مادورو.. سقوط أحد 'حِواريّي' تشافيز!

عند إقالة ديلما روسيف، رأى مادورو في ذلك مؤامرة أميركية، واعتبر نفسه الهدف التالي بعد البرازيل.

يبدو أن هناك خيطًا ما رفيعًا يربط الدكتاتور بسلفه، ربما يكون مُندسًّا في جينات خفية، وربما يكون تماهيًا مستترًا، لتستمر حكاية الدكتاتوريات في العالم، وتستمر حكاية شعوب ضاقت ذرعًا بجلاديها.

لم يبذل نيكولاس مادورو جهدًا كبيرًا ليتقمص دور الدكتاتور، فقد تشرّب تفاصيله من سلفه هوغو تشافيز، الذي كان مادورو ظلًّا له وأمينًا على تركته الثقيلة.

عندما كانت رئيسة البرازيل ديلما روسيف تُقال من منصبها بعد فضيحة فساد اختلف البرازيليون حول مدى تورطها فيها، كان مادورو يتحسّس رأسه ويصرّح قائلًا "يبدو أنني التالي في المؤامرة الأميركية بعد روسيف"، فأعلن، بردّ فعل مفاجئ، حالة الطوارئ في فنزويلا في الثالث عشر من مايو/ايار 2016، متهمًا واشنطن بالسعي للإطاحة بحكومة كراكاس وإثارة انقلاب خفيّ ضده. فكان الرد الأميركي مستفزًا أكثر، بقول مسؤول في الـ"سي آي إيه": بالإمكان الإصغاء إلى تصدّع الجليد. هناك أزمة قادمة.

مادورو، سائق الحافلات الذي اقتفى أثر زعيمه المفضل تشافيز، وأصبح رئيسًا لخامس دولة منتجة للنفط في العالم، كان شاربه المميّز علامة فارقة لدى الفنزويليين، وحتى النساء منهم قلدنه (أنصاره بالطبع)، فوضعن رغوة سوداء فوق شفاههن العليا، واصفين شاربه بأنه "شارب أرض الآباء".

وخلال حملته الانتخابية، أطلق مادورو على نفسه وعلى وزراء حكومته اسم "حواريو تشافيز"، ووصف المعارضين بأنهم "فريسيون"، في إشارة إلى الطائفة اليهودية التي جاء في الإنجيل أنها جادلت السيد المسيح. وحكى مادورو كيف أنه تبادل التغريد مع طائر، بينما كان يصلّي في ضريح بمسقط رأس تشافيز، مما جعله يوقن بأن روح الزعيم الراحل زارته.

سخر معارضو مادورو من الأمر، واستغل رسامو الكاريكاتير الحكاية دون رحمة، واستخدموا أيقونة "تويتر" الشهيرة على شكل طائر، وصورًا من لعبة الفيديو الشهيرة "أنغري بيردز" للتهكم عليه.

هذا جانب طريف ومتناقض في شخصية سائق الحافلات الذي قاد المركبة الفنزويلية نحو الهاوية. مادورو من مواليد عام 1962 لأسرة عمالية، فقد كان والده، نيكولاس مادورو غارسيا، قائدًا بارزًا في النقابات العمالية، وتوفي في حادث سيارة عام 1989.

يُعرف بأنه "مختلط" في الجينات، فهو خليط عرقي من الشعوب الأصلية للأميركيتين والأفارقة. وذكر في مقابلة أُجريت معه عام 2013 أن "أجدادي كانوا يهودًا، من موريشباك غروند سيفارديك، وتحولوا إلى الكاثوليكية في فنزويلا".

العائلة اليسارية أثّرت في تكوين شخصية مادورو، فوجد مثله الأعلى في والده، وهو الولد الوحيد لشقيقات ثلاث. فعمل في الاتحادات الطلابية، لكنه لم يحصل على شهادة الدراسة الثانوية، فعوّض ذلك بالانخراط في العمل السياسي. وعندما بلغ الرابعة والعشرين من عمره، كان متواجدًا في العاصمة الكوبية هافانا لحضور دورة لمدة عام في المدرسة الوطنية، التي هي مركز التلقين السياسي الموجّه من قبل اتحاد الشباب الشيوعي.

عمل سائقًا للحافلات منضمًا لنقابة سائقي الحافلات، ولم يمنعه ذلك من العمل كحارس شخصي للمرشح الرئاسي خوسيه فيسنتي رانغيل عام 1983. وبقي في الظل يتحيّن الفرصة للتسلّق من جديد، فوجد ضالته في الحملة الشعبية لإطلاق سراح هوغو تشافيز من السجن بعد محاولته الانقلابية الفاشلة عام 1992. وبات في نهاية تسعينيات القرن العشرين من المقرّبين جدًا لتشافيز، فلعب دورًا فعالًا في تأسيس حركة الجمهورية الخامسة، التي دعمت تشافيز في رئاسته عام 1998، فكوفئ بانتخابه في مجلس النواب في العام نفسه، ثم في الجمعية الوطنية التأسيسية عام 1999، وأخيرًا في الجمعية الوطنية عام 2000، ودائمًا ممثلًا للعاصمة كراكاس، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمعية من عام 2005 حتى عام 2006، عندما عُيّن وزيرًا للخارجية.

