قناع الأسماء المستعارة
الألقاب والأسماء المستعارة ظاهرة لا يخلو منها أدب من آداب العالم، ولا يقتصر الأمر على الأدب فقط، بل يتعدى إلى الدين والفن والسياسة والعلم والثقافة والحياة الاجتماعية بصفة عامة. وفي خاطر كل واحد منا، إذا رجع القهقرى إلى زمن صباه مثلاً، فلا شك يتذكر بعض الألقاب التي أطلقها أنداده أيامذاك على بعض رفاقه من العابثين، أو ممن تروقهم ألاعيب الصبا وشيطنة الصغر؛ بعضها يبعث على السرور وبعضها الآخر على الاستهجان.
لقد كان الرمز أسلوباً من أساليب التخفّي عند البوح؛ فقد رمز القدماء لآلهة الخير والشر بأشكال من الطيور والحيوانات. وعند المصريين القدماء مثلاً، رُمز للإله "رع" مدبر الكون بصقر فوقه قرص الشمس، ويحيل معنى "رع" على العمل والإنتاج. وصوروا إله البعث "أوزوريس" بشكل أسد ينهض من مكانه، كما كان "أنوبيس" إله التحنيط يرمز له بشكل ذئب على هيئة إنسان، كما اتُّخِذت "الحية" رمز الملك عند "رمسيس الكبير" وجُعلت في أعلى التاج. كما رمز "خفرع" من قبل لملكه بـ "الأسد"، واتخذ "صلاح الدين الأيوبي" "النسر" رمزاً لحكمه.
كما تُتخذ رموز للديانات والثقافات؛ فـ "الصليب" يُتخذ رمزاً للمسيحية، و"الهلال" رمزاً للديانة الإسلامية. وترمز بعض الحيوانات أو الكائنات إلى دول؛ فـ "الدب" يشير عادة إلى روسيا، و"التنين" إلى الصين، و"النسر" إلى ألمانيا، و"الذئبة" إلى روما وإمبراطوريتها، و"الأسد" إلى بريطانيا، و"الأرز" إلى لبنان. كما تتخذ بعض الدول رموزاً من الأجرام السماوية كـ "القمر" و"الشمس" و"النجوم" و"الكواكب".
وفي الآداب الغربية، فضل "موليير" أن ينأى بنفسه عن عائلته البورجوازية خاصة وهو يكتب في المسرح الهزلي، واسمه الحقيقي "Jean-Baptiste Poquelin". و"فولتير" اختار هذا الاسم المستعار لنقض العلاقة التي تربطه بأبيه "FranÇois-Marie Arouet". و"جيرار دي نرفال" (جيرار لابروني) فضل الانتساب إلى أمه قاطعاً صلته مع أبيه، و"نرفال" اسم أرض كانت تمتلكها جدته لأمه.
ومن النساء من اتخذن اسماً مستعاراً ذكورياً لانتزاع حق الكتابة؛ كـ "جورج ساند" ("أورور دوبين")، و"جورج إليوت" ("ماري إيفانس")، و"الأخوات برونتي" اللائي كن ينشرن باسم إخوتهن؛ حيث إن بروز المرأة وممارسة حق الكتابة لم يكن مقبولاً في العصر الفكتوري.
وفي التراث العربي القديم، لا تكاد العين تخطئ ظاهرة الألقاب والكنى والأسماء المستعارة في شؤون الأدب والدين والفن والعلم والثقافة؛ فهناك من اختارها وهناك من فرضت عليه إنعاماً أو عقاباً. فـ "إخوان الصفا" مثلاً أعيا المحققين استقصاء أسمائهم الحقيقية بدقة وعلى سبيل القطع واليقين. ولقد أطلق العرب الألقاب على السيوف والخيل والرماح وغير ذلك.
وفي الشعر مثلاً، هناك من اشتهر بلقبه ولم يعرف باسمه الحقيقي؛ كـ "امرئ القيس" و"النابغة" و"الأخطل". وهناك من عرف بلقبه مضافاً إلى اسمه الحقيقي؛ كـ "علقمة الخصي" و"علي الأصغر" و"يزيد الغواني" و"زيد الخير" و"سعد العشيرة" و"معاذ الهرّاء". ومن عرف باسمه ولقبه كـ "مصعب بن الزبير" و"حسان بن ثابت". وهناك من رضي بلقبه كـ "وجه الباب" (وقد كان مخنثاً أحول أعمش يمتهن الغناء) و"ورش". وهناك من لم يرضَ كـ "الأقشير" و"المتنبي" الذي قال: "لست أرضى أن أدعى بهذا وإنما يدعوني من يريد الغض مني ولست أقدر على المنع".
