قبرص تبحث مع الإمارات دعم مشروع الكابل البحري الأوروبي
نيقوسيا – تتحرك قبرص بخطى حثيثة نحو توسيع شراكاتها الاستراتيجية في قطاع الطاقة، إذ كشفت اليوم عن محادثات جارية مع دولة الإمارات العربية المتحدة بخصوص التعاون في مشروع الربط الكهربائي البحري، الذي يحظى بتمويل من الاتحاد الأوروبي ويهدف إلى وصل شبكات الكهرباء بين أوروبا وشرق البحر الأبيض المتوسط.
ويُنظر إلى هذا المشروع، الذي تقدر تكلفته بـ1.9 مليار يورو، على أنه جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي، خاصة مع ربطه بين اليونان، قبرص، وإسرائيل. ويأتي هذا التطور في وقت حساس، بعد إعلان السلطات القضائية الأوروبية عن فتح تحقيق في مخالفات محتملة مرتبطة بتنفيذ المشروع.
وفي تصريحات صحافية، أكد الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس أن حكومته ملتزمة تمامًا بالمضي قدمًا في تنفيذ المشروع، مشيرًا إلى أن زيارته الأخيرة إلى الإمارات – برفقة وزير الخارجية – جاءت خصيصًا لاستكشاف فرص الشراكة مع أبوظبي في هذا الإطار قائلا "ناقشت الأمر بشكل مباشر مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ودرسنا معًا إمكانيات التعاون، ليس فقط في هذا المشروع، بل في مجالات مكملة أخرى".
ورغم حساسية التوقيت، تجاهل خريستودوليديس التعليق على التحقيق الأوروبي الذي أُعلن عنه مؤخراً، مكتفياً بتأكيد أن بلاده تسعى لضمان الشفافية والفعالية في تنفيذ المشروع.
ويُعد المشروع، الذي تُنفذه حاليًا شركة"ايبتو" اليونانية، الأضخم من نوعه في العالم، من حيث الطول والعمق، حيث يمتد لمسافة تقارب 1240 كيلومتراً، ويصل إلى عمق 3000 متر تحت سطح البحر. وقد تولت"ايبتو" المهمة نهاية عام 2023 بعد انسحاب شركة قبرصية كانت تعمل على المشروع منذ نحو عقد.
غير أن المشروع يواجه عدة تحديات، أبرزها عدم وضوح التكاليف النهائية، والتأخيرات المتكررة، وهو ما دفع نيقوسيا إلى البحث عن شركاء قادرين على ضخ استثمارات وضمان موثوقية التنفيذ.
بالنسبة لأبوظبي، فإن الدخول في هذا المشروع لا يمثل فقط فرصة اقتصادية، بل خطوة محسوبة لتعزيز موقعها كلاعب أساسي في قطاع الطاقة العالمي، ولفتح نافذة استراتيجية على السوق الأوروبية. فالمشروع يمنح الإمارات موطئ قدم في شبكة الربط الكهربائي العابرة للقارات، في وقت تتزايد فيه أهمية الطاقة كعنصر محوري في التوازنات الدولية.
كما يتماشى هذا التوجه مع سياسة الإمارات طويلة الأمد لتنويع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد على النفط، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة والنظيفة. والمشاركة في مشاريع معقدة وعابرة للحدود بهذا الحجم تؤكد قدرة الدولة على توظيف خبراتها وإمكاناتها المالية لخدمة أهداف استراتيجية عابرة للجغرافيا.
وترى نيقوسيا أن التعاون مع الإمارات من شأنه أن يضفي على المشروع مصداقية دولية، ويجلب دعماً مالياً وتقنياً يمكن أن يعيد الثقة في جدوى المشروع، ويذلل العقبات التي عرقلت تقدمه حتى الآن. كما يعزز الشراكة القبرصية الإماراتية من موقع قبرص كحلقة وصل رئيسية في منظومة الطاقة الأوروبية، ويمنحها ثقلاً سياسياً أكبر في المنطقة.
وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية العالمية، يُعد هذا التحرك القبرصي رهاناً استراتيجياً لإعادة إحياء مشروع يوشك أن يتعثر، عبر ضخ دماء جديدة في شراكة قد تعيد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط. الإمارات، بدورها، تجد في هذه الفرصة بوابة جديدة لترسيخ نفوذها الإقليمي والدولي عبر استثمارات ذات أثر طويل المدى.