في مواجهة إرث العنف.. ضيف غير مرئي على مائدة ذاكرة غابرييلا

الرواية تتجاوز كونها سيرة ذاتية لتعكس التحولات السياسية والاجتماعية في إسبانيا وإقليم الباسك.

"يقال إن عائلتي تضم دائمًا ضيفًا إضافيًا في كل وجبة، غير مرئي لكنه موجود. له طبق وكوب وأدوات مائدة، ومن حين لآخر يلقي بظله على الطاولة فيطمس أحد الحاضرين". هكذا تبدأ رواية "ضيف على العشاء"، الرواية الأولى للكاتبة غابرييلا إيبارا، التي تستحضر فيها الاغتيال الوحشي لجدها، رجل الأعمال خابيير دي إيبارا، على يد منظمة إيتا في عام 1977. كان خابيير عمدة مدينة بيلباو بين عامي 1963 و1969، ورئيس مجلس إقليم بيسكاي بين 1947 و1950، ورئيس صحيفة إل كوريو إسبانيول-إل بويبلو باسكو، وعضوًا في محكمة القاصرين في بيلباو، بالإضافة إلى ذلك، كان مستشارًا للعديد من الشركات، وعضوًا في الأكاديمية الملكية للتاريخ، ومؤلفًا لعشرة كتب عن إقليم بيسكاي. عانى من عرج طفيف جراء إصابة في ركبته اليمنى خلال معركة إيبرو في الحرب الأهلية الإسبانية.

تتميز الرواية بمزجها الفريد بين الواقع والخيال، حيث استندت إيبارا إلى تقارير الصحف لإعادة بناء تفاصيل اختطاف جدها واغتياله، لكنها لجأت إلى الخيال لسد الفجوات التي خلفتها الروايات الإعلامية. تقول "لم أكن شاهدة على تلك الأحداث، لذا تخيلت مشاعر أبي وأعمامي وهم يُقيدون إلى السرير بينما يُسحب جدي بعيدًا. هذه التفاصيل لم تكن موجودة في الصحف". وفي الجزء المتعلق بوفاة والدتها، تُظهر الذاكرة هشاشتها، حيث تتشابك الحقيقة مع التفسيرات الشخصية. "الذاكرة خادعة دائمًا. كنت أسعى لنقل ما شعرت به، وليس فقط ما حدث بالضرورة".

تحاول الكاتبة فهم علاقتها بالموت والعائلة من خلال تحليل حدثين محوريين: الأول اغتيال جدها على يد منظمة إيتا الإرهابية في عام 1977، وهي منظمة انفصالية مسلحة تأسست في 31 يوليو/تموز 1959 في إقليم الباسك على الحدود بين إسبانيا وفرنسا، خلال عهد الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو. هدفت إلى تحقيق استقلال إقليم الباسك، الذي يشمل مقاطعات آلابا وبيسكاي وغيبوثكوا في شمال إسبانيا، وإقليم نافارا، بالإضافة إلى ثلاث مقاطعات تاريخية في إقليم الباسك الفرنسي (لابور، سول، ونافارا السفلى). وقد اعتمدت إيتا الكفاح المسلح كوسيلة لتحقيق أهدافها، مما جعلها تُصنف كمنظمة إرهابية من قبل إسبانيا، فرنسا، الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة.

والحدث المحوري الثاني وفاة والدتها بسبب السرطان في عام 2011. ويتزامن الحدثان مع لحظات تاريخية مهمة، فاغتيال الجد وقع قبل أيام من الانتخابات الديمقراطية الأولى في إسبانيا عام 1977، وتزامنت وفاة والدة الكاتبة مع إعلان إيتا توقف نشاطها الإرهابي المسلح في 2011. ومن ثم، تتجاوز الرواية كونها سيرة ذاتية لتعكس التحولات السياسية والاجتماعية في إسبانيا وإقليم الباسك.

في مقدمتها للرواية، أشارت إيبارا إلى أن القسم الأول منها يشكل إعادة بناء حرة لقصة عائلتها التي حدثت في إقليم الباسك في شمال إسبانيا في ربيع عام 1977، قبل ست سنوات من ولادتها. خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران من ذلك العام، اختُطف جدّها خافيير، والد أبيها، واغتيل. سمعت الحكاية للمرة الأولى وهي في الثامنة من عمرها، من زميل في المدرسة، حفيد المدعي العام الذي تولى قضية مقتل جدها. حكى لها كيف أن جده انتشل جثة جدّها من نهر "نيربيون" بشبكة صيد مشابهة لتلك التي يستخدمها أهل "جاليثيا" لصيد سمك الأنشوجة. ثم، بعد سنوات، أخبرتها زميلة أخرى في مدرسة مختلفة، وكانت حفيدة طبيب شرعي، أن جدها هو من شرَّح جثة جدّها التي وُجدت مقيدة اليدين والقدمين ومدعوسة تحت قطار بالقرب من محطة "لارَّاباستيرَّا"..

