فسيفساء العبور الإفريقيّ في 'الطانفا' للصديق حاج أحمد
كيف تُكتب رواية طريق من دون مدينة مركزية؟ كيف يمكن للسرد أن يتحرّك بين أمكنة متباعدة من غير أن يبحث عن عاصمة رمزية تحتضنه؟ ما الذي يحدث للهوية حين تتحوّل الجغرافيا إلى شبكة عبور، وحين يغدو الوطن محطة مؤقّتة داخل زمن العمل والهجرة؟ كيف تتداخل الذاكرة الفردية مع ذاكرة قارة كاملة، من غير خطاب تاريخي مباشر، ومن غير شعارات؟ وأي معنى للكتابة حين يصبح الجسد العامل والانتظار الطويل والمطارات والنُزل والطرق عناصر أساسية في بناء الحكاية؟
هذه الأسئلة تفتح باب الدخول إلى "الطانفا" للصديق حاج أحمد، الرواية التي تعيد ترتيب العلاقة بين المكان والذات والذاكرة، وتدفع القارئ إلى مواجهة سرد مختلف، يتحرّك خارج القوالب المألوفة، ويضع العبور في قلب التجربة الإنسانية والسردية.
يكتب الروائي الجزائري الصديق حاج أحمد في "الطانفا" عوالم تتحرّك على تخوم الجغرافيا والذات معاً، يتقدّم من العالم عبر السفر والعمل والهجرة، ويعود إلى الداخل عبر أسئلة الانتماء والكرامة والمعنى. وتراه يقترح سرداً مفتوحاً على التحوّل، حيث تتحوّل الرحلة إلى بنية فكرية، ويتحوّل الطريق إلى مساحة اختبار للإنسان المعاصر. تتأسس فكرة "الطانفا" على الرحلة باعتبارها تجربة وجودية. ولا يختزل السفر في الرواية في انتقال جغرافي، وإنما يتحوّل إلى حركة داخلية تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. الشخصيات تعيش بين ماضٍ يحمل آثار الوطن الأول، وحاضر مليء بالعمل المؤقت، ومستقبل مفتوح على الاحتمال. هذا الوضع الوسيط يصنع توتراً دائماً، ويضع الذات أمام سؤال الاستمرار في عالم سريع التحوّل.
وتشتغل الرواية على مفهوم العيش المؤقّت؛ إقامة مؤقتة، عمل مؤقت، علاقات مؤقتة، أفق مفتوح على تغيّر دائم. هذا المؤقت يتحوّل إلى نمط حياة، إلى بنية اجتماعية جديدة، ويكشف هشاشة فكرة الاستقرار في زمن الهجرة والعمل العابر للحدود.
تحمل الأمكنة في "الطانفا" وظيفة تتجاوز الإطار الوصفي. المدن الإفريقية، القرى، مواقع العمل، المعابر، الفنادق المؤقتة، تشكّل شبكة متداخلة من الفضاءات التي تعيد تشكيل وعي الشخصيات. المكان يفرض إيقاعه، يحدد حدود الحركة، ويصنع شروط الحياة اليومية. الأسواق المزدحمة، الطرق الطويلة، غرف الإقامة الضيقة، الموانئ، محطات الانتظار، كلّها عناصر تبني إحساساً دائماً بعدم الاستقرار، وتضع القارئ داخل زمن متحرّك لا يعرف السكون. وهذا التوتر يمنح المكان طاقة سردية عالية، ويحوّل الجغرافيا إلى عنصر فاعل في بناء المعنى. الطريق في الرواية يتحوّل إلى مساحة عبور مستمر، إلى امتحان للذاكرة والجسد، إلى مختبر تتغيّر فيه صورة الذات مع كل انتقال.
هذا الخيار السردي يعيد تشكيل علاقة القارئ بالمكان. بدلاً من التعلّق بفضاء مألوف يعاد إنتاجه عبر الوصف والذاكرة، يدخل القارئ في حالة تنقّل دائم، حيث يتغيّر المشهد قبل أن يستقر، ويتحوّل المكان إلى تجربة مؤقتة لا إلى بيت سردي دائم. الرواية هنا تكتب الجغرافيا بوصفها حالة عبور لا حالة إقامة، وتجعل الفضاء جزءاً من منطق الترحال العالمي المعاصر.
الأثر الأعمق لهذا التفكيك يكمن في ضرب فكرة "المركز" الثقافي والاقتصادي. المدن التي تظهر في الرواية، سواء في إفريقيا أو في أوروبا، لا تُقدَّم كمراكز قوة مطلقة، وإنما كفضاءات غير متكافئة، محكومة بقوانين العمل والهجرة والبيروقراطية. هذا التوازي بين الهشاشة في الجنوب والضغط المؤسسي في الشمال ينتج خريطة سردية جديدة، تقوم على التداخل لا على التقابل الحاد.
كما تشتغل "الطانفا" على طبقة ذاكرية مركّبة، حيث تتقاطع ذاكرة السارد الشخصية مع ذاكرة إفريقية أوسع تتحرّك في خلفية النص. السارد يستدعي طفولته، تجاربه الأولى، صدمات السفر والعمل، غير أن هذه الاستدعاءات لا تبقى في الإطار الذاتي، وإنما تنفتح باستمرار على سياق تاريخي واجتماعي أوسع: إرث الاستعمار، مسارات الهجرة القسرية، اختلالات سوق العمل العالمي، وأنماط التهميش الاقتصادي التي تطال أبناء الجنوب العالمي
هذا التداخل لا يُقدَّم عبر خطاب مباشر أو سرد تاريخي تقريري. الرواية تفضّل التسلّل الهادئ لهذه الذاكرة الجمعية عبر التفاصيل اليومية: مشهد عامل إفريقي منهك، حديث عابر في نُزل، انتظار طويل في مطار، خوف مشترك من فقدان فرصة العمل. بهذه التقنية، يتحوّل الفرد إلى حامل غير معلن لذاكرة جماعية، ويتحوّل السرد الشخصي إلى مرآة لبنية اجتماعية أوسع.