وهناك من الشعراء من نطق بألفاظ فصارت لقباً لهم كـ "صريع الغواني" و"قتيل الهوى" و"البعيث". وآخرون لقبوا لبيت من الشعر قيل فيهم كـ "الأصعر" و"الشويعر" و"ذي العباءة". وبعضهم الآخر لحادثة أو قصة وقعت لهم كـ "حيص بيص" و"عصفور الشوك" و"تأبط شراً". وبعضهم الآخر لحرفة كان يزاولها كـ "الثعالبي" و"الزيات" و"الوشاء" و"الطغرائي" و"الفراء" و"الساعاتي".
وبعضهم الآخر لعيب خلقي أو عاهة كـ "الجاحظ" و"الأعشى" و"الأحوص" و"الأعرج". وبعضهم الآخر أطلقت عليهم ألقاب على سبيل التشبيه والمماثلة كـ "متنبي الغرب" و"جالينوس العرب" و"بلزاك الرواية العربية" و"مس كوري الشرق" و"أينتشاين العرب" و"بودلير الشرق". وآخرون جعلت لهم ألقاب للتعظيم كـ "حجة الإسلام" و"درة العراق" و"تاج الأئمة" و"إمام الدعاة" و"فم الذهب" و"الديباج" و"شرف الشيخ". وبعض الألقاب أطلقت على سبيل الاستخفاف كـ "الحطيئة". وهناك ألقاب تطلق لمنصب سياسي مثلاً كـ "المعز لدين الله" و"القاهر بالله" و"سيف الدولة" و"عضد الدولة". وهناك من عرفوا بـ "الأذواء" كـ "ذي التاج" و"ذي النورين" و"ذي الشهادتين" و"ذي القروح" و"ذي الوزارتين" و"ذي اللسانين" و"ذي البيانين".
وفي مجال الفن، يعرف الغالبية من الناس على ماذا يحيل لقب "كوكب الشرق" و"صاحبة العصمة" و"العندليب الأسمر" و"مطرب الملوك" و"جارة القمر" و"الشحرورة"، وغير ذلك كثير.
حين يتخذ الشاعر أو الكاتب اسماً مستعاراً فإنه يتقنع بقناع أو يختفي وراء خمار الأسماء، وهناك أسباب تدعو إلى ذلك؛ كالخوف من الرقابة السياسية، أو الهروب من الرقابة الدينية والاجتماعية، أو الفرار من الحقد والظلم، أو الحشمة والخفر عند النساء. ففي الخليج مثلاً، لا تسمح بعض العائلات لبناتها بممارسة الكتابة وبروز أسمائهن الحقيقية على أغلفة الكتب القصصية والشعرية. بل وعند الرجال كذلك؛ فمن المحافظين من يضيق بنشر قصيدة غزلية مثلاً باسمه الحقيقي فيتخفى وراء اسم مستعار.
وهناك من يضيق باسمه إذا كان الاسم يوحي بالعبث أو الفجور مثلاً أو معنى مستهجن، فيتركه الكاتب مفضلاً عليه الاسم المستعار. وحين اشتد التطرف والتكفير والتهديد بالقتل عمد بعض الكتاب إلى التقنّع وراء الأسماء المستعارة حماية لأنفسهم. أو بسبب مركز الكاتب الطبقي، وهناك التماشي مع العرف، وهناك الضيق بالاسم أو النظر بالزراية إلى الكتابة القصصية أو الشعرية عند طبقة معينة، فيتحايل المبدع على ذلك باللجوء إلى "التعمية".
ويلجأ بعض أصحاب الوظائف السامية إلى التعمية لمزيد من الحرية في البوح أو الكتابة؛ كمن يشتغل بالقضاء أو الجيش أو رجال الدين. وهناك عقدة الأعمال الأولى؛ فبعض الكتاب يعمدون عند نشر الأعمال الأولى إلى الاسم المستعار لجس النبض ورصد الأثر الذي تتركه أعمالهم، فإذا نجح عادوا إلى أسمائهم الحقيقية. فحين أصدر "محمد حسين هيكل" روايته "زينب" لم يشر إلى اسمه بل كنى عنه بلقب "مصري فلاح"؛ وذلك لأن هيكل من الطبقة الأرستقراطية وكانت هذه الطبقة تنظر إلى الفن القصصي نظرة دونية، ثم إن هيكل لا يعرف مصير هذه القصة من النجاح أو الخيبة فاحتال لذلك بإخفاء اسمه واكتفى بالإشارة إلى أن القصة بقلم "مصري فلاح".
