مواجهة الزيدي للميليشيات أشبه بالسير في حقل ألغام

مهمة الزيدي في كبح جماح الميليشيات المدعومة من إيران أكثر صعوبة مما كانت عليه بالنسبة للسوداني.

بغداد - خلال الصراع الذي هز الشرق الأوسط، ولا تزال تداعياته مستمرة على العالم، برز العراق كواحد من أكثر ساحات القتال تعقيداً، مع الكشف عن قواعد إسرائيلية سرية وقيام فصائل متحالفة مع إيران بشنّ هجمات بطائرات مسيّرة عبر الحدود ضد السعودية والإمارات. بينما لا يزال المقاتلون الأكراد الإيرانيون متمركزين في إقليم كردستان، وأمام هذه الفوضى يواجه رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي مهمة شديدة الصعوبة في الموازنة بين جميع القوى المؤثرة على بلاده.

ونقلت مجلة نيوزويك الأميركية عن علي معموري، الباحث في جامعة ديكين والمستشار السابق للاتصالات الاستراتيجية لرئيس الوزراء العراقي، "إن وضع العراق هش للغاية، لأنه منذ عام 2003، أصبح أحد الساحات الرئيسية التي تتنافس فيها الخصومات الإقليمية والدولية. لطالما كان التنافس بين الولايات المتحدة وإيران حاضراً في العراق، لكن الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تزيد من حدة هذا الضعف".

وأضاف معموري "تشير التقارير المتعلقة بالنشاط الإسرائيلي في غرب العراق، وعمليات الطائرات المسيرة التي تشنها الميليشيات من الأراضي العراقية، ووجود جماعات المعارضة الكردية الإيرانية في الشمال، إلى حقيقة واحدة: العراق ليس خارج الحرب. إنه جزء من جغرافيتها بالفعل، حتى وإن حاولت الحكومة العراقية رسمياً البقاء على الحياد".

ويجد العراق نفسه اليوم في وضع يثير إحباط المسؤولين بشكل خاص، نظراً للمدى الذي سعت إليه بغداد لإبعاد نفسها عن الصراع.

في مقابلة مع مجلة نيوزويك في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قبل الانتخابات البرلمانية بفترة وجيزة، تحدث رئيس الوزراء العراقي آنذاك محمد شياع السوداني بإسهاب عن إنجازه المزعوم المتمثل في جعل العراق "الدولة التي تتمتع بعلاقات أكثر توازناً وودية مع الولايات المتحدة وإيران"، بينما كان يسعى إلى "احتكار السلاح" في أيدي الدولة.
وأصدر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، قرارات في نيسان/أبريل الماضي، بشأن حصر السلاح بيد الدولة واتخاذ إجراءات حازمة بحق الجهات الخارجة عن القانون، وكذلك عقوبات عسكرية بحق المقصرين من الجهات الأمنية.

ولفترة من الزمن أثمرت هذه الاستراتيجية. لكن ما لبث أن تغير المشهد عندما تدخلت مجموعة من الميليشيات المتحالفة مع إيران المنضوية ضمن ما يسمى "المقاومة الإسلامية" في الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 باستهداف القوات الأميركية وإسرائيل، إلا أن الحملة توقفت تدريجياً، ونجا العراق من المشاهد المدمرة التي ميزت مسارح أخرى تواجدت فيها فصائل محور المقاومة بقيادة إيران، وهي لبنان والعراق وسوريا واليمن.

كما أيد السوداني خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة، وهي مقترح شامل كان يحمل في البداية وعداً بتهدئة التوترات الإقليمية. لكن مسار السوداني شهد انتكاسة وتبددت الآمال بحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب الهدوء الهش الذي كان يسود العراق، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا غير مسبوقة على إيران في فبراير/شباط، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
ولم يكن خامنئي، الذي خلفه ابنه مجتبى، مجرد صاحب السلطة العليا في إيران، بل كان أيضاً شخصية دينية بارزة لدى العديد من أتباع المذهب الشيعي الإثني عشري الذي يتبعه غالبية حلفاء طهران.

