ما يعتقد أن العالم كله أصبح قابلًا للكسر.
غرينلاند ليست جزيرة مجهولة على الهامش، فهي أكبر جزيرة على وجه الأرض (أكثر من مليوني كيلومتر مربع)، وموقعها بين أميركا الشمالية والقطب الشمالي يجعلها حجرًا استراتيجيًا في النظام العسكري الغربي. عدد سكانها لا يتجاوز 56 ألف نسمة وأغلبهم من شعب الإنويت واقتصادها هشّ جدًا ويعتمد بشكل كبير على الدعم المالي الدنماركي الذي يتجاوز نصف ميزانيتها.
الولايات المتحدة ليست غريبة عن الجزيرة أصلًا، فهي تمتلك قاعدة 'ثوليه' الجوية منذ عام 1951، وهي أهم موقع راداري أميركي في مواجهة روسيا، وفي عام 1946 عرض الرئيس الأميركي هاري ترومان شراء غرينلاند مقابل 100 مليون دولار، لكن الدنمارك رفضت رسميًا.
تتميز غرينلاند بموقع جيوستراتيجي مهم، فهي بوابة القطب الشمالي وعقدة الطريق بين أميركا وأوروبا وروسيا. من يسيطر عليها يستطيع مراقبة طرق الطيران ووضع رادارات إنذار مبكر للصواريخ العابرة للقارات، لذا يريد ترامب شراء الجزيرة حتى يقطع الطريق على النفوذ الصيني ويطوّق روسيا من الشمال.
تحتوي غرينلاند أيضًا على معادن نادرة ويورانيوم وموارد طبيعية أخرى، خاصة مع ذوبان الجليد وإمكانية الاستكشافات الجديدة. وقد اشترت أميركا ألاسكا من روسيا سابقًا، لكن غرينلاند تابعة للدنمارك، وسكانها يرفضون البيع، وطريقة طرح ترامب كانت فظة، فكيف يستطيع ذلك؟
يبدو أن فكرة شرائها مرفوضة من الدنمارك، لذلك أمام ترامب خياران: إما دعم استقلال غرينلاند الكامل ثم ضمّها لأميركا، أو السيطرة الوظيفية بحيث يتم جعل اقتصاد غرينلاند يعتمد على أميركا بالكامل، وزيادة القواعد العسكرية الأميركية فيها.
ترامب يتحدث بوضوح "نحن بحاجة إلى غرينلاند، نحن بحاجة إليها من أجل الأمن القومي. غرينلاند محاطة بسفن روسية وصينية"، ورئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن ترد "أدعو بقوة إلى أن توقف الولايات المتحدة تهديداتها ضد حليف تاريخي وثيق، وضد دولة أخرى وشعب آخر أعلن بوضوح شديد أنه ليس للبيع. الولايات المتحدة لا تملك أي سند قانوني لضم أيٍّ من الدول الثلاث في رابطة المملكة. وبالتالي، غرينلاند هي جزء من حلف الناتو، وهي بالتالي مشمولة بضمانات الأمن التي يوفرها الحلف. لدينا بالفعل اليوم اتفاقية دفاع بين الدنمارك والولايات المتحدة تمنح أميركا وصولًا واسعًا إلى غرينلاند، كما أننا استثمرنا بشكل كبير في أمن منطقة القطب الشمالي".
أما رئيس وزراء السويد أولف كريسترسون فقد أعلن عن "تضامن إسكندنافي" بقوله "فقط الدنمارك وغرينلاند لهما الحق في اتخاذ القرارات المتعلقة بهما. السويد تقف بشكل كامل إلى جانب بلدنا الجار"، فيما دقّ رئيس الوزراء البولندي ناقوس الخطر محذرًا من تفكك الحلف الغربي بقوله "لن يأخذ أحد أوروبا الضعيفة والمنقسمة على محمل الجد: لا عدو ولا حليف. لقد أصبح الأمر واضحًا الآن. يجب أن نؤمن أخيرًا بقوتنا، ويجب أن نواصل تسليح أنفسنا، ويجب أن نبقى متحدين كما لم نكن من قبل. وإلا، فقد انتهينا".
المفارقة الآن هي أن الاتحاد الأوروبي لن يستطيع فعل الكثير، لأن غرينلاند ليست عضوًا في الاتحاد أصلًا منذ انسحابها عام 1985، والدنمارك دولة صغيرة عسكريًا. والناتو، نظريًا، يفترض أن يحمي الدنمارك، لكن ماذا يفعل الناتو إذا كان المعتدي هو قوة من قوى الناتو نفسها؟ ولهذا، إن أقدمت واشنطن على خطوة بهذا الجنون، فسيدخل النظام الدولي مرحلة انهيار كامل، وستعيش أوروبا لحظة رعب تاريخية، لأنها ستفهم فجأة أن الوحش الأميركي لا يعترف بقانون ثابت ولا بحليف دائم، وأن ما تبقى من النظام الدولي يتساقط أمام أعيننا حرفيًا.