وأضافت "لأعوام عديدة، اقتنعت بأن القصتين حقيقيتان، ومزجتهما مع محادثات كنت أسمعها في البيت حتى شكلت روايتي الخاصة. لكن في يوليو 2012، شعرت بحاجة ملحة للغوص في تفاصيل اغتيال جدي. كانت أمي قد توفيت قبل حوالي عام، وبسبب مرضها، بدأ أبي يتحدث عن الموت بطريقة غريبة. ظننت أن حادثة الاختطاف مرتبطة بذلك. كتبت اسم جدي على غوغل وغصت في أرشيف الصحف. دوَّنت الكثير من الملاحظات عما قرأت، وفرَّغت الأخبار وردود الفعل حولها. وانتهى الأمر بتسلل المشاهد التي تخيلتها إلى دفتر مذكراتي. ما أرويه في الصفحات التالية ليس إعادة بناء دقيقة لحادث اختطاف جدي أو ما حدث لعائلتي فعلاً قبل مرض أمي وخلاله وبعده. لقد غيّرت أسماء العديد من الشخصيات، واختلقت الكثير من الفقرات بناءً على القصص. في كثير من الأحيان، بدا التخيل الخيار الوحيد المتاح لي لمحاولة الفهم".

وعن ما إذا كانت وفاة والدتها دفعها إلى التعمق في وفاة جدها، تقول "عندما أصبح مرض والدتي في مرحلة حرجة، بدأت آلية العائلة في التعطل. لم تعد الأدوار التقليدية صالحة، فاضطررت أنا ووالدي وأخواتي إلى ابتكار أشكال جديدة للعلاقات. تأملت في هويتي. لجأ والدي إلى الماضي، وتحدث عن وفاة جدي، مما أثار اهتمامي. حتى تلك اللحظة، كنت أعيش وكأنني أدير ظهري لاغتياله. ورغم أنني لم أعش موت جدي، فإن معرفة كيفية اغتياله ساعدني على فهم من أنا، وما هو إرثي، وماذا أريد أن أفعل به".

وتضيف "أتناول مشاعر وصراعات حقيقية، لكن الأحداث التي أصفها ليست كذلك. الجزء الأول ينتمي إلى زمن لم أعشه، فأمزج بين أخبار الصحف ومشاهد متخيلة بحرية تامة. لقد عدت إلى مرتفعات بارازار، حيث عُثر على جثة جدي، لأتأكد أن ما قرأته في الصحف كان حقيقيًا. في الجزء الثاني، الذاكرة مشوهة ومختارة بعناية، فالحياة الواقعية غالبًا ما تكون غير قابلة للتصديق، مع أجزاء مملة أو لا يرغب المرء في سردها. لكي نفهم، يجب أن نضع أنفسنا في مكان الآخر، وهذا يتطلب خيالًا. أطبّق تقنيات الرواية على صراعات حياتي. تخيلت مواقف وحاولت خلق شخصيات مقنعة. لم أرد أن أكتب نصًا مبالغًا في دراميته. أردت أن أكون صادقة، فالحياة تحمل في طياتها ما يكفي من الدراما".

وتتابع "مع اختطاف جدي، وجد والدي نفسه محاصرًا بسيارته عند معبر للسكك الحديدية في ألغورتا، أمام مظاهرة تحمل لافتات تؤيد اغتيال جدي. الكراهية شعور مدمر للغاية. أسأل نفسي مرات عديدة: كيف يمكن التعامل معها؟ وأنتهي دائمًا في طريق مسدود. الأدب أداة جيدة لفهم الآخرين والتعمق فيما يحدث لنا. أتمنى أن تحلل المزيد من الروايات ما عاشه إقليم الباسك من زوايا أخرى، رغم أن ذلك ليس طريقًا فعالًا جدًا ضد الكراهية. كل قارئ يفسر القصص حسب رؤيته، ومن الصعب أن تغير رواية طريقة تفكير شخص ما بشكل جذري".

وعندما سئلت إيبارا عما إذا كانت كتابة الرواية شكلت نوعًا من العلاج الشخصي، أجابت "كانت تجربة مواسية بطريقة ما، لكنها كانت أيضًا مؤلمة. شعرت وكأنني أعيش تلك الأحداث مجددًا، لكن بوعي أعمق. هذه القصة كانت شيئًا كان يجب أن أرويه. الآن، أرغب في استكشاف مواضيع جديدة، ربما مختلفة تمامًا".

مقتطف من الرواية

يقولون في عائلتي إن ضيفًا على العشاء يحضر مع كل وجبة، غير مرئي لكنه موجود. له طبق وكوب وأدوات مائدة. ومن وقتٍ لآخر يُلقي بظله على الطاولة فيمحو أحد الحاضرين.

أول من اختفى كان جدي لأبي.

