قطوف من بستان الذكريات مع الباحث الموسوعي جميل إبراهيم حبيب

قبل أيام فجعت بخبر رحيل العراقي الموسوعي، ما جعلني استدعي إلى ذاكرتي الحبلى ملف الذكريات مع هذا الباحث الراقي مرهف الحس، سريع الدمعة، رقيق القلب، سريع البديهة، واسع الاطلاع.
أحمد مكتبجي
بغداد

لم تكن صبيحة ذلك اليوم التموزي القائظ من عام 2011 كسائر الصباحات التقليدية والروتينية في مسيرة حياتي، ففي ذلكم اليوم المشرق تشرفت وللمرة الأولى بالتعرف شخصيا على الباحث الموسوعي جميل إبراهيم حبيب الزبيدي، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، وهو ضيف دائم خفيف الظل على شارع المتنبي وعلى مكتباته الشهيرة العامرة حتى أصبح واحدا من معالم شارع الكتب والثقافة في العراق، وأحد أعمدته، إضافة إلى كونه أحد الزبائن الدائمين والدائبين على مقهى الشابندر التراثي.

قبل ذلك التاريخ كنت أعرف الزبيدي فقط من خلال مطالعتي لبعض كتبه والاستشهاد بفقرات مما جاء بين دفتيها في بعض أعمدتي ومقالاتي الصحفية تباعا، ومن أبرز كتبه التي كنت قد قرأتها قبل التعرف عليه عن كثب، كتاب "تاريخ متصوفة بغداد" الصادر عن مكتبة الشرق الجديد عام 1988، وكتاب "وصايا الشيخ عبد القادر الگيلاني".

يومها تجاذبنا أطراف الحديث سوية من دون الانتباه للوقت الذي مضى سريعا ونحن نتنقل من غصن ثقافي نظر، إلى فرع معرفي زاهر لنخوض في الزخارف والهندسة والمعمار البغدادي، ولاسيما وأننا كنا نقف إلى جوار مكان سبق وأن كان يسمى بجامعة آل البيت في منطقة الأعظمية، والتي كانت قد تأسست في عهد الملك فيصل الأول عام 1922، وقد أذاع لي الزبيدي سرا مفاده حرص البناء البغدادي على ذكر اسم الله تعالى مع كل طابوقة كان يصفها، وكل لبنة كان يضعها، قبل أن ننتقل بالحديث عن السبل والطرائق المثلى للتدقيق في شجيرات الأنساب والأرومات الطيبة، ومن ثم في الخطوات الناجعة لتحقيق ومقابلة وتصوير نسخ المخطوطات التي لم تحقق بعد، وقد برع الأستاذ جميل الزبيدي في كليهما، إذ لا يكاد يمر أحد من الباحثين على ذكر هذين الفنين ممن يتحاشا كثير من المحققين خوض غمارهما لحساسيتهما وصعوبتهما في آن واحد أولا، ولعظم المسؤولية وثقل المهمة التي تقع على كاهل كل من يطرق بابهما الموصد بإحكام ما خلا من يمتلك مفاتيحهما الذهبية ثانيا، إلا وأثنى على الزبيدي خيرا وأشار إليه بالبنان في هذا المضمار الذي صار فارسه بحق قبل أن يترجل من صهوته تاركا المهمة للأجيال التي رباها وعلمها لتكمل المسيرة من بعده، بعد أن داهمه هادم اللذات = الموت وكل من عليها فان، تحولنا بعدها للحديث عن أشهر الشخصيات التاريخية، ومدارس كتابة التاريخ وفلسفته وكيفية صناعته وتحريك عجلته التي لا تتوقف أبدا - سلبا أو إيجابا – إما إلى الوراء أو إلى الأمام، لتبدأ ومنذ ذلك الحين وبرغم فارق السن بيننا، صداقة متينة ومن نوع خاص عادة ما تبدأ بتناول طعام الفطور سوية في مكان ما، وكان زاد صحبته وقوامها هي الاستزادة من عبق بساتين العلوم التي يتقنها، وتنسم شذا المعارف المختلفة التي يجيدها، والغرف من معين الثقافات الثر الدافق أشربها طويلا بعيدا عن صداقات المصالح الوقتية، والمنافع الشخصية والماديات.