التوتر الناتج عن هذا التداخل يمنح الرواية عمقها الإنساني. السارد يعيش تجربته الخاصة، ويحمل في الوقت ذاته آثار تاريخ لم يختره بالكامل. هذا الازدواج يخلق وعياً مركّباً بالذات: ذات فردية تحاول النجاة، وذات جماعية مثقلة بإرث طويل من العبور القسري والعمل غير المتكافئ.
في هذا المستوى، تؤرشف "الطانفا" لذاكرة قارة متحرّكة من داخل التجربة اليومية، وهي لا ترفع شعار التاريخ، وإنما تجعله حاضراً في نبرة التعب، في صمت الشخصيات، في القلق المستمر، وفي الإحساس الدائم بعدم الأمان. هكذا تتحوّل الذاكرة إلى طبقة تحتية للسرد، تشتغل في العمق وتمنح الرواية بعدها السياسي والإنساني من دون خطاب مباشر.
الشخصيات في "الطانفا" تتشكّل عبر الحركة والعمل والاحتكاك اليومي. القارئ يلتقي بشخصيات تحمل تعب الرحلة، ضغط الحاجة، حلم العبور نحو حياة أقل قسوة. عامل موسمي، مهاجر مؤقت، عابر حدود، امرأة تبحث عن أمان، شاب محمّل بخيبة تعليم أو حلم سفر. هذه الشخصيات لا تدخل النص في هيئة نماذج مكتملة، وإنما تظهر ككائنات تتغيّر مع الأمكنة، وتتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية.
العلاقات بين الشخصيات تقوم على التلاقي المؤقّت. صداقات تتكوّن في العمل، تضامن عابر في الطريق، حوارات قصيرة تحمل داخلها شحنات عاطفية كثيفة. هذا النمط من العلاقات يعكس طبيعة العيش في فضاءات الانتقال، حيث يتحوّل الزمن إلى عامل ضغط، وتتحوّل الروابط إلى محاولات إنقاذ صغيرة داخل عالم قاسٍ.
تتحرّك الشخصيات في هيئة نماذج إنسانية واضحة المعالم الاجتماعية. السارد نفسه يظهر مهاجراً عاملاً يتنقّل بين وظائف مؤقتة. نلتقي سائقي أوبر الذين يشكّلون شبكة عمل يومية داخل المدينة، وعمّالاً موسميين في مواقع الزراعة والعمل اليدوي، ونزلاء النُزل من مهاجرين شبّان قدموا من غرب إفريقيا والقرن الإفريقي، يتبادلون النصائح حول الإقامة والعمل والطرق الأرخص للعيش. كما تظهر شخصيات نسائية عابرة داخل فضاءات الإقامة والعمل، تحمل بدورها ثقل الهجرة والبحث عن الأمان الاقتصادي والاجتماعي.
الجسد يحتل موقعاً مركزياً في بناء الشخصيات. الجسد يعمل، يرهق، يتنقّل، يتأقلم مع شروط صعبة. هذا الحضور الجسدي يمنح الرواية بعداً مادياً واضحاً، ويعيد الاعتبار إلى الإنسان العامل في زمن العولمة، الإنسان الذي يحمل على كتفيه ثقل الاقتصاد غير المتكافئ، ويواجه العالم عبر عضلاته وصبره وقدرته على الاحتمال.
تتجه مرامي الصديق حاج أحمد في "الطانفا" نحو كتابة الإنسان المعاصر في لحظة تاريخية مضطربة. تراه يفتح النص على إفريقيا المتعدّدة، على فسيفساء لغوية وثقافية وعرقية، ويمنح هذه الفسيفساء حضوراً عضوياً داخل السرد. التنوع يظهر في التفاصيل اليومية، من خلال طريقة الكلام، العادات، الإيماءات، الموسيقى، الطعام، العلاقات الاجتماعية. هذا الاشتغال يمنح الرواية بعداً إنسانياً واسعاً، ويضع القارئ أمام قارة حيّة، متحرّكة، بعيدة عن الصور النمطية.
الكاتب يسعى أيضاً إلى مساءلة منظومة العمل والهجرة من داخل التجربة اليومية. القوانين، الحدود، العقود الهشّة، نظرة الآخر، تظهر عبر أثرها على حياة الشخصيات، عبر الضغط النفسي، عبر الإحساس بالمراقبة والتهديد المستمر بفقدان الاستقرار. هذا المسار يمنح الرواية بعداً نقدياً هادئاً، قائماً على السرد والتجربة، بعيداً عن الخطاب المباشر.
في عمق هذا العمل يبرز سؤال الكرامة الإنسانية. كيف يحافظ الإنسان على صورته الداخلية في عالم يطالبه بالتكيّف الدائم؟ كيف يعيد بناء ذاته في فضاءات انتقال لا تمنح جذوراً ثابتة؟ "الطانفا" تترك هذه الأسئلة مفتوحة، وتدعو القارئ إلى مشاركتها عبر تجربة قراءة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الوعي، والعمل مع الذاكرة، والطريق مع المعنى.