وفي نقلة نوعية، عيّنه تشافيز نائبًا له عام 2012، وبدا واضحًا للجميع أن تشافيز يهيّئ تلميذه النجيب للرئاسة. فعندما عاوده مرض السرطان، وقبل سفره إلى كوبا للعلاج، أعلن أنه في حال تفاقم وضعه الصحي، فإن على الفنزويليين التصويت لصالح مادورو ليخلفه.

عند وفاة تشافيز في الخامس من مارس عام 2013، تولى مادورو سلطات ومسؤوليات الرئيس وسط خلافات حول انتهاكه للدستور، ثم انتُخب رئيسًا لفنزويلا بفوزه على مرشح المعارضة هنريكه كابريلس بفارق ضئيل، بلغ 1.5 بالمئة فقط من الأصوات. وطلب كابريلس على الفور إعادة فرز الأصوات، ورفض الاعتراف بالنتيجة المعلنة.

وبدأت الأزمة الدستورية تجتاح البلاد وسط قمع وعنف من مادورو ضد معارضيه والمحتجين، وحاول التغطية على ما يحدث في الشارع بإطلاق برنامج "الوطن الآمن"، في محاولة يائسة لخفض نسبة جرائم القتل في فنزويلا. كما حاول حل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، لكنه لم يتمكن من تحقيق أي نتائج إيجابية.

المعارضة الفنزويلية اعتبرت ما حدث انتهاكًا للدستور، وأن الإجراء الذي اتخذه مادورو يأتي في وقت لا يلتفت فيه للظروف المعيشية السيئة، مثل نقص الغذاء والدواء، وانقطاع التيار الكهربائي، والنهب، والفساد، وزيادة معدل التضخم، والاتجار بالمخدرات، وانتهاك حقوق الإنسان.

بعدها دخلت البلاد في نفق مظلم، وأزمة تتفاقم يومًا بعد آخر، وزاد الاحتقان حتى بلغ ذروته عام 2017، عندما تولت محكمة العدل العليا في فنزويلا السلطة التشريعية للجمعية الوطنية. ولأنها مؤيدة للرئيس مادورو، رفعت الحصانة الممنوحة لأعضاء الجمعية الوطنية، الذين ينتمي معظمهم إلى المعارضة، التي اعتبرت ما حدث انقلابًا حقيقيًا. ورغم عودة المحكمة عن قرارها، إلا أن ما حدث كان مؤشرًا على ما سيأتي من أحداث.

وبعد مناكفات بين المعارضة والنظام، وجد مادورو الحل بتعليق الاستفتاء وإلغاء الانتخابات، فخرج 1.2 مليون فنزويلي إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد مطالبين برحيله. وكان الصدام الذي أدى إلى مقتل شرطي واحد، وسلسلة من القتلى من المتظاهرين تجاوزت 120 شخصًا، وإصابة 147 آخرين.

وبقيت الأزمة تكبر يومًا بعد يوم، فيسقط قتيل من المتظاهرين بعد آخر، ولا يلوح أي أمل بالحل، مع تمسّك الطرفين بمواقفهما.

وبقيت فنزويلا، تحت قيادة مادورو، تعيش سلسلة من الاضطرابات والانتهاكات، وعلى وقع فساد يجتاح البلاد، ونسبة بطالة كبيرة، ومعارضة لم تستطع إحداث التغيير، وفوضى الأسلحة بيد الناس، ما أدى إلى ارتفاع خطير في معدلات الجريمة. وسط كل هذا، كانت الولايات المتحدة تعتبر أن هناك من يعبث في "الحديقة الخلفية لواشنطن". وربما يبدو هذا التعبير أو المصطلح الأميركي فجًّا، لكنه على أرض الواقع كان متجسدًا بلا رتوش.

وقد عبثت فنزويلا بتلك الحديقة عبر تفاهمات اقتصادية مع الصين، التي ضخّت مليارات الدولارات لكراكاس كقروض طويلة الأجل. وبدا واضحًا أن الصين تستثمر في كراكاس لأهداف استراتيجية، وليس لتشابه أيديولوجي كما تفعل روسيا. وكان دخول إيران وتحالفها مع فنزويلا مؤشرًا خطيرًا لدى الإدارة الأميركية، التي وجدت منطقة حيوية بالنسبة إلى اقتصادها تتسرّب من بين أصابعها كحفنة ماء عجلى. وخلال أقل من ساعة، كان ترامب يعتقل مادورو وزوجته، ويعلن أن كل مقدرات "الحديقة الخلفية لواشنطن" قد أصبحت تحت سيطرته، وأن الصين، إن لم تكن ضمن تفاصيل ما جرى فجر الثالث من يناير/كانون الثاني 2026 في فنزويلا، فإنها ستكون الخاسر الأكبر مما حدث.