في صباح العشرين من مايو لعام 1977، وضعت "مارثلينا" إبريق الماء على النار، وبينما تنتظر غليان الماء، تناولت المنفضة وشرعت في تلميع الخزف. في الطابق العلوي دخل جدي إلى الحمام، وفي نهاية الممر حيث الأبواب على شكل حرف "U" ينام الإخوة الثلاثة الذين لا زالوا يعيشون في المنزل. لم يعد أبي مقيمًا هناك، لكنه كان يمر بـ"نيجوري" ليقضي عدة أيامٍ مع العائلة في أثناء سفره من "نيويورك" إلى أي وجهةٍ يقصدها.

رنَّ الجرس و"مارثلينا" بعيدة عن المدخل، وبينما تمرر المنفضة على المزهرية سمعت أحدهم يصرخ من الشارع:

- وقع حادث.. افتحوا الباب!

ركضتْ إلى المطبخ لترى الإبريق الذي بدأ في الصفير بالفعل، وفي لمح البصر كانت تفتح الباب من دون أن تنظر من خلال العين السحرية لتجد أمامها أربعة ممرضين مقنعين يرتدون معاطف طبية مفتوحة ليبرزوا منها مدافع رشاشة.

قال أحدهم:

- أين السيد "خابيير"؟

ثم أخرج سلاحه ووجَّهه إلى الفتاة كي تقودهم إلى جدي. صعد الدرج رجلان وامرأة، بينما بقي الرابع في الأسفل يراقب المدخل ويقلب في الأوراق.

استيقظ أبي عندما شعر بشيء بارد يلمس رجله، فتح عينيه فوجد رجلًا يرفع عنه الغطاء بفوهة سلاحه، وفي الناحية الأخرى من الغرفة تقف امرأة تُكرر طلبها بأن يهدأ وبأنه لن يصاب أحدٌ بأذى. بعد ذلك سارت نحوه وأمسكت معصميه وقيدتهما إلى رأس السرير. غادر الرجل والمرأة الغرفة تاركين أبي وحده مكبل اليدين، وبطنه مكشوف ورأسه مرفوع للأعلى.

مرت ثلاثون ثانية، أو دقيقة، أو ربما أكثر. بعد وقتٍ غير محدد عاد الملثمون ليدخلوا الغرفة لكن ليس بمفردهم، بل معهم اثنان من أعمامي وعمتي الصغيرة.

كان جدي لا يزال في الحمام عندما سمع أحدهم يصيح ويطرق الباب، أغلق الماء، وعندما استمرت الضوضاء لف منشفة حول جسده وأطل برأسه إلى الردهة ليرى ماذا يحدث، رأى ملثمًا يلف ذراعه حول رقبة "مارثلينا" ويده الأخرى تحمل مدفعًا رشاشًا مصوبًا نحو الباب المفتوح. دخل الرجل إلى الحمام وجلس على المرحاض، ثم سحب الخادمة من تنورتها لتركع أمامه في بركة ماءٍ صغيرة على الأرضية. على بعد سنتيمترات كان جدي يحاول ترتيب مظهره وعيناه مثبتتان على انعكاس البندقية في المرآة، دهن شعره وحاول أن يصففه، لكنه لم يستطع فرق شعره بسبب ارتعاش أصابعه، وعندما انتهى خرج من الحمام، التقط مسبحته ونظارته وبخاخ التنفس وكتابه المقدس. أحكم ربطة عنقه وتوجه تحت تهديد السلاح إلى الغرفة التي يوجد بها أبناؤه.

وجد الأبناء الأربعة مقيدين في الفراش، ورأى امرأة تقيد معصمي "مارثلينا"، في صمتٍ جعل صوت صفير الإبريق مسموعًا.

هبطت المرأة إلى المطبخ بعدما انتهت من تقييد "مارثلينا"، ووضعت الإبريق فوق الطاولة الرخامية وأطفأت الموقد. بينما كان زملاؤها في الطابق العلوي يعيدون ترتيب الرهائن، في البداية حركوهم نحو جانبي الفراش ليتركوا فسحة بينهم، ثم سحبوا جدي من ربطة عنقه وأجلسوه في المنتصف.

أخرج أضخمهم كاميرا من حقيبة جلدية سوداء معلقة حول وسطه، ورفع قناعه إلى أعلى عينيه ليفحص عدسة الكاميرا لكن أبي وأعمامي وجدي لم ينظروا إليه. فرقع الملثم بأصابعه عدة مرات لجذب انتباههم، وعندما انتبهوا ضغط على الزر ثلاث مرات.

***

من بين النقاط التي لم تتضح بعد مصير الصور التي التقطها الخاطفون للعائلة، والصور الفورية الثلاث التي التُقِطت لـ"إيبارَّا" التي أخذوها من المنزل.

صرح أحد الأبناء: "يمكنني أن أؤكد لكم أننا لم نتلقَّ أيًا من صور والدي الثلاث لتكون دليلًا، لا نعرف ماذا حدث لها، ولا للصور التي التقطوها للعائلة مع والدي قبل لحظات من اختطافه، تلك الصور التي تظهرنا معه ونحن نودعه قبل مغادرة المنزل".

جريدة "الباييس" في الرابع والعشرين من يونيو عام 1977.