قساوة العالم وصمت الإنسانية.. سؤال لا يجرؤ أحد على الإجابة عنه

حقوق الكرد ليست منّة من أحد، بل استحقاق تاريخي ووطني، ويصبح الدفاع عنها ضرورة وجودية في ظل عالم يتغير بسرعة ويفقد شيئًا فشيئًا حساسيته تجاه القضايا الإنسانية.

لم يعد الحديث عن القيم الإنسانية ترفًا فكريًا أو شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل أصبح سؤالًا مؤلمًا تواجهه شعوب تعيش في دائرة صراعات القوى الكبرى ومصالحها المتشابكة، وفي مقدمتها شعوب الشرق الأوسط التي تتحمل دائمًا عبء الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية للدول المتنفذة.

وفي إطار هذا المشهد المعقد، تبدو فكرة الإنسانية نفسها موضع اختبار حقيقي، خاصة حين يتم غضّ النظر عن معاناة الشعوب أو توظيف الجماعات المتطرفة كأدوات ضغط، في الوقت الذي تُعلن فيه الدول الكبرى والأمم المتحدة تمسّكها المبدئي بحماية حقوق الإنسان.

قد تتساهل القوى الغربية أحيانًا مع وجود جماعات راديكالية في مناطق الصراع، وقد تستفيد مرحليًا من الفوضى التي تخلّفها هذه الجماعات، لكن من المستحيل أن تقبل هذه الدول بتنظيم مثل "داعش" كسلطة أو كيان شرعي في سوريا. فمهما بلغت ازدواجية المعايير، تبقى الحقيقة أن داعش كيان غير قابل للضبط ويهدد الأمن الدولي والبنى التي يقوم عليها النظام العالمي. ولذلك، الفوضى قد تُترك عمدًا، وقد تُدار، لكنها لا تتحول إلى شرعية لدولة متطرفة.

السؤال الأوسع، والذي يتردد في الشرق الأوسط، هو: لماذا تستمر الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، في التعامل مع شعوب المنطقة بمنطق التجاهل واللامبالاة؟ الواقع يؤكد أن الغرب يحدد أولوياته وفق معادلة واضحة: الثروة والنفط والنفوذ تُحدد درجة الاهتمام، بينما تُترك الشعوب الفقيرة لمصيرها دون التفات إلى معاناتها.

وهذا ما نراه بوضوح حين يتم التركيز على الدول الغنية في المنطقة مقابل تجاهل مئات الآلاف من العمال الفقراء القادمين من بنغلاديش وسريلانكا وإندونيسيا وغيرها، ممن يبحثون عن لقمة العيش ولا يجدون من يدافع عن حقوقهم أو يعترف بإنسانيتهم.

أما الأمم المتحدة، فقد أصبحت مؤسسة مكبّلة بإرادة القوى الكبرى، لا تتمكن من اتخاذ موقف فعّال دون موافقة أصحاب النفوذ. الفيتو هو الحكم الفعلي، والمبادئ كثيرًا ما تُجمّد عند أول خلاف بين الدول الخمس الدائمة العضوية. لذلك، لا غرابة ألا نرى مواقف حاسمة من مجلس الأمن تجاه أزمات تمس حياة الملايين في منطقتنا.

وفي خضم هذا المشهد، ظهرت روايات شعبية تشكك في جائحة كورونا وطبيعتها وتتهم الدول الكبرى بصناعتها، وبأن اللقاحات كانت جزءًا من مشروع أكبر. ورغم أن الدليل العلمي لا يؤيد تلك الروايات، إلا أن انعدام الثقة بين الشعوب والحكومات وسياسات المصالح القاسية، فتح الباب واسعًا أمام هذه الاعتقادات. وهذا بحد ذاته مؤشر إضافي على أزمة عميقة في منظومة القيم العالمية.

وفي عالم تبدو فيه الإنسانية في تراجع، يصبح سؤال الكرد مشروعا: كيف يمكن المطالبة بالحقوق في وقت يُدار فيه العالم بمنطق القوة لا بمنطق العدالة؟ الكرد لا يطالبون بأكثر من حقوقهم الأساسية: الكرامة والأمان والشراكة والاعتراف. ومع ذلك، يواجهون واقعًا دوليًا لا يعطي الأولوية إلا للمناطق التي تخدم مصالحه، فيما يتم تجاهل المناطق التي تحتاج إلى الدعم لتحقيق الاستقرار. وهذا يضع على كاهل كردستان مهمة مضاعفة: ضرورة الحفاظ على وحدتها الداخلية وتقوية مؤسساتها وتنمية اقتصادها، حتى لا تبقى عُرضة للابتزاز السياسي أو الاقتصادي من أية جهة.

كردستان تمتلك موقعًا استراتيجيًا وشعبًا واعيًا وتاريخًا طويلًا من التضحيات، لكنها تحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب أولوياتها بطريقة تجعلها فاعلًا حقيقيًا في المعادلة الإقليمية، لا مجرد متأثرة بها. فالعالم لا يحترم إلا القوى التي تبني ذاتها، وتتمسك بحقوقها بواقعية وحكمة، وتعرف متى تفاوض ومتى تصمد.

إن حقوق الكرد ليست منّة من أحد، بل استحقاق تاريخي ووطني، ويصبح الدفاع عنها ضرورة وجودية في ظل عالم يتغير بسرعة ويفقد شيئًا فشيئًا حساسيته تجاه القضايا الإنسانية.

والمؤلم أن قسوة هذا العالم بدأت تتسرّب حتى إلى العلاقات الاجتماعية، كما أشرت بدقة، إذ أصبحت المصالح تتحكم حتى داخل العائلة، وفقدت الروابط قيمتها الإنسانية العليا. وحين تصل القسوة إلى هذا المستوى، تصبح الأزمة عالمية بكل معنى الكلمة، لأن المجتمعات لا تنهار من الخارج فقط، بل عندما تفقد بداخلها قيمة التعاطف والرحمة.

في نهاية المطاف، لا يمكن مواجهة هذا الانحدار الأخلاقي العالمي إلا بالتمسك بالقيم التي تجعل الإنسان إنسانًا، وبإصرار الشعوب على حقوقها، وإصرار الأفراد على عدم التخلي عن إنسانيتهم مهما كانت الظروف. إنها معركة طويلة، لكنها معركة لا بد من خوضها، لأن البديل هو عالم لا مكان فيه للعدالة ولا للإنسان.

وأخيرًا، لا يسعني سوى أن أقول: يبقى صمت الإنسانية هو الجرح الأكبر، فالعالم لا يفتقر إلى القدرة على قول الحقيقة، بل إلى الرغبة في تحمل تبعاتها. الجميع يعرف أين تقف المأساة ومن يصنعها، لكن الاعتراف ببساطة، أصبح عبئًا لا يريد أحد حمله. وهكذا يُترك السؤال معلقًا بلا جواب، ليس لأنه معقد، بل لأن الإجابة تُدين كل من يدّعي الإنسانية وهو يمارس عكسها.