قبل أيام فجعت وصدمت بحق شأني في ذلك شأن كل مثقف عراقي وعربي تنامى إلى علمه، وتناهى إلى سمعه خبر رحيل الباحث العراقي الموسوعي جميل إبراهيم حبيب، وهو من مواليد عام 1944، ما جعلني استدعي إلى ذاكرتي الحبلى لفتات ومواقف من ملف الذكريات الجميل مع هذا الباحث الموسوعي الراقي مرهف الحس، سريع الدمعة، رقيق القلب، سريع البديهة، واسع الاطلاع الذي تخرج في قسم الفلسفة/جامعة بغداد عام 1966، ليعمل في سلك التدريس بالمدينة المنورة، قبل أن يعود إلى العراق ليعمل مدرسا ومحققا وباحثا في الأنساب والشخصيات التاريخية والمخطوطات، والانكباب على تأليف الكتب ولاسيما في علوم التاريخ والتصوف والفلسفة وبما يربو على 80 كتابا لعل من أبرزها "تاريخ أعيان البلاد المدفونين في بغداد" الصادر عن دار إحياء التراث العربي، و كتاب "الدرر الغوالي من أشعار الإمام الغزالي" ضمن سلسلة "من عيون الشعر الصوفي" عام 1985، وكتاب "تاريخ الأسر البغدادية ..دراسة عن نزوحها وأصولها ومناطق استقرارها ببغداد"، وكتاب "العشائر الزبيدية في العراق ومتفرعاتها والملحقة بها مع إشارة إلى صلاتهم بالقحطانيين"، وعلى منوالها كتاب "العشائر الشيبانية وتفرعاتها في العراق والعالم العربي"، وكتاب "العشائر الحميرية في العراق والبلاد العربية"، وكتاب "سيرة الإمام الشهيد الحسين بن علي 4 -61 هـ"، وكتاب "العباب الزاخر في تاريخ الإمام محمد الباقر"، وكتاب "سيرة الزبير بن العوام" الصادر عن الدار العربية للموسوعات، وغيرها الكثير من الكتب وبما لا يتسع المقام لذكرها في هذه العجالة.

ذكريات ومذكرات

كان الأستاذ جميل إبراهيم حبيب الزبيدي، الذي وافته المنية بتاريخ السادس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري في العاصمة الحبيبة بغداد، لا يمل خلال مجالس السمر والأمسيات الثقافية، ومثلها في الجلسات والأصبوحات الأدبية من الحديث عن أستاذه ورفيق دربه العلامة المحقق الدكتور محيي هلال السرحان، وقد لازمه حتى وفاته بأجله المحتوم في يوليو/تموز 2024، وكان المحقق جميل إبراهيم، قد بعث إليَّ بقصيدة للسرحان سبق وأن كتبها بخط يده لنشرها في إحدى الصحف المحلية الورقية لم يتسن لنا نشرها في حينه بسبب إغلاق الصحيفة ولأسباب لا داعي للخوض بتفاصيلها كونها غير ذات قيمة بالنسبة إلى القراء، وكان الأستاذ جميل قد سمع هذه القصيدة بنفسه ودونها في أجندته خلال مجلس من مجالس السرحان العلمية الكثيرة والغزيرة حين سئل إليه الموما عن ما يقرأه ويطالعه في شهر رمضان المبارك قائلا:

إن كنت تسألني عما أطالعه .....أو ما أسطره في باطن الكتب

في ظل شهر عظيم الخير جاء لنا...بالنور بالنصر،بالإخبات بالقربِ

فإن في رمضان الخير مكرمة ....تسمو على سائر الأعمال والرتبِ

شهر الفضائل والطاعات تجمعنا ...تصفو بأنواره الأنفاس من كربِ

نخير ما نقرأ (القرآن) نافلة....تجري قراءته في سلسلٍ عذبِ

وخير ما تكتب الأقلام معرفة....ترقى بصاحبها في العلم والأدبِ

من روحه نستمد العزم يلهمنا...تاريخه الباهر المشهود في الكتبِ

لنرسم النصر،والرايات شامخة ...على مشارف دنيا أمة العربِ

ولا غرو بأن من الذكريات الجميلة حديث الزبيدي بإسهاب عن كيفية كتابة التاريخ، مع تأكيده على إن التصدي لدراسة التاريخ فضلاً عن كتابته هي مهمة شاقة وصعبة وشائكة قد تحتاج من صاحبها إلى دقة التحري وتوخي الحذر في رصد المعلومة أو نقلها أو توظيفها لخدمة الحقيقة والوصول بيقين إلى ما هو صحيح يشتمل بعدئذٍ على عمل علمي محقق ورصين ومنهجي يستند على المصادر والمراجع والشواهد الموثقة.