ويرى حمزة حداد الزميل المساعد في برنامج أمن الشرق الأوسط التابع لمركز الأمن الأميركي الجديد والمستشار السابق لرئيس البنك التجاري العراقي، أنه "على الرغم من وجود عدد من الجماعات المسلحة في البلاد، من الجماعات الكردية إلى الجماعات شبه العسكرية الشيعية، فقد نجح العراق في البقاء خارج الحرب الإقليمية من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى فبراير/شباط 2026".

وأضاف حداد "مع ذلك ومع مقتل المرشد الأعلى لإيران، الذي يحمل أيضاً لقباً دينياً رفيعاً، أصبح من الصعب على الحكومة العراقية الحفاظ على الاستقرار، حيث ردت بعض الجماعات المسلحة ذات العلاقات الوثيقة بإيران بشن هجمات على المصالح الأميركية في العراق".

وتناول التقرير استمرار الضغوط الأميركية على الزيدي لاتخاذ خطوات متشددة أكثر من أجل كبح جماح نفوذ الميليشيات، وبالتالي كبح جماح طهران، التي لها مصالح كبيرة في مستقبل العراق أيضاً. لكن مدير مجموعة "هورايزون للاستشارات" علي المولوي قال إنه "كما كان الحال مع سلفه، لن يمتلك رئيس الوزراء الجديد سوى قدرة محدودة على كبح جماح فصائل المقاومة في حال استئناف الحرب مع إيران، بالنظر إلى عدم وجود حل عسكري قابل للتطبيق لتفكيك هذه الجماعات".

أما الباحثة في "مجموعة الأزمات الدولية" لهيب هيجل، فترى أن "مهمة الزيدي في كبح جماح الجماعات المدعومة من إيران ستكون أكثر صعوبة مما كانت عليه بالنسبة للسوداني، بالنظر إلى تزايد الضغط الأميركي، في حين تصبح هذه الجماعات أكثر جرأة بعد الحرب".

وبدا ذلك واضحا في تصريح نائب رئيس المجلس التنفيذي في حركة النجباء الشيخ حسين السعيدي، قائلا أن مشروع دمج الحشد الشعبي مع القوى الأمنية "مخطط أميركي" بحسب وصفه، مبيناً أن سلاح المقاومة أمانة لا يمكن المساومة عليها.

وقال السعيدي، خلال كلمة ألقاها ضمن مهرجان "عشائر العراق تساند أهل المواقف" في محافظة البصرة، إن "سلاح المقاومة أمانة لا نساوم عليه، وهو مسؤولية تاريخية وشرعية لحماية الأرض والمقدسات"، مؤكداً أن "تجريد المقاومة من سلاحها يترك المجتمع بلا حماية في ظل استمرار التهديدات".

وشدد السعيدي على أن "المقاومة الإسلامية مع التداول السلمي للسلطة، رغم عدم امتلاكها أي تمثيل سياسي في الحكومات الحالية والسابقة". ولفت إلى وجود حديث متداول بشأن مشروع دمج هيئة الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية وقوات الرد السريع ضمن ما وصفه بـ"وزارة الأمن الاتحادي"، معتبراً أن "المشروع أميركي بحت".

وأكد نائب رئيس المجلس التنفيذي للنجباء، أن "مشروع دمج الحشد الشعبي عقيم وغير قابل للتنفيذ"، محذراً من أن "من يصر على تمريره سيدفع ثمن ذلك سياسياً وشعبياً".

كما أشار إلى أن "استقلال الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية والرد السريع عن الهيمنة الأميركية كان سبباً رئيسياً في قوتها ونجاحها"، مضيفاً أن "محاولات تذويب الحشد الشعبي وتجريده من عقيدته مرفوضة بالكامل لأن العقيدة مصدر القوة الحقيقي".

وتضمن المنهاج الوزاري لحكومة علي الزيدي، التي نالت ثقة البرلمان، يوم الخميس 14 أيار/مايو الحالي، فقرة حصر السلاح بيد الدولة، وشدد عليها خلال كلمته بعد نيله الثقة.

وردّ زعيم حركة النجباء العراقية أكرم الكعبي، مؤخرا على الدعوات التي تطلقها الولايات المتحدة بشأن "نزع سلاح" الفصائل العراقية، وأكد أنه "خط أحمر ولن يُسلم ولو بذلت الأرواح".