فنانون عراقيون يعيدون كتابة تاريخ بغداد بلغة الفن
بغداد - تتواصل في القصر العباسي التاريخي بالعاصمة العراقية أعمال مشروع "بغداد آرت" ضمن فعاليات اختيار بغداد عاصمة للسياحة العربية لعام 2025، ويسعى المشروع الذي انطلق في الخامس والعشرين من يونيو/حزيران الماضي بدعم حكومي إلى رسم أكبر لوحة فنية في العالم، ليضع رؤية فنية تُعيد كتابة تأريخ المدينة بلغة الألوان والخطوط والرموز.
ويُعد المشروع من أبرز المبادرات الثقافية والفنية في بغداد ويهدف إلى رسم أكبر لوحة فنية في العالم بطول 2000 متر بمشاركة أكثر من مئة فنان تشكيلي عراقي، وذلك في إطار اختيار بغداد عاصمة السياحة العربية.
وقال المدير العام لدائرة الفنون العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار الفنان الدكتور قاسم محسن على هامش انطلاق المشروع إن العمل المزمع الدخول به موسوعة غينيس للأرقام القياسية "مقدم من الفنان أمجد عباس كويش، ويعد سابقة فنية بدعم من الجهات المختصة من أجل إعلاء اسم بغداد والعراق".
ويرى الفنان أمجد كويش المدير التنفيذي للمشروع في حديث خاص لوكالة الأنباء العراقية (واع) أن بغداد آرت لا يُمثل حدثًا عابرًا بقدر ما هو انطلاقة أولى لمشروع مستقبلي واسع المدى.
وعن فكرة المشروع، يقول كويش "أسكن في هولندا، وتحديدًا بمدينة روتردام، وهي مدينة تحتضن كل عام مشروعًا باسم 'روتردام آرت'، في هذا المشروع تتحول المدينة بأكملها إلى متحف مفتوح، حيث تُعرض الأعمال الفنية في الشوارع والكنائس والمتاحف، وفق آليات عمل تُبتكر وتتطور سنويًا، وهذا ما ألهمني في بناء تصور لبغداد آرت، كنقطة انطلاق نحو مشروع ثقافي بصري مستدام".
وأوضح "أردنا أن تكون بغداد حاضرة بفنانيها، بروحها، بجمالها، بتاريخها، لذلك كان لا بد أن نبدأ من الرسم، كونه أول أشكال التعبير الفني، ولأن التشكيل بطبيعته عمل فردي، فإن ما نفعله هنا يُعد استثناءً كبيرًا: لوحة تشكيلية جماعية لأول مرة، وهو أمر نادر في عالم الفنون البصرية"، مؤكدا أن المشروع "يوثق تأريخ بغداد من نشأتها حتى اليوم"، لكنه لا يراه منجزًا شخصيًا أو حصريًا للفنانين المشاركين، بل يعتبره "إنجازًا جماعيًا للجميع، بكل ما تحمله الكلمة من معنى".
ويذهب كويش في رؤيته إلى أن الفنون البصرية، وعلى رأسها اللوحات التشكيلية، ليست فقط أدوات للتجميل أو الزينة، بل وثائق بصرية تحمل رسائل زمنية، قائلا "كل المدن في العالم اليوم تجد أن فنانيها قد أرّخوا ما جرى فيها بالألوان والرموز، أذكر هنا أعمال بيكاسو، كما أستحضر تجربة الفنان العراقي ضياء العزاوي الذي حمل في أعماله قضايا العراق وتحوّلاته، التاريخ لا يُكتب فقط عبر الأفلام أو الوثائق، بل أيضًا بالريشة والفرشاة"، مؤمنا أن اللوحة التشكيلية تتيح لغة محكية وبصرية في آن واحد، تجعل المشاهد قادرًا على التفاعل مع القصة من خلال الجماليات والرمزيات، ومن دون كلمات.
ويقول "نحاول عبر هذه اللوحة الجماعية أن نُقدّم صورة بغداد بما مرت به من ألم وجمال وتحوّل، ولكن بلغة تشكيلية تمنح المشاهد تجربة تأمل وفهم بصري عميق"، لافتا إلى أن حجم العمل سيتناسب مع رمزية بغداد نفسها.
وأضاف في حديثه لـ"واع" "تم الاتفاق على أن تبلغ مساحة اللوحة 2000 متر مربع، وقد تمتد لتصل إلى خمس هكتارات بطول 400 متر، ما يمنحها فضاءً بصريًا هائلًا، هي ليست مجرد لوحة تُرسم، بل مساحة فنية واسعة تُبنى بحجم مدينة"، مؤكدا أن "اللوحة ستُرسم على خامة القماش (الكانفاس)، باستخدام نفس المواد والألوان المعتمدة في الرسم التشكيلي الاحترافي، دون استثناءات أو معالجة صناعية خاصة".
وتابع "لم نُعلن عن المشروع إلا بعد استكمال كل الإجراءات، خصوصًا ما يتعلق بشروط موسوعة غينيس، فمن بين هذه الشروط أن تستغرق عملية تنفيذ اللوحة ثلاثة أشهر على الأقل، وأن تكون خاضعة للمتابعة والتوثيق طوال هذه الفترة لضمان الاعتراف بها رسميًا كأكبر لوحة فنية في العالم".