ولطالما شدد الباحث الموسوعي على أن استخدام الوثائق الخالية من التزوير والتحريف والتلاعب من شأنه أن يزيد من أهمية ومصداقية المادة التاريخية وقيمتها، كما أن معاصرة المؤرخ لها دور في إبراز الأهمية التاريخية للأحداث أو الوقائع، وعلى الجميع الاتفاق الحازم على إنقاذ التاريخ من براثن الجهلة الضالين والمتاجرين به لغايات مريضة لا يفاد منه إلا الأجنبي الطامع، أو ناكر النعمة والجميل، وقد تنبه لهذا الخطر الكامن في تدريس مادة التاريخ قادة الفكر الحديث في العالم، وفي ذلك أنشأ الشاعر الرصافي يقول:

فشَرُ العالمين ذو خمولٍ...إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا        

جميل إبراهيم حبيب
واحد من معالم شارع الكتب والثقافة في العراق

كما كان الباحث الزبيدي مهتما بالمؤرخ العربي والقاضي والمُؤسس لعلم الاجتماع أبوزيد عبدالرحمن بن محمد، الشهير بابن خلدون، وبمقدمته، ولاسيما ما يتعلق منها بالفصل المخصص عن التربية وكيف أن ابن خلدون كان إماما ومجددا في علم التاريخ، وفن "الاتوبيوجرافيا" أي ترجمة المؤلف لنفسه، كما كان إماماً ومجدداً في أسلوب الكتابة العربية، وكان دبلوماسياً بارعاً، حيث قابل تيمورلنك بعد أن كلفته الدولة المصرية في حينها للتفاوض معه، وكيف كانت أفكاره وآراؤه التربوية تقترب إلى حد كبير من الفلسفات الحديثة حينما يتحدث عن قانون الاستعداد والتعلم في علم النفس وعن الأوراك الكلي (الجشطلت) ويؤكد على استخدام الأمثال الحسية من وسائل التعليم بعجزه فينصرف عن التعلم.

العشق الدائم إلى مسقط رأسه مندلي

لطالما شعر الأستاذ جميل إبراهيم حبيب، بالحنين الجارف وهو يغالب دموعه بمعرض حديثه المتواصل عن محلته "قلم حاج" في مسقط رأسه مدينة مندلي، وقد أرسل إليَّ ذات مرة مقالا لنشره في إحدى المجلات العراقية الثقافية عن هذه المدينة العريقة أذكر بعضا مما جاء فيه وفاء لكاتبه:

لا شك في أن مدينة مندلي تعد واحدة من المدن الأثرية القديمة التي تتوغل بجذورها العميقة إلى ما قبل فجر التأريخ وكانت ذات خصوبة حضارية مميزة في إشعاعها وفريدة في خصائصها وأنها حلقة متصلة بالشبكة السكانية المتعاقبة على ثراها من ذرية سام بن نوح (الجد الأكبر للعراقيين الأوائل) والتي توزعت بين أرجاء وادي الرافدين وأعلاها ووسطها وجنوبها وأطرافها امتداداً إلى الغطاء البشري المتحضر القاطن على جميع مساحات شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وسيناء ووادي النيل وما وراء باب المندب، وهي مُتوافقة ومتطابقة مع أنشطة مراكز الإشعاع الحضاري على المنطقة من أكدية وبابلية وآشورية، لافتا إلى أن "أقدم إشارة إلى اسم مدينة مندلي جاءت بقلم المؤرخ اليوناني هيرودتس الذي زارها وألمح إلى سمو مقامها الحضاري بين المدن العراقية القديمة، وطيبة سكانها، وحبهم للعمل، وأن فيها عيوناً للنفط، ولعلها وقفة، بل حجة تاريخية شاهدة على أن منطقة النفط خانة هي جزء من مندلي وبقيت كذلك إلى فترة الاحتلال الإنكليزي، حيث عملت على إلحاقها بخانقين".

ويضيف الزبيدي بأن "الكاتب التاريخي البلداني ياقوت الحموي قد أشار إليها أيضا في كتابه معجم البلدان". وأردف بالقول "إن كلمة مندلي محورة من بندنيجين ثم إلى الاسم الحالي، وهي كلمة سامية قديمة تعني (الملاكون الطيبون)، وكانت مدينة عامرة وقديمة لا تًعرف بانيها، ولها حضارة لا مثيل لها قبل التأريخ أي قبل التأريخ أي قبل الطوفان، وآثارها هي كلدانية وأشورية وبابلية.

رحم الله تعالى الباحث والمؤرخ والنسابة العراقي جميل إبراهيم حبيب، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه ومحبيه وسائر طلابه وتلامذته الصبر والسلوان.