وهناك سبب مادي يرتبط بالصحافة؛ فالكتاب الذين يكتبون في صحف متعددة يضطرون من أجل الربح ومضاعفة مردودهم إلى الكتابة بأسماء مستعارة متنقلين بين صحف متعددة بكل حرية مادامت كتاباتهم تلقى رواجاً، عملاً بالقول المأثور: "انظر إلى ما كُتب لا إلى من كتب". وربما قد يحرمهم الاسم الحقيقي من هذه المزية خاصة وأن بعض الصحف تنظر إلى بعض كتابها بمنظار الحصرية.
وعند العائلات السياسية العريقة تلجأ بعض الكاتبات إلى التخفي وراء قناع الألقاب لأن العائلة لا ترضى بالاسم الصريح، ومن ذلك حالة "غادة الصحراء" لـ "مشاعل بنت عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود"، و"باحثة الحاضرة" لـ "فاطمة" أخت الملك "الحسن الثاني".
على أن حالة "أدونيس" ("أحمد علي سعيد") جديرة بالوقوف عندها؛ فالشاعر الحداثي مارس نوعاً من التحرر في اختيار اسم مستعار له بدلاً عن الاسم الأول الذي أطلقه عليه أبواه والذي يحيل على المرجعية العربية الإسلامية، في حين يحيل الآخر على المرجعية الإنسانية بالتشبث بهذا الاسم الإغريقي، ناهيك عن الدلالة العميقة للاسم؛ فـ "أدونيس" رمز للنهر والسهول يحيل على التجدد والانبعاث والتوتر والحركة.
لقد كانت الأسماء المستعارة والكنى والألقاب محل دراسة من القدماء وألفت فيها الكتب العديدة، ولعل من أشهرها: "ألقاب الشعراء" لابن السائب الكلبي، و"كتاب من قال شعراً فسمي به" للمدائني، و"ألقاب الشعراء" لمحمد بن المرزباني، و"ألقاب الشعراء" لمحمد بن حبيب، و"ألقاب الشعراء" للزيادي، و"ألقاب الشعراء ومن عرف منهم بالكنية ومن عرف منهم بالاسم" لابن طيفور، و"كتاب من قال بيتاً فلقب به" لمحمد بن الحسن الشكري، و"ألقاب المذاكرة في ألقاب الشعراء" للنشابي، و"الكنى والألقاب" لعباس القمي. وللثعالبي فصل في نفس الموضوع في كتابه "لطائف المعارف"، و"سامي مكي العاني" في "معجم ألقاب الشعراء"، و"فؤاد صالح السيد" في "معجم الألقاب والأسماء المستعارة في التاريخ العربي والإسلامي".
في العصر الحديث كثرت ظاهرة الأسماء المستعارة بين الأدباء شعراء وكتاب، إلى درجة أن المستشرق "كراتشوفسكي" الغيور على التراث العربي الإسلامي كتب مقالاً مهيباً بالكتاب والباحثين أن يتصدوا لهذه الظاهرة بفك طلاسمها وحل معميات الأسماء وتفسير هذه الملغزات حتى لا يقع القارئ في المستقبل في "حيص بيص" ويختلط عليه الحابل بالنابل ويستعصي عليه معرفة كاتب مقال أو قصيدة أو مؤلف كتاب. فـ "الأب أنستاس ماري الكرملي" وقع بـ "39" اسماً مستعاراً في "80" مجلة ودورية نشر بها بحوثاً ومقالات. ولقد بادر "جرجي زيدان" في أحد أعداد "الهلال" إلى التصدي لهذه المشكلة فكتب بحثاً عنوانه "ألقاب الشعراء من أقوالهم".
غير أن أهم محاولة جادة رصينة ومنهجية في هذا المضمار كانت من الاختصاصي في علم المكتبات والببليوغرافيا والتوثيق "يوسف أسعد داغر"؛ فأسدى بمعجمه الشهير "معجم الأسماء المستعارة وأصحابها لاسيما في الأدب العربي الحديث" خدمة عظيمة إلى الأدب العربي الحديث وإلى القراء والباحثين على وجه العموم. وعلى هذا المنوال وفي إطار ضيق أصدر "عبد الرزاق القشعمي" "الأسماء المستعارة للكتاب السعوديين".
