قرار قضائي يحسم الجدل ويُعيد فيلم 'الملحد' إلى دور العرض

القرار القضائي يعيد تسليط الضوء على الإشكالية القديمة المتجددة المتعلقة بالفن والدين وحدود النقاش العام في مصر.

القاهرة - بعد أشهر من الجدل الحاد الذي سبق عرض فيلم "الملحد"، حسم القضاء المصري الأمر بقرار نهائي يتيح عرضه في دور السينما، واضعًا حدًا لسلسلة من لاتهامات والانتقادات التي طالت العمل منذ الإعلان عنه. وأعاد القرار الذي جاء استنادًا إلى تقارير الجهات الفنية المختصة، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والرقابة على المصنفات الفنية، تسليط الضوء على الإشكالية القديمة المتجددة المتعلقة بالفن والدين وحدود النقاش العام في مصر.

ويدور الفيلم، الذي يشارك في بطولته مجموعة من أبرز نجوم الدراما، حول صراع فكري يعيشه شاب يتعرض لظروف نفسية واجتماعية تدفعه إلى التشكيك، قبل أن يخوض رحلة بحث معقدة عن معنى الإيمان والوجود. ورغم أن العمل يقدم، وفق صناعه، معالجة درامية تهدف إلى تعزيز الحوار والتفكير النقدي لا الترويج لأي أفكار إلحادية، فإن الجدل تفجر مبكرًا بسبب حساسية الموضوع وضلوع بعض الجهات في تقديم بلاغات تتهم الفيلم بازدراء الأديان.

وأكدت الهيئات الرقابية في مصر خلال جلسات النظر في الدعوى، أن الفيلم مر على اللجان المختصة مرتين، وأنه لا يحمل أي محتوى يسيء للثوابت الدينية أو يشجع على الإلحاد. وبناء على ذلك، رفض القضاء طلب وقف العرض، معتبرًا أن المنع يتعارض مع القانون ومع حق المجتمع في الاطلاع على الأعمال الفنية التي تجتاز المسار الرقابي الطبيعي.

ولا يعد هذا القرار سابقة فقط فيما يتعلق بفيلم أثار حساسية دينية، بل يعكس أيضًا موقفًا رسميًا أكثر وضوحًا تجاه حرية التعبير في السينما، في وقت تواجه فيه صناعة الفيلم العربي عمومًا ضغوطًا متزايدة بين التمسك بالمعايير الاجتماعية التقليدية ومحاولات توسيع هامش النقاش الفني، فقد اعتبر عدد من النقاد أن حسم الجدل قضائيًا يعزز مبدأ أن الحكم على الأعمال الفنية يجب أن يكون من داخل صالات العرض، لا من خلال التكهنات أو الضغوط المسبقة.

من جهة أخرى، يُتوقع أن يحقق الفيلم حضورًا جماهيريًا أكبر بعد قرار السماح بعرضه، إذ عادة ما تمنح الضجة السابقة للأفلام مساحة دعائية غير مباشرة. كما يرى البعض أن الجمهور بات أكثر انفتاحًا على الأفكار الجدلية عندما تُطرح في إطار درامي متماسك لا يهدف للصدام، بل يقدم تساؤلات إنسانية يعيشها الكثيرون في صمت.

مع ذلك، يبقى عرض "الملحد" اختبارا جديدًا لقدرة المجتمع المصري على التفاعل مع قضايا فكرية حساسة دون الانزلاق إلى محاكمات نوايا أو مسارات تخوين، فالفيلم، مهما كان تقييم الجمهور له، أصبح جزءًا من نقاش أعمق حول دور الفن: هل هو مجرد وسيلة ترفيهية، أم مساحة مشروعة لتوجيه الأسئلة التي لا تجد دائمًا مكانًا في الخطابات العامة؟

وبينما تبدأ دور السينما في استقبال روادها لمشاهدة العمل، تبدو الرسالة الأهم التي حملها القرار القضائي واضحة: النقاش لا يُمنع، بل يُدار. وفي ذلك تأكيد على أن الفن، مهما كانت جرأته، يظل جزءًا من حراك طبيعي داخل مجتمع يبحث عن توازن بين حماية ثوابته والانفتاح على أسئلة العصر.

فيلم 'الملحد' ا المثير للجدل من انتاج أحمد السبكي وبطولة أحمد حاتم ومحمود حميدة وصابرين وحسين فهمي وتارا عماد وشيرين رضا ونجلاء بدر وأحمد السلكاوي وعدد من ضيوف الشرف منهم هشام عاشور.