قناة الجزيرة منبر للرأي أم لهندسة الفوضى!؟
منذ تدشينها في عام 1995، قدّمت قناة الجزيرة القطرية نفسها بوصفها منبرًا حرًّا رافعةً شعار “الرأي والرأي الآخر”. غير أن التاريخ السياسي والإعلامي العربي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فضح وأسقط قناع الوجه الآخر لهذه القناة كأداة مؤامرة في خدمة أجندة توسّعية تستعمل الإعلام سلاحًا لتفكيك البُنى السياسية والاجتماعية في دول عربية عديدة.
بين التمرّد الإعلامي المعلن والمشروع السياسي المبطَّن، لعبت الجزيرة دورًا محوريًا في صناعة “الربيع العربي” الذي تحوّل، كما أثبتت الوقائع، إلى "خريفٍ حارق" دمّر مؤسسات دولٍ وشعوبٍ عربية بأكملها.
عندما أُنشئت الجزيرة في الدوحة عام 1995، بعد أشهر قليلة من وصول الأمير حمد بن خليفة إلى الحكم عبر انقلابٍ أبيض على والده، كان الهدف الظاهري هو كسر احتكار الإعلام العربي الرسمي. غير أن التمويل الضخم، والبنية السياسية المغلقة لقطر نفسها، جعلا القناة أداةً سيادية أكثر منها مشروعًا إعلاميًا حرًّا. لقد وُلدت الجزيرة في بيئةٍ من المفارقات: دولةٌ بيترولية بلا برلمان، وبلا مؤسساتٍ انتخابية، تحتضن أكبر قاعدةٍ عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، لكنها ترفع راية "الديمقراطية" في وجه أنظمةٍ عربية أخرى.
مع نهاية التسعينيات، تحوّلت الجزيرة إلى مسرحٍ مفتوح لتصفية الحسابات الأيديولوجية والطائفية. فقد خصصت بلاتوهاتها لرموز الحركات الإسلامية المتشددة، وفتحت شاشتها لكل صوتٍ معارض لأنظمة الحكم العربية — مهما كانت خلفياته أو نواياه — ما دام يخدم هدف “إرباك النظام والأمن الداخلي”.
وفي الوقت الذي كانت فيه تدّعي تكريس وترسيخ المهنية، كانت تمارس هندسةً إعلامية دقيقة تعتمد على التأطير الانتقائي للأحداث والتكرار العاطفي للصور الدموية الصادمة لتوجيه الرأي العام، كما كشفت دراساتٌ في الإعلام السياسي (مثل دراسة مركز “بيو” الأميركي عام 2013).
حين اندلعت انتفاضات 2011، كانت الجزيرة في الصفوف الأمامية، ليس لتغطية الأحداث، بل لتوجيهها. لقد صاغت الخطاب، وحدّدت الأبطال والخصوم، وقدّمت الثورة كمشهدٍ درامي تتصدّره الكاميرا القطرية.
لكن سرعان ما انكشف الوجه الحقيقي لكذبة "الفوضى الخلّاقة": دعمٌ مباشر أو غير مباشر لقوى الإسلام السياسي في تونس ومصر وليبيا وسوريا، مع تحريضٍ مستمر على تفكيك الجيوش الوطنية. لم يكن الأمر دعمًا للديمقراطية، بقدر ما كان تسويقًا لفوضى خلاقة تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح قطر الإقليمية وتحالفاتها مع تركيا والإخوان المسلمين.
في مواجهة هذه العواصف، ظلّ المغرب نموذجًا وقدوةً للثبات السياسي والاستقرار المؤسساتي. فالمملكة ليست وليدة “الربيع العربي”، بل دولةٌ ضاربة الجذور في التاريخ منذ أكثر من اثني عشر قرنًا، بنظامٍ ملكي متجذّر يجمع بين الشرعية الدينية والتاريخية والدستورية، والتعايش بين جميع أطيافه الاجتماعية والإثنية.
لقد حاولت الجزيرة، عبر بعض تقاريرها التحريضية، التشكيك في النموذج المغربي، لكنها اصطدمت بواقعٍ مختلف: مؤسساتٌ منتخبة، وإصلاحاتٌ دستورية، وتقاليدُ ملكية ضامنةٌ للاستقرار، ومجتمعٌ مدني تقدّمي وحداثي بامتياز. لذلك فإن “الزلزال الإعلامي” الذي تُتقنه الجزيرة لا يمكن أن يهزّ أركان المغرب، لأن هذا البلد العزيز على جميع العرب لا يُدار من وراء الشاشات، بل من داخل مؤسساتٍ حقيقية تعرف كيف توازن بين الحرية والمسؤولية.
إذا كانت الجزيرة تزعم الدفاع عن الديمقراطية وحرية التعبير في العالم العربي، فالسؤال البديهي هو: لماذا لا تبدأ الإصلاحات من داخل جغرافيتها بالذات؟
إن القناة التي تدّعي “الاستقلالية” لا تملك مجلسًا تحريريا مستقلاً، وقراراتها التحريرية تصدر عن الديوان الأميري. لا صحافة استقصائية داخل قطر، ولا نقد للسلطة الحاكمة، ولا أصوات معارضة على شاشتها من الداخل. هكذا يتضح أن الجزيرة تمارس ديمقراطيةً انتقائية، تُوجّه سهامها فقط نحو أنظمةٍ محددة، وتغضّ الطرف عن نقدها السياسي الذاتي.
لقد فقدت الجزيرة منذ زمنٍ طويل صفة "القناة الإخبارية"، لتتحوّل إلى مختبرٍ لصناعة الرأي الموجَّه، يمزج بين الصحافة والدعاية السياسية. هي اليوم تمثّل مدرسةً في “الاستعلام السياسي المغلَّف بالإعلام الحرّ".
لكن المغرب برصيده التاريخي ومؤسساته الراسخة، لا يمكن أن يكون ميدانًا لهذه الفوضى المبرمجة، فالديمقراطية لا تُستورد عبر الأقمار الصناعية، بل تُبنى بالثقة، والإصلاح، والشرعية المتجذّرة في الذاكرة الوطنية.