ولعل من أشهر الأسماء المستعارة في الأدب العربي الحديث "بنت الشاطئ"؛ فقد ذكرت في سيرتها الذاتية أن لجوءها إلى هذا الاسم كان فراراً من الرقابة الأبوية، فقد كان والدها لا يرضى منها الكتابة ولا نشر الأشعار فهو يرى ذلك مساً بسمعة العائلة وسمعته كرجل دين محافظ جداً، فاتخذت من "شاطئ دمياط" رمزاً وقناعاً تخفت أول الأمر وراءه ونشرت مقالاتها في "الأهرام" وغيرها.
ومن توقيعات العصر الحديث ما اشتهر كثيراً؛ فـ "مي زيادة" كانت توقع مرة "عائدة" ومرة أخرى "إيزيس كوبيا"، و"حسن حمدان" "مهدي عامل"، و"بشارة الخوري" "الأخطل الصغير"، و"محمد صفوت الساعاتي" "ديك الجن"، و"أحمد رامي" "شاعر الشباب"، و"ملك حفني ناصف" اتخذت اسماً مستعاراً هو "باحثة البادية"، و"يمنى العيد" هو الاسم المستعار لـ "حكمت صباغ الخطيب"، و"أمير البيان" هو الاسم المستعار لـ "شكيب أرسلان"، و"محمد الماغوط" وقع "سومر"، و"غسان كنفاني" "فارس فارس"، و"عبد الله الفيصل" "المحروم"، و"خالد الفيصل" "دائم السيف"، و"يعقوب العودات" "البدوي الملثم". وتوقيعات أخرى ظهرت في الصحافة كـ "الفارياق" و"الشاعر المتألم" و"لاجئ عراقي" و"نسر الجبل" و"غريب عن أورشليم". بل من الكتاب من تخفى وراء أسماء نسائية؛ كـ "إبراهيم البيروتي" بـ "مي الصغيرة"، والسعودي "أحمد الحجازي" بـ "فتاة الحجاز"، و"رئيف خوري" بـ "أم عباس"، و"إحسان عبد القدوس" في بعض مقالاته تخفى وراء اسم مستعار هو "زوجة أحمد".
ولا شك أن هذه الأسماء المستعارة والتخفي وراء الأسماء القلمية كانت تحقق متعة بين رواد المقاهي للاختلاف حولها والبحث فيها ومحاولة معرفة أصحابها الحقيقيين بين قُصّاد تلك المقاهي، خاصة إذا تعلق الأمر بشأن سياسي خطير واختلاف الجلساء على الأسماء الحقيقية بحسب نوع المقال ودرجة أهميته. وشاع كذلك أن تأتي المقالات غفلاً من أسماء كتابها في بعض الصحف، ولكن القراء يعرفون أنها بقلم رئيس التحرير؛ كمقالات "داود بركات" و"أنطون الجميل" و"خليل ثابت" و"يعقوب صروف". ومن الكتاب من كان يتستر وراء رمز كـ "صليب"، "نجمة"، "نقاط متتابعة".
يقول أسعد داغر في مقدمة معجمه بعد أن قرأ مقالة "كراتشوفسكي" التي يهيب فيها بالباحثين العرب أن يتصدوا لمشكلة الأسماء المستعارة وحل معمياتها وفك طلاسمهما: "منذ قراءتي هذا البحث البناء، أي منذ خمسين سنة تقريباً، أجمع في مجال الأسماء المستعارة ما ظهر منها وأفهرس له فهرسة علمية قاموسية، إلى أن اجتمع لي من هذا كله قدر كبير رأيت أن أخرجه للناس ليفيد منه من يهمهم الأمر، وهم عديدون. وأنا على يقين أن العمل لم يبلغ بعد تمامه، وأن هناك مئات من أسماء الأقلام وشتى التواقيع المستعارة لم يتم الكشف عنها. فأقدمت، مع ذلك، على إخراجه ولساني يردد مع القائل: ما لم يدرك كله لا يهمل جله".
والقصد من إثبات هذه الفقرة أن هذه الظاهرة لم تنقطع مادامت تجد أساسياتها في الخلفية النفسية السيكولوجية أو البنى الاجتماعية أو الخلفية الدينية أو السياسية أو توخي المصلحة الشخصية والحسابات المستقبلية أو المسايرة والمماثلة. وهذا يلقي عبئاً على كاهل الكتاب والباحثين في رصد هذه الظاهرة ووضع القواميس مستقبلاً لفك طلاسمها حتى لا يختلط الحابل بالنابل، خاصة وأن بعض الكتابات أو الأشعار على درجة من الأهمية سواء بالنسبة لصاحبها أو الفترة الزمنية التي كتبت أو قيلت فيها.