ويعد المشروع وانطلاقه ثمرة تحضير طويل امتد منذ مطلع هذا العام، حيث يوضح كويش "بدأت العمل على هذا المشروع منذ بداية السنة، وحصلت على الموافقات الرسمية من رئاسة الوزراء والدولة، وبعدها فقط أعلنا عن انطلاق بغداد آرت"، ولأن المشروع يعتمد على مشاركة أكثر من مئة فنان شاب، يجري حاليًا التحضير لإطلاق موقع إلكتروني رسمي، سيكون منصة لتقديم الطلبات، إلى جانب مؤتمر صحافي قريب يُعلن فيه عن شروط المشاركة وآلية التقديم.
وأوضح كويش "سيُطلب من الفنانين الشباب إرسال نبذة عن سيرتهم الفنية، وسيُنظر في الأعمال السابقة والخبرات، في ما ستتولى لجنة فنية مختصة عملية الاختيار، وهي لجنة مستقلة تم الإعلان عنها سابقًا"، مضيفا سيتم اختيار مئة فنان عراقي للمشاركة في تنفيذ اللوحة الجماعية، بإشراف فني مباشر من نخبة من الفنانين والمستشارين.
ورغم أن المشروع طموح على المستويين الفني واللوجستي، إلا أن الفريق القائم عليه لم يبدأ من فراغ، بحسب كويش، فقد حصل بغداد آرت على دعم معنوي رسمي من رئاسة الوزراء، بإشراف مباشر من مستشار رئيس الوزراء لشؤون السياحة والآثار والمغتربين عمر العلوي.
وأشار كويش إلى أن "الدعم تمثّل في تسهيلات رسمية ورعاية معنوية، فتحت الطريق أمامهم للبدء بالتواصل مع جهات استثمارية"، قائلا "نتواصل حاليًا مع مستثمرين وفاعلين من القطاع الخاص لاستكمال تمويل المشروع، فمثل هذه المبادرات تحتاج إلى أكثر من جهة مؤمنة بهاط، مبينا أنه "لأن حجم اللوحة وطبيعتها يتيحان لها أن تتجاوز مكان التنفيذ، سيكون للعمل حياة فنية بعد إنجازه، وستحظى بجولة عرض واسعة داخل بغداد".
وستُعرض اللوحة "في أماكن مهمّة داخل العاصمة، وستكون لها جولة تُشبه عروض الأفلام السينمائية الكبرى، وهناك شراكات قيد الترتيب مع فعاليات عربية ودولية، من بينها بينالي فينيسيا وبينالي دبي، حيث ستمثل اللوحة العراق بجناح خاص يُعرض فيه هذا العمل الفني العملاق"، وفق كويش الذي لا يرى أن بغداد آرت مجرد مشروع عرضي، بل يعتبره محاولة لإعادة الاعتبار للفن التشكيلي العراقي، الذي طالما أُهمل في ظل هيمنة الفنون الأخرى.
وأوضح أن "الفن التشكيلي مغيّب اليوم، ولا يأخذ حقه كما يجب، لا من حيث المساحات ولا من حيث التقدير، كثير من الفنانين الشباب يسألون أنفسهم: لماذا اخترت التشكيل؟ لماذا أرسم؟ في وقت لا توجد فيه صالات عرض كافية، ولا دعم حقيقي، ولا حتى فرصة لأن يرى الناس أعمالهم".
وبحسب كويش، فإن مشروع بغداد آرت قد يكون نقطة تحوّل، قائلا "هذا المشروع سيخلق مساحة قريبة من الفنان، تعيد الثقة، وتعيد الجمهور لمشاهدة الفن التشكيلي من جديد. سيشعر الفنان الشاب أن لوحته وموهبته تُشاهَد، تُحتَرم، وتُنتمي إلى مشهد ثقافي حي"، مشددا على أن المشاركين في تنفيذ اللوحة سيكونون جميعًا من الفنانين الشباب، في رسالة واضحة تعكس ثقة المشروع بالجيل الجديد من المبدعين العراقيين، وتمنحهم منصة غير مسبوقة للتعبير البصري الجماعي.
ولفت إلى أن هذه "اللوحة من رسم الشباب العراقي، ونحن نؤكد على ذلك، أردنا أن تكون هذه التجربة فرصة فعلية لهذا الجيل كي يقول كلمته من خلال الفن، ويضع بصمته في تأريخ بغداد المعاصر".
أما عن الموقع الذي ستُنَفذ فيه اللوحة، فيوضح كويش أن "ساحة الاحتفالات الكبرى كانت الموقع المقترح منذ البداية، لما تحمله من رمزية واتساع، إلا أن إدراج المشروع ضمن فعاليات بغداد عاصمة السياحة العربية أتاح خيارات أخرى ممكنة"، مضيفا "هناك مواقع أخرى قيد الدراسة مثل متنزه الزوراء، لكن القرار النهائي سيتوقف على مقدار الدعم المادي الذي سنتمكن من تأمينه، نحتاج إلى مساحة تتناسب مع طبيعة العمل وحجمه، ونطمح إلى أن يكون الموقع امتدادًا للفكرة: مساحة خَلّاقة لعمل فني استثنائي".